ads
ads

العقيدة... وعلاقة الأديان ببعضها

عمر حبيب
عمر حبيب
عمرحبيب
ads


"إن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، و إذا فسدت فسد الجسد كله ... ألا و هي القلب"، صدقت يا رسول الله ... و كما أن التغيير في أي شئ يبدأ من الداخل و يتسع و يتجه خارجياً ، فإننا إذا أردنا أن نقوم بتغيير المجتمع علينا أولا أن نقوم بالتغيير الداخلي في أنفسنا أولا ، و كما قال رب العالمين : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ... صدق الله العظيم.

وحيث أن إتجاه التغيير بصفة عامة يبدأ من المركز، فإن مركزية الإنسان محلها القلب.

عليك يا صديقي أولا أن تنظر نظرة عميقة داخل قلبك، لترى ما بداخله من أمور و متغيرات ، و لعل أهم و أرسخ تلك الأمور المتوطنة داخل قلب كل فرد فينا هو الدين.

عقيدة الإنسان هي جزء من هويته، ركن أساسي و ركيزة هامة في تكوين كل شخص .. عقيدتك هي المحرك الرئيسي لك في الحياة .. فهي تتدخل في أسلوب حياتك ، في إتخاذ قراراتك .. هي المنهج و المرجع لك في أغلب أمورك .. هي الميثاق و التشريع.. هي الدستور السماوى و القانون الكوني، وهي الميزان الذي توازن على كفتيه أقوالك وأفعالك.

وكما ذكرنا في المقال السابق أهمية دور الأب و الأم في بناء الأسرة و إنتاج أفراد صالحين و نماذج بناءة في المجتمع ، فقد وجب علينا هنا أن نضيف أساس آخر من أسس بناء الفرد و المجتمع، والعمل على تنميته و تفعيله بشكل مستمر.. و هو الدين.

لقد أرسل الله عز و جل الرسل و الأنبياء محملين برسالاته السماوية و كلماته المنيرة لهداية البشر و إصلاح و بناء المجتمع الإنساني ، فالتوراة رسالة الخير والعدل، والإنجيل رسالة المحبة و التسامح، والقرآن رسالة الهداية و الرحمة للعالمين، وكلها كلمات الله عز وجل أنزلها لعباده في الأرض ، فبعد أن كانوا أعداءاً ألف بين قلوبهم و أصبحوا بنعمته إخواناً.

فالمسلم والمسيحي واليهودي هم أخوة متحابين، أخوة في الإنسانية، يحملون في قلوبهم كلام الله و تعاليمه، وأخوة في وطن واحد يدافعون بدمائهم الحرة عن كل ذرة من ترابه النفيس.

ونحن نتذكر جميعاً مصرنا الغالية في بدايات القرن الماضي عندما كان المسلم و المسيحي و اليهودي جيراناً في بيت واحد و شارع واحد ، يتزاورون في المناسبات الدينية المختلفة الخاصة بكل منهم .. فعلى مائدة الإفطار في شهر رمضان كان جرجس يشارك أخاه مصطفى الذي بدوره حينما يأتي عيد الفطر يقوم بخبز كعك العيد في مخبز عم ليشع .. كان فانوس رمضان و شجرة الكريسماس و غيرها هي مظاهر الإحتفال لكل المصريين ، و كنا نهنئ بعضنا البعض في الأعياد قبل أن تخرج علينا فتاوى الجهلاء بعدم فعل ذلك .. لم أكن أعلم أنني إذا هنأت جرجس بمناسبة عيد القيامة أو هنأت عم ليشع بعيد الغفران فإني بذلك قد إرتكبت إثماً مبيناً و بهتاناً عظيماً !.

إني أتذكر أيام المدرسة في فترة التسعينيات عندما بدأت العلاقة بين المسلم و المسيحي في الإضطراب و التوتر بسبب تلك المستحدثات الجاهلة العقيمة التي تخللت فكر مجتمعنا ، و إخترقت جسد الوحدة الوطنية كالفيروس اللعين و أذكر منها عبارات مثل : لا تصافح نصرانيا ، لا تأكل معه ، أو إحدى العبارات المفضلة لدي حينما يتعرف عليّ شخص لأول مرة بعد أن يعرف إسمي قائلا في دهشة و حيرة : إنت مسلم و لا مسيحي ؟؟.

ما علاقة هذا بي !! و هل إذا كنت مسيحياً أو يهودياً شأن في علاقتك بي ، و هل أصبح المقياس في زمننا و المعيار الذي نحكم به على الأشخاص ليدخلوا محيطنا أم لا هو دينك أو إسمك أو لونك ؟؟.

والله عز و جل إشترط علينا حتي يكتمل إيماننا أن نؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله ... لا نكفر أحداً و لا نحاسب أحداً.. لست أفضل من أحد لمجرد أنك مؤمن ، فنحن لا نمُن على الله بإيماننا لأنه عز و جل غني عن العالمين ، و لسنا مخولين لنحاسب أحداً لأننا جميعاً سوف نُحاسب يوم القيامة ، لا أنا و لا أنت و لا أي شخص يعلم مصيره .. الجنة أم النار .." إن الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين و النصارى و المجوس و الذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ شهيد " صدق الله العظيم .
و حينما تمرض فإن الطبيب الذي يعالجك قد يكون مسيحياً أو يهودياً ، و إن إحتجت إلى نقل دم فأنت لا تعلم أن كيس الدم الذي يُنقل إليك و يسري الآن في عروقك هو دم مسيحي أو يهودي أو مسلم أو حتى ملحد.

والله عز و جل أمرنا بمساعدة كل الناس دون النظر أو الأخذ في الإعتبار بعقيدتهم حتى و إن كان مشركاً إستجارك فأجره و أبلغه مأمنه .. ذلك لأن رسالة الإسلام هي رحمة و هدى لكل العالمين.
 
والأدوية و الأمصال و العقاقير و ألبان الأطفال صُنعت في دول الغرب ، صنعوها لخدمة الإنسانية و ليس لخدمة دين معين أو طائفة بذاتها ، وانظر إلى هاتفك المحمول و اللاب توب و التابلت و الإنترنت و سيارتك و تلفازك و غسالتك و ثلاجتك و جهاز التكييف و غيرها من ألوان التقدم التكنولوجي المختلفة التي لا نستطيع العيش من دونها في حياتنا اليومية و لا نستطيع الإستغناء عن أي شئ منها بل و أصبحت جميعها من ضروريات الحياة ، كلها صُنعت من دول للأسف نتهمها بالكفر و الإلحاد و نظن أننا أفضل منهم بإيماننا العميق ... " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكره الناس حتي يكونوا مؤمنين " صدق الله العظيم ".

ولا أعلم .. هل يأمرنا إيماننا العميق ألا نواكب التقدم و العمل بجد و اجتهاد .. بل و أنني من ضمن العبارات المستحدثة في الدين و التي أسمعها في تلك الأيام عبارة " نصرة الإسلام "، و إني أتعجب كل العجب من تلك العبارة ... " نصرة الإسلام ؟؟".

وهل الإسلام مهزوم حتى نعمل على نصرته ؟؟.. أم هل الإسلام متهم أو مذنب حتى يحتاج إلينا أن نهب و ننصره و نناصره ؟؟.

ترى بعض شيوخ التطرف و جهلاء الدين يرددون تلك العبارة و يحثون الشباب الأعمى – و أقصد هنا عمى القلوب، فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور – على الجهاد دفاعاً عن الدين، و مرة أخرى لا أعلم عن ماذا بالتحديد يدافعون ، و يقومون بتكفير ليس فقط من هم غير المسلمين بل أيضا يكفرون من هم ليس على شاكلتهم من المسلمين ، فالإسلام في نظرهم هو إسلامهم ، و الدين فقط هو دينهم ، و الإيمان هو إيمانهم ، و من هو غير ذلك فهو كافر مارق مصيره الموت أو على الأقل الإزدراء و المقاطعة لأن التعامل معه ولو حتى بالكلام فهو حرام.

دعوني أذكركم يا سادة بعبارة أهم و أدق و أنبل من كل تلك العبارات الجاهلة التي ترددونها و ليس لها أساس من الصحة ، دعوني أذكركم بعبارة " الدين المعاملة " ..هل تريد أن تنصر الإسلام حقاً ؟؟.. إجتهد في عملك .. إرفع شأن وطنك ... علم أولادك صحيح الدين .. إرتقي بالفكر و الثقافة .. إجتهد في الدين مع ما يناسب متطلبات العصر لأن الدين لكل العصور .. توقف عن تكرار قول الشيخ فلان قال أو الداعية علان عاد و تبحّر أنت في أمور دينك فهذا تكليف على كل مؤمن .. إنهل من مصادر الدين الصحيحة و ليس من الكتب المتطرفة أو القنوات الموجهة.

تريد أن ترى الإسلام على أرض الواقع ؟.. تريد أن ترى الإيمان نابضاً أمام عينيك ؟.. تريد أن ترى الدين حياً في مختلف أمور الحياة ؟؟.

إذهب إلى اليابان ، إلى الصين ، إلى سنغافورة ، و غيرهم .. و أنت ستعلم ماذا أقصد.

سترى الإيمان فى حياتهم ، في عملهم ، في تعاملهم ، دون أن يكونوا في حاجة إلى التحدث عنه طول الوقت كما نفعل نحن ، نتحدث عن الدين و لا نعمل به ، نتحدث عن الإيمان و نُكفِر الآخرين ... ستفهم حينها معنى الآية الكريمة : " و قل إعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله والمؤمنون ".

وأتمنى أن تعود صورة المصريين بمختلف طوائفهم و معتقداتهم في تعايش سلمي و حب و إخاء كما تعودنا.