تورط مسؤولة في تسريب مشروعات ورشاوى
الرقابة الإدارية تكشف قضية فساد كبرى بإسكان محافظة القاهرة
كشفت تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا عن واحدة من أبرز قضايا الفساد الإداري داخل مديرية الإسكان بمحافظة القاهرة، بعدما وردت معلومات مؤكدة إلى هيئة الرقابة الإدارية تفيد بقيام مسؤولة رفيعة بطلب وتلقي رشاوى من أصحاب شركات مقاولات مقابل تسهيل إسناد مشروعات حكومية لهم بالمخالفة للقانون، وأكدت التحريات وجود اتفاقات مسبقة لتسريب القيم التقديرية للمشروعات، بما يضمن تقدم شركات بعينها بعروض أقل شكلًا، لكنها في الحقيقة مبنية على معلومات داخلية غير متاحة لباقي المنافسين.
دور المتهمة الرئيسية داخل المنظومة
أقرت المتهمة الأولى خلال التحقيقات بأنها تشغل منصب القائم بأعمال مدير عام المباني بمديرية الإسكان بمحافظة القاهرة، وهو موقع يتيح لها صلاحيات واسعة تشمل الإشراف الفني على المشروعات، واعتماد المقايسات، وتحديد القيم التقديرية، إلى جانب مراجعة العروض المقدمة من شركات المقاولات، ورفع التوصيات النهائية للمحافظ بشأن الترسية، كما تختص بتشكيل لجان فحص المشروعات وإجراء المعاينات والتواصل المباشر مع المقاولين، ما منحها نفوذًا حاسمًا في توجيه قرارات الإسناد.
رشوة مقابل تسريب القيم التقديرية
أظهرت التحقيقات أن المتهمة استغلت موقعها الوظيفي في طلب نسبة مالية ثابتة بلغت 2% من إجمالي قيمة المشروعات من أحد المتهمين، وهو مالك شركة مقاولات، مقابل إفشائها له القيم التقديرية للمشروعات قبل طرحها رسميًا، وأقر المتهم الثاني بتنفيذ هذا الاتفاق، مؤكدًا أنه سدد مبلغ 117 ألف جنيه على عدة دفعات، نظير تمكينه من الفوز بمشروعي تغيير شبكة المياه والصرف الصحي وتطوير مركز القاهرة لتنمية الموارد البشرية، واللذين تم إسنادهما لشركته بالأمر المباشر، بما يخالف القواعد المنظمة للتعاقدات الحكومية.
“مكافآت” بعد الترسية وضمان استمرار التعاون
لم تتوقف الوقائع عند حدود الرشوة المباشرة، إذ كشفت التحقيقات عن تلقي المتهمة مبالغ مالية أخرى على سبيل “المكافأة” بعد إنهاء إجراءات الترسية، حيث أقر متهم آخر، مالك شركة مقاولات، بتقديم مبالغ مالية مقابل إسناد مشروعات تطوير حديقة الحرية بالزمالك وحديقة العاشر من رمضان إلى شركته، في صورة مكافآت لاحقة لضمان استمرار التعاون والحصول على مشروعات جديدة.
أرباح غير مشروعة وإهدار للمال العام
أسفرت هذه الممارسات عن تحقيق أرباح ضخمة للمتهمين دون وجه حق، حيث مكنتهم المعلومات المسربة من الفوز بمشروعات بملايين الجنيهات، في ظل غياب المنافسة العادلة، وأوضحت التحقيقات أن بعض هذه التعاقدات تمت بالأمر المباشر، ما يعد مخالفة صريحة للقانون، ويؤدي إلى إهدار المال العام وتغليب المصالح الشخصية على الصالح العام.
مستندات رسمية تؤكد التلاعب
عقب استصدار إذن من النيابة العامة، تمكن رجال الرقابة الإدارية من ضبط المتهمين، وبتفتيش مكتب المتهمة الأولى تم العثور على مستندات خاصة بالمشروعات محل التحقيق، تضمنت مقايسات وتقديرات مالية ومذكرات عرض على المحافظ، وكشفت هذه المستندات أن المتهمة كانت صاحبة القرار في اعتماد تلك المقايسات، وإعداد المذكرات التي انتهت إلى التوصية بإسناد الأعمال بالأمر المباشر إلى الشركات المتورطة.
تسجيلات صوتية تدعم الاتهامات
لم تتوقف الأدلة عند المستندات، بل دعمتها تسجيلات صوتية مأذون بها قانونًا، كشفت عن تفاصيل الاتفاقات بين المتهمة والمتهمين، بما في ذلك تسريب المعلومات والتنسيق بشأن إسناد المشروعات، وأكد تقرير خبير الأصوات الصادر عن الهيئة العامة للإعلام تطابق الأصوات الواردة في التسجيلات مع أصوات المتهمين، ما عزز من قوة الأدلة المقدمة في القضية.
شهادات رسمية تكشف حجم المخالفات
كما استمعت النيابة إلى أقوال مسؤولين بمديرية الإسكان، من بينهم مدير إدارة المراجعة الداخلية والحوكمة، الذي أكد أن المتهمة كانت المختصة باعتماد نتائج لجان البت، وتحديد الشركات الفائزة، وإعداد المذكرات النهائية للتعاقد، وهو ما يثبت استغلالها لصلاحياتها الوظيفية في تمرير تلك المخالفات.
ضبط المتهمين واستمرار التحقيقات
انتهت التحقيقات إلى ضبط المتهمين وبحوزتهم هواتف محمولة تحتوي على دلائل إضافية، إلى جانب المستندات الرسمية المضبوطة بمكتب المتهمة. وتواصل النيابة العامة تحقيقاتها لكشف مزيد من المتورطين المحتملين، في ظل ما تشير إليه الوقائع من وجود شبكة فساد أوسع داخل منظومة إسناد المشروعات.
تعكس هذه القضية نموذجًا خطيرًا لاستغلال السلطة الوظيفية في تحقيق منافع شخصية على حساب المال العام، وتفتح الباب أمام مراجعة شاملة لآليات إسناد المشروعات داخل الجهات الحكومية. ومع استمرار التحقيقات، تبقى القضية مرشحة لكشف مزيد من التفاصيل التي قد تعيد رسم خريطة المسؤوليات داخل هذا الملف الشائك.







