رئيس التحرير
خالد مهران

المهندس محمد الفيشاوى يكتب: الهجرة النبوية.. مشروع حضاري لصناعة الإنسان وبناء الوعي

المهندس محمد الفيشاوى
المهندس محمد الفيشاوى


 حين نتحدث عن الهجرة النبوية الشريفة، فإننا لا نتحدث فقط عن رحلة قطع فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  وصحابته الكرام الصحراء من مكة إلى المدينة، وإنما نتحدث عن أعظم مشروع للتغيير عرفته البشرية ؛ إنه مشروع نقل الإنسان من عالم إلى عالم آخر، ومن حال إلى حال.
الهجرة في جوهرها ليست مجرد انتقال بالأقدام، وإنما انتقال بالقلوب والعقول والأرواح.
إنها الهجرة من عالمنا الجميل إلى عالم أجمل، ومن واقعنا المحدود إلى آفاق أرحب، ومن إنسانيتنا الناقصة إلى إنسانية أقرب إلى الكمال الذي أراده الله لنا.
إنها الهجرة من نفوسنا الضيقة التي تحبسنا داخل دائرة الأنا وحب الذات، إلى براح الأرواح الواسعة التي تتسع للناس حبًا ورحمة وعطاءً وتسامحًا.
إنها  الهجرة من عالم القبح إلى عالم الجمال ؛ من قبح الكلمة إلى جمالها، ومن السلوك السلبى إلى حسن الخلق والتصرف الإيجابى، ومن حب الذات إلى الإيثار والعطاء، ومن قبح الفوضى إلى جمال النظام والإتقان والإحسان.
وهى كذلك الهجرة من الذنوب والمعاصى إلى الطاعة والاستقامة.

ما قيمة أن يهاجر الإنسان ببدنه وهو ما يزال مقيمًا في أوطان الذنب والغفلة،  لذلك قال رسونا الكريم - صلى الله عليه وسلم -   " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".

وهى أيضا  الهجرة من حظيرة الكفر والغفلة إلى ملكوت الإيمان واليقين، حيث يرى الإنسان الكون بعين مختلفة، فيدرك أن للحياة رسالة، وللوجود غاية، وللعمر أمانة يجب أن تؤدى.
وهى  الهجرة من مملكة الشياطين التي تزين الشهوات وتدعو إلى اليأس والكسل والعدوان، إلى السماء الملائكية التي ترفرف فيها معاني  الطهر والسكينة والرحمة والسلام.

ثم تأتي هجرة لا تقل أهمية عن كل ما سبق، إنها الهجرة من منطقة الراحة والكسل إلى عالم العمل والإنجاز وتحقيق الأهداف. فما قامت دولة الإسلام في المدينة بالأمانى، ولا انتشر الحق بالأحلام، وإنما قام ذلك كله على التخطيط والأخذ بالأسباب والصبر والمثابرة والتضحية.

لقد علمتنا الهجرة النبوية أن التغيير يبدأ برؤية، ثم بقرار، ثم بخطوة، ثم بعمل وصبر طويل حتى تتحول الأحلام إلى واقع.

فكيف نهاجر؟


نهاجر إلى الله بالتوبة الصادقة، ونهاجر إلى العلم بترك الجهل، ونهاجر إلى الأخلاق بترك سوء السلوك، ونهاجر إلى النجاح بترك الكسل والتسويف، ونهاجر إلى الأمل بترك اليأس والقنوط، ونهاجر إلى الوحدة والمحبة بترك الخصومة والبغضاء.

لكن هناك مرتبة أعلى من كل هذه الهجرات ؛ أن تصبح الحياة كلها هجرة مستمرة إلى الله تعالى. فكل يوم يمر بالمؤمن ينبغي أن يكون أفضل من سابقه، وكل مرحلة من عمره ينبغى أن تقربه من ربه أكثر، وتجعله أنفع للناس وأصلح للمجتمع وأرقى بوطنه وأمته.

إن الهجرة النبوية ليست ذكرى نحتفل بها كل عام، بل رسالة نتجدد بها كل يوم، رسالة تدعونا إلى أن نغادر كل ما يعوق ارتقاءنا،  وأن ننتقل باستمرار نحو ما هو أرقى وأجمل وأقرب إلى الله.

فمن أراد أن يحيى معنى الهجرة حقًا، فليبدأ اليوم رحلة الهجرة من نفسه إلى ربه، ومن ضعفه إلى قوته، ومن سلبيته إلى إيجابيته، ومن واقعه إلى ما يستطيع أن يكون هو عليه.
تلك هي الهجرة التي لا تنتهي،  وذلك هو الطريق الذي يقود إلى رضا الله وسعادة الدنيا وفلاح الآخرة.

هاجروا من ضيق النفوس إلى سعة الأرواح، ومن ظلمة العادة إلى نور الرسالة، ومن حياةٍ تستهلك الأعمار إلى حياةٍ تصنع الأثر ؛ فالهجرة لم تكن حدثًا في التاريخ، بل استراتيجية لصناعة الإنسان واستدامة الجمال.