رئيس التحرير
خالد مهران

عادل توماس يكتب: السوق السوداء للعلاج النفسي والإدمان.. متى يتحرك البرلمان لحماية المرضى من تجار الوهم؟

عادل توماس
عادل توماس

في السنوات الأخيرة لم تعد أخطر الجرائم تلك التي تُرتكب في الشوارع أو خلف الأبواب المغلقة فقط، بل ظهرت جرائم جديدة ترتدي ثوب العلم وتختبئ خلف شعارات التنمية البشرية والصحة النفسية والدعم النفسي وعلاج الإدمان، بينما تمارس في الحقيقة نوعًا من الاحتيال المنظم على آلام البشر وأوجاعهم النفسية.

لقد تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى سوق سوداء مفتوحة لبيع الوهم تحت مسمى العلاج النفسي. صفحات مجهولة ومراكز غير مرخصة وأشخاص لا يمتلكون أي تأهيل علمي أو أكاديمي يقدمون أنفسهم باعتبارهم معالجين نفسيين وخبراء في الصحة النفسية، ويمنحون شهادات وكارنيهات مزاولة مهنة مقابل عشرات الآلاف من الجنيهات، وكأن أرواح الناس وصحتهم النفسية سلعة قابلة للبيع والشراء.

المشكلة لم تعد في مجرد مخالفة إدارية أو تجاوز مهني، بل في الخطر الحقيقي الذي يهدد آلاف المرضى الذين يلجأون إلى هؤلاء طلبًا للعلاج والدعم، فالمريض النفسي لا يبحث عن رفاهية أو استشارة عابرة، بل يبحث عن النجاة من معاناة قد تدفعه إلى العزلة أو الانهيار أو حتى إيذاء نفسه، وعندما يقع في يد شخص غير مؤهل فإن النتائج قد تكون كارثية، تبدأ بتأخر التشخيص ولا تنتهي بتفاقم المرض وتحوله إلى أزمة مزمنة.

الأكثر خطورة أن بعض هذه الكيانات الوهمية أصبحت تعمل بصورة شبه علنية، تعلن عن دبلومات وشهادات دولية وعضويات في هيئات لا يعرف لها أحد وجودًا حقيقيًا، وتوهم الشباب بأنهم أصبحوا معالجين نفسيين بمجرد حضور دورة تدريبية أو الحصول على شهادة مطبوعة، وفي المقابل يدفع الضحايا مبالغ طائلة مقابل أوراق لا قيمة قانونية لها ولا تمنح أي حق في ممارسة المهنة.

ولا تتوقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود العلاج النفسي التقليدي، بل تمتد إلى ملف أكثر حساسية وخطورة وهو علاج الإدمان، فخلال السنوات الأخيرة ظهرت كيانات وأشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم متخصصين في علاج الإدمان والتأهيل النفسي، ويستقطبون الأسر التي تبحث عن طوق نجاة لأبنائها، بينما يفتقر كثير منهم إلى الحد الأدنى من التأهيل العلمي أو الترخيص القانوني، وتكمن الكارثة في أن مريض الإدمان يحتاج إلى تقييم طبي ونفسي دقيق وخطة علاجية متكاملة يشرف عليها أطباء ومتخصصون داخل منشآت مرخصة، لأن التعامل الخاطئ مع أعراض الانسحاب أو الاضطرابات المصاحبة للإدمان قد يعرض حياته للخطر.

إن ما يحدث اليوم يكشف وجود فراغ تشريعي أو ضعف في تطبيق القوانين القائمة، وهو ما شجع هذه الظاهرة على التمدد والانتشار، لذلك لم يعد كافيًا الاكتفاء بالتحذيرات أو حملات التوعية وحدها، بل أصبح من الضروري إصدار تشريعات أكثر صرامة ووضوحًا تجرم انتحال صفة المعالج النفسي أو أخصائي علاج الإدمان، وتعاقب كل من يمنح شهادات أو تراخيص مزيفة أو يدير مراكز غير معتمدة تمارس العلاج النفسي أو علاج الإدمان دون ترخيص.

كما يجب أن تشمل العقوبات الحبس والغرامات المالية الكبيرة وإغلاق الكيانات المخالفة ومصادرة الأموال المتحصلة من هذه الأنشطة، لأن الأمر لا يتعلق بمخالفة مهنية بسيطة، بل بجريمة تمس الأمن الصحي للمجتمع وتعرض حياة المواطنين للخطر، ومن الضروري أيضًا أن يتضمن أي تشريع جديد نصوصًا واضحة تجرم إدارة أو الإعلان عن مراكز علاج إدمان غير مرخصة، وتشدد العقوبات على كل من يستغل معاناة المرضى وأسرهم لتحقيق مكاسب مالية.

ومن الضروري كذلك أن تكون هناك رقابة إلكترونية فعالة على الإعلانات والمنصات التي تروج لهذه الخدمات الوهمية، بحيث لا يُسمح لأي جهة أو شخص بالإعلان عن تقديم خدمات علاج نفسي أو علاج إدمان أو تدريب مهني في هذا المجال إلا بعد التحقق من التراخيص والاعتمادات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة.

إن الدولة التي تحمي صحة مواطنيها الجسدية مطالبة كذلك بحماية صحتهم النفسية والعقلية. فكما لا يُسمح لشخص غير طبيب بإجراء جراحة أو وصف دواء، لا ينبغي أن يُسمح لغير المتخصصين بالعبث بعقول الناس ومشاعرهم ومستقبلهم النفسي، أو التدخل في علاج مرضى الإدمان الذين يحتاجون إلى رعاية علمية دقيقة ومتكاملة.

السوق السوداء للعلاج النفسي والإدمان لم تعد ظاهرة هامشية يمكن تجاهلها، بل أصبحت ملفًا يستوجب تدخلًا تشريعيًا عاجلًا حاسمًا، فكل يوم يتأخر فيه إصدار قوانين رادعة أو تطبيق العقوبات بحزم يمنح المحتالين فرصة جديدة لاستقطاب ضحايا جدد، ويترك المرضى الحقيقيين فريسة للوهم والاستغلال.

لقد حان الوقت لإغلاق هذا الباب نهائيًا، وتجفيف منابع هذه التجارة الخطرة، ووضع حد لكل من يتاجر بآلام الناس تحت لافتات براقة وشهادات مزيفة، فالصحة النفسية ليست مجالًا للتجارب، والعلاج النفسي ليس مهنة من لا مهنة له، وعلاج الإدمان ليس مشروعًا استثماريًا مفتوحًا أمام الهواة، وحماية المواطنين من هذا العبث مسؤولية تشريعية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.