رئيس التحرير
خالد مهران
count
count
count

"غول" الغلاء.. وأزمة الإدارة!

صبري الموجي يكتب:
صبري الموجي يكتب: "غول" الغلاء.. وأزمة الإدارة!

من النظرياتِ الاقتصادية التي درستُها لطلاب إحدي الجامعات ضمن مُقرر الإعلام والتنمية نظرية "قارب النجاة" للبيولوجي الأمريكي " جاريت هاردن"،  والتي تُفيد بأن الدولَ الغنية تستقلُ مركبًا يمخرُ بها في عُباب بحر من الفقر والجوع تسبح فيه الدول الفقيرة، ولا يمكن لأيٍ ممن يستقل ذلك المركب أن يأخذ بيد أحدٍ ممن يعاني الفقر والغرق وسط هذا البحر المتلاطم، وإلا غَرقَ المركبُ بالجميع، ومن ثم فلا بد من قطع المعونة عن تلك الدول الفقيرة؛ لتظل علي فقرها، ولتبقي الدولُ الغنيةُ تستأثرُ بالثروة والسلطة.

تكشف هذه النظرية عن المؤامرة الدنيئة التي حيكت للعرب والمسلمين بليل، بل قُل وبنهار أيضا؛ لأنَّ مُخطط الغرب (صار علي عينك يا تاجر)، فما كان يُصنع بليل، (صار علي المكشوف)، إذ إنهم يعملون وفق خطط: قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، لتستمر هيمنتُهم وتحكُمهم في مصير تلك الشعوب عبر وسائل تتوزع بين الترهيب عن طريق إشهار العصا لقمع المُخالف، والترغيب بالتلويح بالجزرة لدغدغة مشاعر المُنبطحِ المُذعن.

واللافت أن أزمةَ الدول التي لحق بها وصفُ "النامية"، ولم تُفكر للحظة في التخلص منه، وكسرِ طوقه؛ للحاق بركب الدول المتقدمة، ليست أزمة موارد وثروات، فثرواتها ومواردها من الكثرة بمكان يضمن لها السيادة والريادة، لكنها أزمةُ إدارة أحيانا، وأزمة انتماء في أحايين كثيرة.

ولعل انفلات الأسعار في ظل الأزمة الروسية - الأوكرانية هو ما يُؤكد غياب الانتماء، إذ استغل تجارٌ جشعون تلك الأزمة العالمية، في إطلاق عنان الأسعار على حساب الفقراء ومحدودي الدخل، ممن لم تعد لهم طاقة على كبح جماح غول الأسعار، الذي طال كل السلع، وأرهق كل الأسر!.

إن انفلات الأسعار بهذه الصورة الجنونية، يكشف عن مدي جرم هؤلاء التجار، الذين اشرأبت أعناقهم إلي الثراء على حساب الفقراء والمُهمشين، ويكشف أيضا عن اضطراب في عقيدتهم، وعدم ثقتهم في رزق الله، الذي قدر للمخلوق رزقه وهو جنين في بطن أمه.


ويكشف أيضا فيما يكشف من جهة ثالثة عن اختفاء دور الرقابة المنوط بها الأخذ على يد الجشعين، وضبط الأسعار، التي أضحت عبئا على الكل !.

إن تنامي موجة الغلاء، يفرض على من له قلبٌ أو مسحة من عقل عدة أسئلة:

مادام الرزقُ مُقدرا ومقسوما لماذا نسلك طريق الحرام بفرض هذا الغلاء الفاحش الذي يمصُ دم الفقراء؟.

إذا كان الرزق مُقدرا ومقسوما لماذا هذه الحيل والألاعيب المُتمثلة في حجب السلع وتخزينها؛ لتعطيش السوق، وفرضِ أسعارٍ حسب الأهواء والأمزجة لا تتناسب أبدا مع الدخول الزهيدة لمعظم العاملين بالجهاز الإداري للدولة ؟.

إذا كان الرزق مُقدرا لماذا لا نُحصله بحلال، حتي وإن كان عائدُ الربح قليلا؛ لأن العبرةَ بالبركة وليست بالكثرة!.

إن إدارة الدول يا سادة لا بد وأن تجمع بين الثواب والعقاب، فمن لا يزعه أي ( يردعه) القرآن يزعه السلطان، بمعني أنّ من لا تُجدي معه الكلمة اللينة، والنصيحة المخلصة، لا بد وأن يُؤخذ على يده من قبل الحاكم، والمقصود به ليس رأس الدولة وحده، بل إن كل مسئول بهذا البلد لا بد وأن تكون عينه وسط رأسه، ليُحارب الجشعين، ويتصدي للمتطلعين للثروة على أشلاء الفقراء والبسطاء، ممن صارت قضيتهم صباح مساء هي توفير رغيف (الخبز)، والتصدي لغول الأسعار الذي التهم كل الدخول وأخرج لسانه للكل!.