ads
ads

«200 جنيه».. فكرة مسروقة وبلادة سينمائية!

طارق الشناوي
طارق الشناوي
طارق الشناوي


(امسك حرامى) هذا هو أول انطباع لى عن فيلم (200 جنيه)، الكاتب أحمد عبدالله سطا على الفكرة (عينى عينك)، من فيلم قديم كتبه السيد بدير، وأخرجه حسن حلمى، وعنوانه (خمسة جنيه)، تنتقل الجنيهات الخمسة من يد إلى أخرى وتقدم رؤية بانورامية للمجتمع، هذا هو ما شاهدناه مجددًا بعد أكثر من 70 عامًا.

السيد بدير أحد عباقرة الإبداع في الفن المصرى، أحمد عبدالله كاتب درامى له مذاق خاص، تسيطر عليه دائمًا معايير خارج النص، تشير إلى أن القدر يتدخل في النهاية ويعاقب كل من يرتكب معصية يقتل مثلًا أو يزنى، ولا أدرى لماذا لم يصل إليه أن السرقة الأدبية تعاقب عليها أيضًا السماء، ولا يمكن اعتبارها بالمناسبة توارد خواطر؟!، تغيير الرقم من خمسة إلى 200 لا يعبر سوى عن تغير في القيمة الشرائية، وإن كانت الخمسة جنيهات تساوى الآن 5 آلاف أو أكثر، ولكن لا توجد في مصر ورقة أكبر.

الإضافة في (200 جنيه) هي نقطة ضعفه الرئيسية وهى البعد الأخلاقى، حيث إن كل من ارتكب معصية يلقى جزاءه، (تيمة) شائعة في أفلام أحمد عبدالله مثل (فرح) و(كباريه) و(الليلة الكبيرة) و(ساعة ونص)، وهى أسوأ إضافة لأنها تمنح الجمهور قدرًا زائفًا من الارتياح طالما أن عين الله ساهرة وستقتص من المذنب، أغلب أفلام عبدالله تتكئ على تعدد الأبطال، ستكتشف أن النجم في النهاية يبحث عن مصالحه، مقايضة إنتاجية، قانونها عدة أيام فقط في البلاتوه تساوى أجرًا مغريًا مرتبطًا بأيام التصوير، لو مثلًا قرأتها بزاوية رؤية أحمد السقا، وهو الأكثر بريقًا على الأفيش، لديه خمسة مشاهد، منحوه أقصى أجر ممكن، وليس هذا هو الإغراء الوحيد، أظنه لا يكفى، الأهم تقديم شخصية الرجل الشهم، الذي ينتقل من معركة لحماية امرأة يعتدى عليها عدد من البلطجية، إلى تضحيته بكل أمواله من أجل إنقاذ حياة سباك لا يعرفه ويمنح لزوجة السباك كل ما يمتلكه لتدفع نفقات المستشفى، صورة ذهنية إيجابية يحرص السقا على تصديرها للجمهور.

هل أنقذ اسم السقا الشريط السينمائى؟ لا أعتقد، الجمهور يحب أن يرى نجمه المفضل في كل مشاهد الفيلم، ولهذا لم يشعر بأنه فيلم السقا، هي فقط صفقة مشروعة بين النجم والمنتج.

الفيلم ينتمى للكاتب أحمد عبدالله، وتلاشى حضور المخرج محمد أمين، أتابع أمين منذ فيلمه الأول (فيلم ثقافى)، وتعددت أفلامه مثل (سقوط بغداد) و(بنتين من مصر) وغيرها، هو كاتب أيضًا تلك الأفلام، ولديه خيال في الرؤية البصرية والسمعية، هذه المرة لم أعثر على شىء، الفيلم لا يتجاوز السرد المباشر، وأغلبها من المحفوظات العامة، باستثناءات قليلة مثل مناقشة ما الذي حل بالطبقة البرجوازية التي تعانى للحفاظ على مستوى معقول اقتصاديًا، بينما نجد مثلًا خالد الصاوى وهو يرهن خاتم زوجته للحفاظ على كيانه اجتماعيًا، ويختار الكاتب أكثر الحلول مباشرة، وهو أن نستمع إلى صوت الحوار الداخلى للشخصية في حوار بين الخادمة والسيد وهى تطلب زيادة أجرها فيقرر هو مضاعفته. الشخصية التي نبدأ بها السيناريو إسعاد يونس أشبه بالدائرة، وتنتهى إليها، إنها (عزيزة) التي تحصل على معاش زوجها وهو لا يكفى لتسديد نفقات الحياة، تستخدم الختم للتوقيع، وهكذا تضع بالخطأ اسمها على ورقة (200 جنيه) تنتقل بنا من أسرة إلى أخرى، ونتابعها من خلال الختم، أول الخيط من يد الصراف إلى إسعاد، ومنها إلى أحمد السعدنى الذي يسطو عليها ويرتكب أيضًا معصية أخرى، عندما يقسم على المصحف بأنه لم يسرق، ثم يزنى مع زوجة صديقه، وهكذا يستحق في النهاية القتل.

من الحكايات التي حملت ابتكارًا، المدرس الذي يتحول بالنسبة للأسرة إلى مجرد ماكينة لجلب الفلوس، وهو لا يعيش الحياة وأدى الشخصية بقدر كبير من الألق أحمد رزق، أيضًا هانى رمزى يؤدى دوره في أكثر الحكايات التي مست القلب، لأنها تحمل تواطؤًا بين عاملة في محل بالمهندسين لبيع الملابس، بينما هو لا يتحمل سوى دفع ثمن (تى شيرت) من العتبة لابنته الوحيدة، وتألقت موهبة هانى رمزى، أحمد آدم أجاد أداء دور صاحب العمارة البخيل، الذي يلقى حتفه بسبب بخله.

أين السينما في كل ما رأيناه؟ لا شىء يدل على رائحة (الفن السابع)، كل من شارك في هذا الفيلم كان لديه رهان آخر، أحمد السعدنى تضاءل حضوره الدرامى في السنوات الأخيرة والفيلم فرصة للعودة للشاشة، بينما ليلى علوى استسلمت للتعبير الخارجى المفرط في التجهم، هو قطعًا خطأ المخرج الذي كان عليه تقنين الجرعة، صابرين أدت دورها الحقيقى النجمة صابرين فلم تضف شيئًا للممثلة أو النجمة.

الوحيدة التي حسبتها بذكاء هي إسعاد يونس التي تعود بعد أكثر من 10 سنوات، دور (عزيزة) مغاير ومختلف وبه مساحات إبداعية، أجادت إسعاد في الإمساك بها، بالنظرة والإيماءة والحركة مثل حالة الإنكار لمقتل ابنها الوحيد. (200 جنيه) فكرة مسروقة وشريط سينمائى بليد، ينتهى إلى إنزال العقاب بالمذنبين، واستحق هو أيضًا العقاب!!.

[email protected]

نقلا عن "المصري اليوم"