ads
ads

محمد مازن يكتب من بكين: ثالث جمعة تواليا دون صلاة في مسجد!

النبأ


الحدث الأبرز في يوم كئيب من أيام الضيف الثقيل كورونا. في الغالب لا أتوقف ولا أحب عند الأيام العادية. وبسبب ظروف حياتي وطابعها العملي الشديد، لا أهتم بأيام من عينة عيد الحب وعيد الميلاد وغيرها، بنظري هذه أعياد شخصية، والمرء غير مضطر للاحتفال بها طالما أنه لا يريد. أزعم أنه قبل زواجي لم أكن أعرف أكثر من أعياد الفطر والأضحى والمولد النبوي وشم النسيم والسلام.
 
كنت اعتقد في ظل وجودي في بلد مختلف ثقافيا أن تأتي عوامل التعرية أيضا على هذه الأعياد مع الوقت، مع طبيعة عملي التي تحتم علي العمل حتى في هذه الايام. لكن مع التيار ورغما عن ارادتي، اقتحمت عدة أعياد حياتنا "بدون أحم ولا دستور"، طبيعي أن يحدث ذلك، أولادي يدرسون بمدارس صينية ويختلطون مع أجانب من جنسيات مختلفة أيضا، ولدينا أصدقاء كثر من ثقافات مختلفة. ربما ولد ذلك دافعا للاهتمام بعيد الربيع والكريسماس والهالوين وأعياد أخرى، من باب تبادل التهنئة مع الأصدقاء أو المشاركة الوجدانية أو عدم تصدير الاحساس بالاختلاف.

 وفي ظل ظروف استثنائية نعيشها الآن، وسط فيروس شقلب حياة كل المقيمين هنا في الصين رأسا على عقب، زارنا القديس فالنتاين اليوم الجمعة، معرفتي به كانت لا تتجاوز حدود العمل. 

كتبت عنه كثيرا وتابعت أحداثه وأنشطته وطرق احتفالاته من أجل القارئ العزيز، لكن لم أفكر يوما أن احتفل به، لا أعرف ربما هذا الشيء يتعلق بطبيعة شخصيتي أم شيء أخر، لكنني لم أفعل ذلك يوما، أقصى ما كنت أفعله في ذلك اليوم رغم أنني أعلم أن زوجتي كانت تنتظره على أحر من جمر ممنية نفسها بوردة أو حتى قطعة شوكولاتة للذكرى، هو أن أنقل لها وردة اعتادت أن تأتيني بها زميلة وقورة في العمل وتطلب مني إعطائها لها.

 لم تكن الأخيرة تعلم الحقيقة بأنني مجرد عامل دليفري وأن هذه الوردة الجميلة ليست مني ولكنها من السيدة الصينية نبيلة، هي فعلا اسم على مسمى في تصرفاتها وسلوكها وأخلاقها الرفيعة مع الآخرين. لكن دوام الحال من المحال، ويجب في يوم ما أن يظهر كل شيء ويبان. 

في هذه الأيام العصيبة، السيدة نبيلة ملتزمة المنزل، وانا أيضا اعمل من المنزل، وصناعة التوصيل تواجه صعوبات. الحياة ليست كالمعتاد، والخروج في حد ذاته إلى الشارع قرار صعب يحتاج إلى دراسة متأنية، الكل يخضع لحجر ذاتي حماية من الإصابة من عدو خفي جبان يأخذ في سكته من يقابله دون تفرقة.

 قبل مثل هكذا مناسبات، كنت استقبل إشارات غير مباشرة من زوجتي عن طريق الأولاد بضرورة الاستعداد لاستقبال الضيف القادم أقصد بسلامته العيد. وعندما كنت أحاول أن اتظاهر بالغفل، كانت الاشارات تأتيني بشكل مباشر. "الأسبوع القادم فالنتاين، فالنتاين بعد يومين، فالنتاين بكرة"، كان أولادي يفكرونني. يتعين على أن استعد. أعلم أنهم مدفوعين طبعا من والدتهما، وحرصا من جانبهما على مرور ذلك اليوم بسلام، دون عويل أو زعيق أو حتى حبة نكد مصري. لكن ماذا أفعل?! على كل حال؛ نمت دون شراء وردة أو شوكولاتة ولا يحزنون، وقلت لنفسي اللي يحصل يحصل. هو فيه اسوأ من كورونا ! كله بسبب مدام نبيلة!! كان لازم تأتي الى منزلي وتعرض حياتها للخطر!!!


استيقظت اليوم كالعادة في السابعة ونصف لأبدأ عملي، سارت الأمور على ما يرام حتى التاسعة، عندما استيقظ طفلي، اقترب الصغير مني وقال" النهاردة فلنتاين". طبعا بيفكرني. اليوم باين من أوله! ثم سألني على سجيته" ناوي تعمل ايه مع ماما?" سيادته عامل نفسه رسول سلام! قلت له محل الورد الموجود في المول بجوار المنزل مغلق منذ ٢٥ يوما بسبب الفيروس. ولا اتوقع أن الوضع في أماكن أخرى قريبة يختلف عن هنا. شوارع شبه خالية، المولات الترفيهية والتجارية والمطاعم ودور العبادة مغلقة، فقط متاجر السوبر ماركت مفتوحة لبيع المواد الغذائية والضروريات، وليس من بينها الورد طبعا. فيه شوكولاتة لكن الورد في هذا اليوم مقدم على كل شيء حتى القلوب. حاجة كدة لها احساس خاص بحكم التجارب السابقة. قلت اجرب، فاتصلت بصديق يملك محلا لبيع الورد عبر تطبيق "ويتشات"، ربما يرسل لي باقة إلى المنزل، لكن لسوء الحظ محله مغلق أيضا لنفس الظروف. 

ماذا نفعل يا صديقي الصغير ? كما يحب صغيري أن اناديه. راح يفكر ويفكر على طريقة كيفية حماية الدجاج من الثعلب المكار الواقف على الباب. وقال صاحب الأعوام الثمانية: " لن نستطيع الخروج في مثل هذا الوضع، ممكن أفكر في اقتراحات وتختار منها واحد". قلت له "جميل هذا الكلام خلصنا بقى عشان ورايا شغل". بدأت مقترحات الصغير تتدفق واحدا تلو الآخر " ممكن نشوف دبدوب من الدبابيب الحمراء الكتير الموجودة عندنا، بس يكون واحد لم تراه ماما من قبل، تأخذه وتغلفه كويس وتعطيه لها كهدية مع كلمتين كده". لم ينتظر ردي وتبعه بالاقتراح التالي: "ولا اقولك! فيه ورد معطر في الحمام بس شكله قرب يدبل، اجري الحق خد واحدة وأعطيها لماما" اكتفيت بابتسامة مستنكرة معلقا على مقترحاته، بما أنها "غير عملية شوية"، لكنه كان قد شعر مسبقا من نظراتي بأنها غير مقنعة واستمر في التفكير وفتح جراب أفكاره، اقصد موبايله، ليبحث عن تقليعة جديدة تناسب هذه الظروف. وقال لي "هناك كمامات كثيرة هنا ما رأيك ان نرتب لها شوية على هيئة بوكيه ورد وتعطيه لها ? ومضى يحاول اقناعي قائلا: " البعض عمل كده اليوم وفيه اللي وضع فاكهة بدل الورد"، هكذا قال. قلت له "فكرة معقولة لكنها قد لا تعجب ماما". فأخذ نفسا عميقا وفجر قنبلة مدوية أقصد مؤثرة وألقاها في وجهي " بص يا مازن، أنا معايا شوية فلوس ومش محتاجها، خد اعطي جزء لماما، والجزء الثاني اتبرع به للناس المحتاجة في ووهان".لم أتمالك نفسي واستدرت بالكرسي سريعا تأثرا بكلامه وضممته إلى حضني وقلت له: ما أجمله اقتراح يا جميل! انك تحس بغيرك شئ رائع، الناس هناك فعلا محتاجه كل الدعم، لكنهم بحاجة أكثر الى أفكارنا وقلوبنا وصلواتنا. الإنسانية قبل كل شئ.
كل القلوب لووهان!! وان شاء الله نعود قريبا للصلاة في المسجد.