عادل توماس يكتب: ورقة مزورة كادت أن تزج بإنسان بريء خلف القضبان

في عالم الجريمة، يظن الكثيرون أن الخطر يكمن في السلاح الأبيض أو الرصاص أو العصابات المسلحة، لكن الحقيقة أن أخطر ما يمكن أن يواجهه المجتمع هو ورقة صغيرة تحمل ختمًا أو توقيعًا مزورًا، هذه الورقة وحدها قادرة على أن تحبس إنسانًا بريئًا لسنوات طويلة، وأن تدمر حياة أسرة كاملة بلا ذنب.
القضية التي أكتب عنها اليوم ليست مجرد خلاف شخصي أو حادثة عابرة في منطقة المعصرة جنوب القاهرة، لكنها مثال صارخ على كيف يمكن أن يُستغل ضعف الرقابة والثغرات القانونية لتصنيع جريمة من العدم، ورقة طبية مضروبة منسوبة لمستشفى حلوان العام كانت كفيلة بتحويل إنسان بريء إلى متهم خطير أمام النيابة.
بداية الحكاية
البداية كانت بشكوى عادية من سيدة ضد مقاول غلبان في المعصرة، خلاف مالي تطور إلى محضر رسمي، لتدعيمه أُرفق تقرير طبي صادر – ظاهريًا – عن مستشفى حلوان العام، التقرير أكد أن السيدة تعرضت لإصابات نتيجة اعتداء، وبذلك تحولت الشكوى البسيطة إلى قضية جنائية.
في أعين جهات التحقيق، التقرير الطبي ليس ورقة عادية، بل مستند رسمي يُبنى عليه قرار بحبس أو إخلاء سبيل، لذلك بمجرد تقديمه، صار المقاول في مواجهة مصير مجهول: الحبس الاحتياطي، المحاكمة، وربما سنوات من السجن إذا صدر حكم بالإدانة.
لكن ما خفي كان أعظم: التقرير نفسه لم يكن صحيحًا.
كيف سقط القناع عن التقرير؟
المفاجأة ظهرت عندما تولى أحد المحامين الدفاع عن المقاول، وقرر التدقيق في المستندات، اتضح أن التقرير يحمل علامات غير مطابقة للتقارير الأصلية الصادرة من المستشفى، وهناك أيضًا أخطاء في رقم القيد والطريقة المعتادة لصياغة التشخيص الطبي.
مزيد من البحث كشف أن التقرير لم يمر عبر القنوات الرسمية للمستشفى، بل جرى اصطناعه في الخفاء وإخراجه بنفس الشكل العام لتقارير الطوارئ، هنا بدأ المحامي رحلة لإثبات أن ما قُدم للنيابة ليس إلا محررًا مزورًا.
التزوير.. صناعة كاملة وليست صدفة
التحقيقات في مثل هذه القضايا تكشف أن هناك شبكات صغيرة لكنها منظمة تتاجر في "التقارير الطبية المضروبة"، موظف داخل مستشفى يتغاضى مقابل مبلغ مالي، سمسار ينسق بين طالب التقرير والموظف، ومحامٍ أو متهم يحتاج المستند لتغيير مسار قضية.
هذا السوق السوداء للأوراق الطبية لا تقتصر على مستشفى بعينها، لكنها تتكرر في مناطق مختلفة، خصوصًا في المستشفيات الحكومية التي تعاني من ضعف الرقابة وتكدس الملفات.
خطورة التلاعب بالتقارير الطبية
التقرير الطبي ليس ورقة عادية، بل هو في الأصل شهادة علمية موثقة تحمل وزنًا كبيرًا أمام جهات التحقيق والمحاكم، عندما يقول طبيب في تقريره إن شخصًا تعرض لإصابة تستلزم علاجًا 21 يومًا، فهذا يعني أن الواقعة تُعتبر جنحة أو جناية طبقًا للقانون.
إذن، مجرد أرقام مكتوبة بقلم طبيب قد تقلب مصير القضية رأسًا على عقب، وإذا كان هذا الطبيب غير موجود أصلًا، أو التقرير لم يُحرر داخل المستشفى، فإننا أمام جريمة مزدوجة: تزوير في محرر رسمي، وإدانة بريء بلا جريمة.
القانون واضح.. لكن التطبيق غائب
القانون المصري لم يترك ثغرة في هذا الملف، والمادة 214 من قانون العقوبات تنص على أن عقوبة الاشتراك في تزوير محرر رسمي قد تصل إلى السجن المشدد عشر سنوات، كما أن استخدام المحرر المزور جريمة مستقلة لا تقل خطورة عن التزوير نفسه.
لكن المشكلة ليست في النصوص، بل في التنفيذ، كثير من القضايا يتم حفظها أو تنتهي بالتصالح بعيدًا عن ردع حقيقي، وهنا تظهر الرسالة السلبية: من يملك المال أو النفوذ يستطيع أن يشتري ورقة مزورة ويقلب الحق باطلًا.
أين المستشفى من الجريمة؟
اللافت أن التقارير الطبية غالبًا ما تُنسب إلى مستشفيات حكومية كبرى مثل مستشفى حلوان العام، السؤال الذي يطرحه الشارع: كيف تخرج ورقة مزورة تحمل شعار وختم المستشفى من دون أن يلاحظ أحد؟ هل هناك موظفون متورطون؟ هل هناك تقاعس إداري يسمح بتسريب تلك الأوراق؟
المستشفى كيان يخدم آلاف المرضى يوميًا، وإذا ارتبط اسمه بالتزوير، فالثقة العامة في المنظومة الصحية تهتز.
ضحايا في الظل
ما حدث مع المقاول في المعصرة ليس واقعة فردية، هناك عشرات وربما مئات من الأبرياء وقعوا ضحية لمثل هذه التقارير، بعضهم دفع سنوات من عمره داخل السجون قبل أن يظهر دليل يبرئه، البعض الآخر لم يملك المال ليستعين بمحامٍ قوي، فظل سجين ورقة مزورة.
هذه القصص لا تصل إلى الإعلام غالبًا، لكنها موجودة في المحاكم وأروقة النيابات.
ما المطلوب؟
الحل يبدأ من الداخل:
1. رقابة صارمة على إصدار التقارير الطبية داخل المستشفيات، وربطها إلكترونيًا بوزارة الصحة مباشرة.
2. محاسبة الموظفين المتورطين بأحكام رادعة، وعدم الاكتفاء بالنقل أو الإيقاف المؤقت.
3. توعية القضاة وأعضاء النيابة بضرورة التحقق من صحة المستندات عبر مخاطبات رسمية مباشرة مع المستشفيات.
4. تشديد العقوبات على الوسطاء والسمسارة الذين يعملون في السوق السوداء للتقارير.
ورقة لا تقل خطورة عن الرصاص
قد تقتل الرصاصة إنسانًا مرة واحدة، لكن الورقة المزورة تقتله مرات عديدة: حين يُسلب حريته، حين تُلطخ سمعته، وحين تنهار أسرته من بعده.
الواقعة التي بين أيدينا ليست مجرد تقرير طبي مزور، بل رسالة واضحة: المجتمع كله في خطر إذا لم نضع حدًا لهذه التجارة السوداء، فحين تُباع العدالة على ورق، لا يبقى أمام الأبرياء إلا الدعاء أن تنكشف الحقيقة قبل فوات الأوان.