ads
ads

حماية المجتمع

عمرو الشوبكي
عمرو الشوبكي
عمرو الشوبكي
ads


إن تصور حماية المجتمع من الأخطار لا يقتصر فقط على الجوانب السياسية والاجتماعية، إنما أيضًا الثقافية والأخلاقية، وشهدنا تجلياته فى الجدل الذى دار مؤخرًا حول قرار نقيب الموسيقيين منع 19 مطربًا من مطربى المهرجانات من الغناء، وهو ما أثار ردود فعل واسعة داخل المجتمع ما بين مؤيد ورافض.

والحقيقة أن هناك تصورًا سائدًا لدى حكومات مصر المتعاقبة يقوم على فكرة حماية المجتمع، سواء مما تعتبره نظريات سياسة هدامة أو متطرفة أو من الأفكار المتعارضة مع قيم المجتمع وثوابته الدينية.

وقد عكس قرار منع مطربى المهرجانات جانبًا رئيسيًّا من هذا التفكير، ويقوم على أنه يجب حماية المجتمع من «التلوث السمعى والبصرى»، وأن البعض يتصور أن قرارًا فوقيًّا بالمنع سيعنى اختفاء ظاهرة المهرجانات، وانتهاء هذا النوع من «الغناء الهابط»، وستتم حماية المجتمع من «شرور» أغانيهم، وعودته عن بكرة أبيه إلى الاستماع للفن الراقى والأصيل.

والحقيقة أن حماية المجتمع لا تكون أساسًا بالمنع، إنما أن تبث مؤسساته الثقافية والسياسية والإعلامية كل ما يحميه من قيم ومعانٍ إيجابية ومحترمة فى مواجهة الهابط والمبتذل.

أذكر أن المرة الوحيدة التى زرت فيها فيينا كانت قبل عام من جائحة كورونا، وذهبت إلى إحدى دُور الأوبرا المنتشرة فى العاصمة النمساوية، فوجدت أن دخول الطلاب للأوبرا مقابل «يورو واحد»، فى مكان مخصص للوقوف، وكانوا بالمئات.

نعم فى مصر هناك حفلات الموسيقى العربية التى تجرى كل عام بسعر مخفض، ولكنها يجب أن تكون دائمة، أو بمعنى آخر مطلوب أن تكون هناك صورة جديدة لقصور الثقافة الجماهيرية والمكتبات التى جابت القرى والنجوع فى ستينيات القرن الماضى من أجل «حماية المجتمع» بنشر ثقافة رفيعة وفن رفيع وسط غالبية المصريين.

حماية المجتمع فى السياسة تكون بإعطائه القدرة على الفعل والمبادرة فى إطار الدستور والقانون، وحماية المجتمع من الفن الهابط تكون بدعم كل صور الفن الراقى والرفيع والشعبى الذى عرفناه، ونترك الناس تختار بمحض إرادتها دون وصاية من أحد ولا منع.

يقينًا، دولة القانون تواجه المخالفين فى كل مجال من المحرضين على العنف فى السياسة ومروجى البذاءة فى الفن، وتصبح القضية هى قضية أذواق، فقد يرى كثيرون أن معظم أغانى المهرجانات هابطة ويغنيها مطربون أصواتهم نشاز، وهنا يرجع الحكم إلى خيارات الناس وأذواقهم فى اختيار هذا اللون من الفن، وليس منعه.

المنع فى السياسة والفن والإعلام والثقافة لن يحل أى مشكلة، إنما سيعطى انطباعًا زائفًا لدى البعض بأنه قضى على أغانى المهرجانات، وهو فى الحقيقة يساعد على نشرها بطرق مختلفة غير الطرق الرسمية (موجودة على يوتيوب وعلى قنوات خاصة بكثافة).

حماية المجتمع تكون بدعم فنون وقيم وثقافة بديلة لما هو مرفوض وهابط وليس المنع.

نقلا عن "المصري اليوم"