ads
ads

ما قبل «الربيع العربى»!

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي


بإحساس فنان يستشرف ما هو غامض فى الأفق لم يكن المخرج الراحل «يوسف شاهين» مقتنعا فى يونيو (2005) قبل انفجار عواصف ما أطلق عليه «الربيع العربى» أننا سوف نصل إلى عام (2011) على الطريقة التى يفكرون بها ويخططون على أساسها لنقل السلطة بالتوريث من الأب إلى النجل الأصغر.
«ما يمكن يكون الشعب نزل من هنا إلى 2011، ماحدش يعرف، رغم إنى ساعات بيحصل لى إحباط من الشعب، إزاى ساكت على كل ده... زيادة عن كده إيه علشان يتحرك».
كانت تلك نبوءة مبكرة لما قد يحدث فى المستقبل المنظور من مفاجآت تغير المعادلات بالنزول الجماهيرى الواسع إلى الشوارع والميادين قطعا للطريق على سيناريو التوريث الماثل.
كان عام (2005) بأحداثه ورسائله وتداعياته حاسما فى تقرير مصير نظام الحكم ومنذرا بنهايات تقترب.
فى ذلك العام أجريت أول انتخابات رئاسية قيل إنها تنافسية.
لم تكن هذه أول انتخابات منسوبة للتعددية فى العالم العربى.
قبل أن يطل القرن الحادى والعشرون أجريت عام (1999) انتخابات تعددية شكلية فى تونس واليمن على التوالى.
جرت احتفالات دعائية بالتجربتين، دون أن تكون هناك انتخابات تستحق أن تنسب إلى طلب الديمقراطية.
لم يكن الرئيس التونسى «زين العابدين بن على»، جادا فى أى إصلاح سياسى، وجرت المراسم الانتخابية كنوع من الاستفتاء المقنع، كل شىء مقرر سلفا.
وكان الرئيس اليمنى «على عبدالله صالح» أكثر وضوحا وصراحة بأهدافه من إجراء انتخابات تعددية شكلية على النمط التونسى.
صرح علنا: «لا بد أن نحلق لأنفسنا قبل أن يحلق الآخرون لنا»، قاصدا التغيير بالإجبار الأمريكى!
بعد ستة أعوام استنسخت فى مصر تجربة ثالثة، غير أن الأحوال فى المنطقة كانت قد تغيرت، كأن زلزالا استراتيجيا ضربها إثر احتلال العاصمة العراقية بغداد عام (2003).
على غير توقع وانتظار انفجرت قبل عشر سنوات بالضبط براكين الغضب فى مدينة «سيدى بوزيد» قبل أن تنتقل حممها إلى كل تونس إثر انتحار بائع الخضراوات والفاكهة الشاب «محمد البوعزيزى» بفائض شعوره بالإهانة البالغة، التى تلقاها من ضابطة شرطة.
كان ذلك حدثا اعتياديا فى بلد دأبت السلطات الأمنية على التنكيل بمواطنيها.
بعض الحوادث تكتسب رمزيتها من عمق تأثيرها وقدرتها على إلهام التغيير.
ما هو ساكن تحرك وما هو متراكم انفجر.
بعد أيام قليلة امتدت موجة الغضب إلى مصر.
قيل بالادعاء أن مصر ليست تونس.
وقيل الكلام نفسه فى ليبيا وسوريا، وكانت النتائج كارثية.
جرت محاولات توظيف بوادر «الربيع الديمقراطى فى العالم العربى» لمقتضيات الاستراتيجية الأمريكية لتقسيم المنطقة.
جرت تقاطعات بين الدعوات الأمريكية للإصلاح وبين مطالب المعارضة الوطنية فى بلد مثل مصر، غير أن الأهداف تناقضت.
الإدارة الأمريكية بشرت بربيع ديمقراطى بلا أرضية وطنية فيما كان الاتجاه الغالب داخل الحراك الشعبى، الذى جسدته فى ذلك الوقت التظاهرات الاحتجاجية، التى قادتها حركة «كفاية»، يتبنى الخيار الديمقراطى دون تخل عن الالتزام القومى.
فى تلك الأيام سألت الأستاذ «نجيب محفوظ»، على الهاتف وهو بين محبيه بسفينة عائمة على ضفاف نيل القاهرة: «مصر رايحة على فين؟»
كانت إجابته بصوت حزين: «أنا مش شايف مصر رايحة على فين!».
استشعر الحرج من أن يفهم من إجابته أنه لا يريد أن يتحدث، فأردف برقة: «أنا مش متابع، وأصدقائى يقرأون لى بعض ما ينشر».
لم يخطر بباله أن إجابته المقتضبة هى صلب الحقيقة، وأنه رأى ببصيرة الأديب النافذة ما لا يراه الآخرون.
لم يكن أحد يعرف ــ حقا ــ إلى أى مصير مجهول تذهب مصر، ومن يحكم ــ فى مستقبل قريب ــ هنا؟
«نفسى يحكمنا رئيس منتخب قبل أن أموت».
كانت تلك العبارة، التى أطلقها المفكر الراحل الدكتور «مصطفى محمود» فى لقاء نادر بيننا، تعبيرا عن شبه يأس من أن يحدث التغيير المرتجى حتى كاد يكون أمنية أخيرة قبل مغادرة الحياة.
فى أحوال خريف النظام صدرت عن بعض أركانه تصريحات انطوت بمعانيها على إشارات بالغة السلبية عن تدهور مكانة موقع رئاسة الدولة.
«الرئيس مبارك شرف لكم وأنتم مش عاجبكم حد!» – يناير (2005).
كان ذلك تصريحا لرجل البرلمان القوى «كمال الشاذلى».
«أطالب المعارضة باحترام رئيس الجمهورية مثل حضرة العمدة!».
كان ذلك تصريحا ثانيا لوزير الداخلية اللواء «حبيب العادلى» – مارس (2005).
«الحكم يفتقد الخيال السياسى.. ومصر حبلى بالتغيير» – سبتمبر (2005).
كان ذلك تصريحا ثالثا للدكتور «على الدين هلال» من قلب أمانة السياسات، التى يترأسها نجل الرئيس الأصغر.
«ما أنجزه مبارك لا يتناسب مع طول فترة حكمه» – مارس (2006)
كان ذلك تصريحا رابعا من داخل المنظومة الإعلامية، التى دأبت على الترويج للرئيس، على لسان «مكرم محمد أحمد».
هكذا بدت السلطة بكافة مكوناتها أقرب إلى أوراق خريف تتساقط، لا هى مقتنعة بقدرة الرئيس «مبارك» على الحكم ولا على الإنجاز، ولا هى قادرة على إكساب موقعه احتراما يعوزه.
وهكذا بدت مصر قرب نهايات حكمه أقرب إلى حالة «كرب ما بعد الصدمة» ــ حسب تعبير عالم النفس الدكتور «أحمد عكاشة».
كان التغيير محتما بحقائق المجتمع ومطالبه لا بادعاءات نظريات المؤامرة.
بدأت تتردد همسا فى أوساط أمنية وسيادية اعتراضات على مشروع «التوريث» وأخذ صوتها يرتفع ويضغط على مراكز القرار فى البلد.
بنبرة استهجان تساءل الروائى «بهاء طاهر» عما إذا كانت الأحوال فى مصر قد دخلت فى مغارات المجهول، حيث مجلس الشعب ينشغل بواقعة دينا ورقصاتها فى احتفالية تخرج لتلاميذ مدرسة ثانوية خاصة، دون أدنى التفات بمعاناة شعب لا يجد لقمة عيشه وترعبه مخاوف المستقبل.
كان ذلك هو الحال عند مركز السلطة فى الخريف الذى استطالت أيامه قبل أن تهب عواصف ما أطلق عليه «الربيع العربى».
بتدقيق المعانى والألفاظ لم يكن ما حدث ربيعا، لا هبت نسمات الديمقراطية ولا حل العدل الاجتماعى، لكنه كان تعبيرا شرعيا عن إرادات شعوب جرى إجهاض ثوراتها، بأخطاء ارتكبت حرفت مسارها، أو بتدخلات أجنبية هدمت بلدانها.