ads
ads

ما لا تعرفه داليا البحيرى عن العمالة اليومية

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
ads

السيدة «أ. م» تعمل فى تنظيف البيوت، وبعد انتشار كورونا تعطل حالها تماما؛ لأن غالبية الأسر قررت ألا تستقبل أحدا خوفا من العدوى.
هى تتصل بهذه الأسر بصفة دورية لتعرف هل يمكنها الحضور أم لا؟.
وقبل أسبوعين قالت لإحدى السيدات: «يا هانم خلاص.. هو انتى مصدقة أساسا إن فيه مرض.. ده كلام جرايد وتلفزيونات!!».
لا ألوم هذه السيدة وأتعاطف معها ومع أمثالها بأقصى درجة، لأنها تسعى بكل السبل للدفاع عن رزقها ورزق أسرتها.
ومن هذا المدخل فإننى أختلف كثيرا مع ما كتبته الفنانة داليا البحيرى قبل أيام على صفحتها فى الفيسبوك، حينما شنت هجوما شديدا على فئات كثيرة منها العمالة اليومية. هى كتبت تقول: «يا ريس مبقاش أنا محبوسة وأهلى ٣٦ يوم، فى حين ناس مقضياها خروج وفسح.. حظر كامل يا ريس، واللى هيقولى عمالة يومية، حديله بالشبشب على بقه.. أنا فاض بيا ومعظم المؤسسات الخيرية بدأوا يشحتوا عليهم، فمحدش يقولى مش هيلاقوا ياكلوا، وكتير منهم نتحايل عليهم يشتغلوا طول السنة أصلا.. والله العظيم ده شعب ملوش كتالوج.. ده لازم يتربط فى رجل السرير، مش يتحبس بس!!».
أؤيد فقط مطالبة داليا البحيرى بمنع كل من لا يحتاج النزول إلى الشارع، خصوصا التجمعات الشبابية، لكن من الواضح أن الفنانة بحسن نية تتصور أن العمالة اليومية لديها مدخرات فى البنوك أو تحت البلاطة، وبالتالى إذا جلست فى بيوتها فلن تتأثر!!.
هى لا تدرك أن منحة الـ٥٠٠ جنيه التى قررتها الحكومة لن تكفى إلا لجزء بسيط من هذه العمالة التى يقدرها البعض بأنها تتراوح بين خمسة إلى عشرة ملايين عامل.
الحكومة مشكورة قررت المنحة لكن الـ٥٠٠ جنيه قد تكفى هذه الأسر عشرة أيام فى الشهر، وهى لمدة محدودة لأن ظروف الحكومة ومواردها وإمكانياتها لا يمكنها أن تقدم المنحة بصفة دائمة، ولا توجد أى حكومة فى العالم تفعل ذلك، ومن يتابع ما يحدث فى العالم سيكتشف أن الولايات المتحدة بجلالة قدرها وهى أكبر اقتصاد فى العالم كله بـ٢٢ تريليون دولار لم تتحمل الإغلاق الكامل، وقررت بدء الفتح التدريجى للاقتصاد.
فإذا كانت أمريكا ومعها دول أوروبية وآسيوية متقدمة تفعل ذلك، فهل تتحمله مصر؟!.
ما لا تدركه السيدة داليا البحيرى ومن يفكر بطريقتها، هو الطريقة التى تعيش بها العمالة اليومية.
أخشى من التجمعات فى الأسواق الشعبية كما تخشى الفنانة داليا البحيرى، لكن أسألها: ما هو السبب الذى يدفع هذه العمالة إلى النزول للأسواق؟.
شخصيا سألت العديد من هذه العمالة فى أسواق الموسكى والعتبة وإسماعيل أباظة والعديد من سائقى التاكسى نفس السؤال، وكانت إجاباتهم الوحيدة والمقنعة والمفحمة هى أكل العيش.
البائع السريح الذى يسترزق من العمل فى سوق مثل العتبة والموسكى، لو لم ينزل لن يجد قوت يومه. هو مطلوب منه أن يعود لمنزله يوميا بمبلغ من المال قد يكون عشرين جنيها أو مائة حسب طبيعة عمله، ولو لم يفعل ذلك، فسوف يموت من الجوع.
ما لا تعرفه داليا البحيرى أن كل تبرعات الجمعيات الخيرية والأهلية وفاعلى الخير لا يمكنها ربما أن تكفى حاجة أكثر من ١٠٪ من العمالة اليومية.
قد يسأل سائل: ألا يخشى هؤلاء من العدوى بفيروس كورونا، وأنهم قد يموتون من العدوى؟ الإجابة ببساطة أن غالبية هؤلاء يفكرون بمنطق بسيط جدا وهو أن الموت فقرا وجوعا قد يكون أكثر خطرا من الموت مرضا بكورونا.
جزء كبير من هؤلاء ولأسباب متعددة، ليس لديه وعى صحى بالمرة ويرفع شعار: «كله رايح». لكن علينا أيضا ألا نسخر من منطقهم المقنع وهو أن السعى وراء الرزق له الأولوية على الخوف من المرض.
السؤال: هل لدى أى من هؤلاء مدخرات بحيث يمكنه الجلوس فى بيته حتى تمر الجائحة؟! الإجابة هى لا، غالبية هؤلاء يعمل يوما بيوم.
هم لا يعملون فى مصالح حكومية، ولا يعملون حتى فى مؤسسات ومصانع قطاع خاص كبرى، بحيث يحظون بالمميزات الموجودة فيها مثل التأمينات الاجتماعية والإجازات والعلاوات.
معظم هؤلاء يعملون فى قطاع المقاولات أو العمالة السريحة أو الكافيتريات والمطاعم والمحلات التى لا تؤمن عليهم أو تعطيهم الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
حينما يتمكن المجتمع بأكمله من تأمين الحد الأدنى من الحياة شبه الكريمة لهذه العمالة يمكننا وقتها أن نلومهم أو حتى نربطهم فى رجل السرير كما اقترحت الفنانة داليا البحيرى!!!.

نقلا عن "الشروق"