ads
ads

رحلة توثيق «وصايا التبرع بالأعضاء».. فرصة ثانية للحياة مرهونة بـ«جرة قلم» (تحقيق)

أطباء يجرون عملية جراحية
أطباء يجرون عملية جراحية
إسلام مصطفى
ads

«لا أنا مش هاوثق لحد تاني، هو أنا علشان وثقت لك يعني، أنت عايزاني أتاجر في الأعضاء!».. صدمت تلك الكلمات السيدة الخمسينية التي ظنت أن مكتب الشهر العقاري بمحكمة مصر الجديدة، ملاذ كل حالم بتوثيق وصية للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة، بعدما نجحت في توثيقها في المكتب ذاته، ولذلك اصطحبت إليه أشخاصًا آخرين.

حلم دينا

نجاح السيدة دينا رضا في توثيق وصية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، جاء بعد معاناة كبيرة مع موظفي الشهر العقاري.

استرجعت «دينا» حكايتها التي بدأت بتاريخ 9 أكتوبر 2018، وهو تاريخ توثيق الوصية، بعدما توجهت إلى مكتب الشهر العقاري بنادي هوليوبليس بمصر الجديدة، إلا أنها صُدمت بردود الموظفين: «الكلام دا ما وردش علينا قبل كدا».

مناقشات ساخنة دارت بينها وبين الموظفين، الذين لم يجدوا حلًا إلا أن يبلغوها أن مدير المكتب في مأمورية وعليها انتظاره، لم تيأس السيدة الخمسينية ولم تأبه بتعب الانتظار، وفور حضور المدير توجهت إليه وطلبت منه توثيق وصية للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة، إلا أنها تلقت صدمة أخرى عندما رد عليها قائلا: «مش ممكن أنا ما بعملش الحاجات دي"، هذا كله رغم إبلاغها له بأن هناك قانونا يسمح بذلك.

وفي نفس اليوم فورًا توجهت إلى الشهر العقاري بمحكمة مصر الجديدة، ورغم "خشونة وقسوة" مظهر مديرة مكتب الشهر العقاري بمصر الجديدة -على حد تعبيرها-  لم تتردد المرأة الخمسينية أن تستعطفها، وبلا تردد قالت لها: "أنا عندي حلم بقى له أكتر من 30 سنة، اعملي معروف ما تسديش السكك وحققي لي حلمي".

يبدو أن القدر تبسم لدينا –بحسب وصفها- بعدما حكت لمديرة الشهر العقاري بمحكمة الجديدة معاناتها في مكتب هوليوبليس، بسمة القدر تمثلت في استنكار هذه المديرة لرفض مدير فرع هوليوبليس توثيق الوصية، "إزاي يعمل كدا دا المفروض إنه تلميذي وعارف القانون كويس".

 

فرحة عارمة غمرت السيدة الخمسينية بعدما تمكنت من تحقيق حلم راودها سنوات طوال بفضل هذه المديرة المتفهمة -بحسب وصفها- لم تكن تعلم أنها ستتحول في أيام قلائل إلى شخص نقيض تمامًا.

معاناة «دينا» وأقرانها بين مكاتب الشهر العقاري كانت دافعا لنا في إجراء تحقيق، بشأن الصعوبات التي تواجه ثقافة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة في مصر، وما الذي قدمته وزارتا "العدل" و"الصحة" لتطبيق المشروع على أرض الواقع؟ 

وكشفت لنا رحلة البحث عن أزمة فساد استشرى في منظومتين من أكبر منظومات الدولة -بحسب وصف- الحالمين بتوثيق وصية للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة.

ضاع الحلم 

«صريخ هستيري» ومحاولات للتهدئة، مشهد ربما لن نراه إلا في إحدى المصحات النفسية -بحسب دينا- كانت تلك حالة مديرة مكتب الشهر العقاري بمحكمة مصر الجديدة، التي رفضت التوثيق للشخصين اللذين اصطحبتهما إليها لتوثيق وصاياهما، بعدما تواصل معها المهندس يوسف راضي صاحب حملة "التبرع بالأعضاء بعد الوفاة" وأول مصري استطاع توثيق وصيته، وأبلغها أن الشخصين توجها للمكتب الذي نجحت في توثيق وصيتها به إلا أن المديرة رفضت.

يحكي محمود خضير (اسم مستعار)، مصري كندي وأحد الشخصين اللذين اصطحبتهما دينا إلى مكتب محكمة مصر الجديدة، معاناته مع مكاتب الشهر العقاري.

«6» أشهر يقضيها محمود الرجل الأربعيني في مصر، الذي ما إن أتم العقد الرابع من عمره حتى قرر أن يوثق وصية للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة؛ عله ينقذ أرواحًا وأجسادًا تأكل الآلام فيها: «أنا بالفعل متبرع بأعضائي في أمريكا وكندا، منذ كنت أبلغ من العمر 16 عامًا».

فكر «محمود» لو أنّ وافته المنية وهو بمصر ماذا سيكون مصير حلمه، الذي لطالما أراد في تحقيقه، وبعد بحث دقيق اعتقد أنه وجد الحل، لم يكن يعلم أنه عقدة وليس بحل "فكرت لو مت في مصر إيه هيكون مصير الجثة، بحثت كثيرًا إلى أن عثرت على المهندس يوسف راضي وعلمت أنه أول المتبرعين في مصر، وأعطاني صيغة الوثيقة اللي من المفترض بيصدق عليها الشهر العقاري".

 

على الفور توجه محمود إلى مكتب الشهر العقاري بنادي هوليوبلس بمصر الجديدة، إلا أنني صُدمت من رد الفعل، اكتشفت أن الموظفين متزمتون دينيًا رغم وجود القانون الذي يلزمهم بتوثيق الوصية إلا أن نظرتهم للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة بأنها حرام هي التي وجهتهم "احنا هنا ما بنعملش غير توكيلات".

لم ييأس «محمود» وفي اليوم التالي توجه إلى مكتب الشهر العقاري بمحكمة الجديدة، إلا أن القدر ساق إليه موظفا أكثر تشددًا "بزبيبة ودقن" –على حد تعبيره- ولذلك لم يفاجأ برده "ما فيش حاجة كدا يا أستاذ" ولم تثنِ الأوراق ونصوص القانون التي يحملها محمود معه ذلك الموظف عن قراره بعدم التوثيق.

ثلاثة مرات تردد فيها محمود على مكتب الشهر العقاري بمصر الجديدة، التقى في المرة الثانية بمديرة المكتب التي لم تكف صرخاتها في وجهه "تبرع بأعضاء إيه، ما فيش الكلام دا".

اعتقد خضير أن "التالتة تابتة"، لاسيما وأنه تواصل مع المهندس يوسف راضي الذي أكد له أن المديرة ذاتها صدقت على وصية لإحدى المتبرعات، وأرسل إليه ما يُثبت ذلك، توجه فورًا للمرة الثالثة إلى المديرة ولكن هذه المرة بصحبة دينا.

"أنت تاني!" كانت تلك العبارة التي استقبلت بها مديرة المكتب محمود ومن معه، وما كان منهم إلا أن يواجهوها بالوصية التي صدقت عليها، وكانت المفاجأة "أنا ما صدقتش على حاجة، أنا ما ببيعش أعضاء".

ما كان من السيدة الخمسينية دينا، التي لم تبخل على محمود بالمساعدة إلا أن تتعامل بهدوء مع ثورة المديرة، "يا فندم حضرتك ما لكيش دخل التوكيل احنا عاملينه لوزارة الصحة، ما فيش بيع أعضاء ولا حاجة"، تلك الكلمات لم تثنها عن موقفها، بل ضللتهم بعدما طلبت منهم التوجه لقسم النزهة، ليفاجأوا بأنه لا يوجد شهر عقاري بالقسم الذي أخبرهم أن الفرع التابع لقسم النزهة هو ذاته فرع المحكمة بمصر الجديدة.

أنهى «خضير» معاناته دون جدوى، وقرر التواصل مع بعض المستشارين القانونيين، حالة من الدهشة انتابته بعدما أبلغه أحد القضاة بأنه يبدو أن وزارة العدل لم توزع على مكاتب الشهر العقاري لائحة تنفيذية لقانون التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.

 

الصورة الذهنية التي طُبعت لدى «خضير» هى استشراء الفساد في المصالح الحكومية المصرية، الأمر الذي جعله فقد الأمل تمامًا وتراجع حتى عن فكرة تقديم بلاغ ضد المديرة لامتناعها عن تنفيذ القانون: «أنا كنت ناوي أرفع عليها قضية، بس هنا الموظفين مظبطين بعض».

معاناة «محمود» جعلته يسخر من التجربة بأكملها، لاسيما وأن تجربته بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة في أمريكا وكندا لم تستغرق إلا بضع دقائق: «التبرع في كندا وأمريكا يكون على رخصة القيادة، بمجرد ما بعلم على خانة الموافقة بالتبرع بيتم تخزينها دا في بيانات الرخصة، حتى إنهم لم يدونوا ذلك عليها، ولكن يظهر عند تمريرها على أحد الأجهزة للكشف عن ما إذا كنت متبرعًا بالأعضاء من عدمه، في حالة الوفاة».

كله بالقانون

ينظم القانون رقم 5 لعام 2010 الصادر فى ذلك الوقت تنظيم زراعة الأعضاء البشرية، وفى المادة رقم (8) في نص القانون على أنه: «يجوز لضرورة تقتضيها المحافظة على حياة إنسان حي أو علاجه من مرض جسيم أو استكمال نقص حيوي فى جسده، أن يزرع فيه عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسد إنسان ميت". 

وأكد القانون أن التبرع يكون فيما بين المصريين إذا كان الميت قد أوصى بذلك قبل وفاته بوصية موثقة، أو مثبتة في أية ورقة رسمية، أو أقر بذلك وفقًا للإجراءات التي تُحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون"، فضلًا عن أن المنشور الفني رقم (2) الخاص بمصلحة الشهر العقاري؛ لعام 2011، أدرج نص القانون كاملًا.

وصية معدومة الفائدة

تختلف أنواع الوصايا التي تصدق عليها مكاتب الشهر العقاري، منها الوصية المغلقة والتي تستخدم فيما يتعلق بالمواريث غالبًا، والوصية المفتوحة التي لا تصلح إلا في حالات التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، لاسيما وأن نقل الأعضاء من متوفى إلى حي يجب أن يكون خلال ساعات قليلة من الوفاة، في حين تحتاج إجراءات فتح الوصية المغلقة بعد وفاة الموصي إلى ثلاثة أيام على أقل تقدير.

تنص المادة رقم 18 مكرر من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق رقم 68 لسنة 1947 على أن "تقوم مكاتب التوثيق بقبول وإيداع الوصايا وسائر التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت في مظاريف مغلقة مختومة بخاتم المكتب الرسمي، بناءً على طلب الموصي أو من صدر منه التصرف".

"لا أنا مش هاوثق هو كل اللي عايز يوثق يجيلي هنا"، معاناة أخرى عاشتها السيدة الثلاثينية، التي ظنت أن مكتب الشهر العقاري بمحكمة مصر الجديدة، هو طوق النجاة من وحّل الصراعات في مكاتب الشهر العقاري، لتوثيق وصية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، ذلك الحلم الذي راودها على مدار سنوات طوال.

خطوة الذهاب لمكتب توثيق محكمة مصر الجديدة لم تأتِ إلا بعد مراحل من المعاناة عاشتها «أسماء الشتيهي» بين مكاتب الشهر العقاري، وعندما علمت أن  السيدة دينا، تمكنت من توثيق وصية للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة بتاريخ 12 أكتوبر 2018 بمصر الجديدة توجهت إليه إلا أنها صُدمت بالرفض.

استرجعت أسماء الشتيهي مُعاناتها مع مكاتب الشهر العقاري التي بدأت بطرق باب مكتب الشهر العقاري بالحي السابع في مدينة نصر، يوليو الماضي، والذي قوبل بالرفض، بعد حجج كثيرة أبرزها أن الموظف المسؤول عن توثيق وصايا التبرع بالأعضاء في إجازة مرضية.

ما كان من أسماء ومحاميها إلا مواجهة الموظف الذي رفض التوثيق بأن المكتب ذاته وثق لأحد لشخص آخر يُدعى العميد عامر فتحي (اسم مستعار)، وصية للتبرع بالأعضاء، ليفاجأها الموظف بأنه تم التوثيق بالخطأ، رغم وجود القانون.

"الموظفين بيشتغلوا بمزاجهم"، قالت أسماء الشتيهي تلك الكلمات، مُعلنة عن تلقيها صدمة جديدة بعدما عرض عليها الموظف بمكتب مدينة نصر توثيق وصية مُغلقة بدلًا من الوصية المفتوحة التي يتضح فيها الأعضاء التي يوافق المتبرع التبرع بها، وأكد لها الموظف أن اللجنة العليا لزراعة الأعضاء تقبل بالوصية المُغلقة.

18 أكتوبر 2018 سلمت أسماء الوصية لوزارة الصحة، والتي قبلتها بشكل استثنائي.

مليارات مهدرة

تشير إحصائية الجمعية المصرية لأمراض وزراعة الكُلى إلى أن عدد مرضى الفشل الكُلوي في مصر غير محدد، ويخضع حوالي 50 ألف منهم إلى عمليات الغسيل الكُلوي، في حين يخضع للفحص أعداد مضاعفة لهذا الرقم.

40 ألف جنيه مصري سنويًا، تكلفة علاج مريض واحد بالفشل الكُلوي، وفقًا لإحصائية الجمعية، في حين يكلف تحليل البول جنيهًا واحدًا يمكن من خلاله اكتشاف الخلل في وظائف الكُلى ومعالجته.

تنفق مصر على الغسيل الكُلوي مليارات الجنيهات سنويًا، ويمكن توفيرها في حالة تطبيق التبرع بالأعضاء بعد الوفاة على أرض الواقع، وفقًا لرؤية أستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس، خالد سمير، كما أنها ستوفر أيضًا المليارات المهدرة على مرضى السكر، فقط بعمليات نقل وزراعة البنكرياس.

هناك من يقف عقبة أمام مشروع التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وهم مستوردو الأعضاء والصمامات الصناعية، وهم أصحاب المصلحة الأولى في تعطيل المشروع، بحسب الدكتور خالد، الأمر من وجهة نظره يحتاج إلى خطوات جادة من وزارتي العدل والصحة، وحينها تستطيع مصر أن تنافس أمريكا أكبر دولة مصدرة للقرنية.

ولكن الأمر يحتاج إلى استعدادات من "الصحة"، خصوصًا هناك بعض الأعضاء التي يمكن تجميدها لعدة سنوات دون تلف، على رأسها الصمامات البشرية.

الأمر لم يخرج عن إطار الدعاية، وهي الشيء الوحيد الذي تفعله وزيرة الصحة، التي تم تجديد الثقة لها، كدليل دامغ على ترسيخ سياسة الشو الإعلامي دون جدوى، وعدم الاهتمام برد فعل العاملين في القطاع الصحي والمتلقين للخدمات الصحية.

وزيرة الشو

استشاري جراحة القلب، خالد سمير كان له تجربة سيئة أيضًا مع مكاتب الشهر العقاري، ورغم مرور قرابة عامبن، إلا أنه يتذكرها بكل تفاصيلها، بعدما ساقته قدماه إلى مكتب الشهر العقاري التابع لمنطقة الوايلي بالعباسية؛ لتوثيق وصية للتبرع بأعضائه بعد وفاته، وكان الرد أنه لا يوجد أبدًا ما يطلبه.

"يا فندم احنا سألنا في الشهر العقاري الرئيسي، واتأكدنا إن التوثيق متاح"، كان ذلك رد خالد على الموظفين، ولكن دون جدوى، بعد تردده ثلاثة مرات على المكتب؛ معتقدًا في كل مرة أنه ربما يكون الوضع قد تغير.

لم يفكر خالد في التوجه لأي مكتب شهر عقاري آخر، رغم أن هناك من أبلغه أنه استطاع التوثيق في مكتب بمدينة نصر ولكن باتصالاته الشخصية، لاسيما وأن معظم مكاتب الشهر العقاري تلزم المواطنين بالتعامل مع المكاتب التابعة لمنطقتها وحسب.   

الأزمة أزمة ثقافة من وجهة نظر استشاري القلب، فالموظفون يعتقدون بحرمانية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة ما يمنعهم عن أداء عملهم، ويرى خالد أنه من المفترض الدولة تعمل على توعية الناس، وإلزام الموظفين بالخضوع للقانون.

منذ عام 1986م والسعودية تسمح بإجراء عملية نقل قلب من متوفى إلى حي، بل إيران وهي دولة إسلامية من أكبر دول العالم في تصدير الصمامات البشرية، بحسب الدكتور خالد سمير، الذي يؤكد أن وزارة الصحة لها دور في تعطيل المشروع بسبب تقاعسها عن اتخاذ إجراءات جدية لتطبيقه، الأمر الذي جعله لا يستطيع هو وزملاؤه من إجراء عمليات نقل أعضاء بشرية من متوفى إلى حي في المستشفيات.

الواسطة تحكم

كشفت رحلة البحث أيضًا عن مشاركة وزارة الصحة بصورة أو بأخرى موظفي الشهر العقاري كعقبات في طريق التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.

العميد عامر فتحي (اسم مستعار) الذي تمكن من توثيق وصيته يحكي رحلة ما قبل الوصول للتوثيق التي بدأت بمكتب الشهر العقاري بمدينة بدر، والذي رفض التوثيق، رغم أنه وثق للمهندس يوسف راضي، فجّر أذيال خيبة الأمل محاولًا الفوز بالمعركة في مكتب الشهر العقاري بالحي السابع، الذي رفض توثيق وصية مفتوحة لأسماء.

تجربة العميد مع مكتب الشهر العقاري لم تكن سهلة على الإطلاق، بعد رفض المكتب التوثيق في البداية، ولكن مكالمة تليفونية، من موظف كبير بمصلحة الشهر العقاري، "حرّكت المراكب العطلانة"، -على حد وصفه- وأنها قامت بدورها بالضغط على مدير مكتب الشهر العقاري بمدينة نصر، فاضطر الرضوخ للأمر، وتم توثيق الوصية بتاريخ 27 يوليو 2018.

يستكمل "عامر" حكايته، "سلمت الوصية بعد توثيقها للجنة العليا لزراعة الأعضاء، وكنت أعتقد أن الحلم الذي لطالما حلمته سيتحقق، إلا أنني اكتشفت أن وجود الوصية الموثقة وعدمه واحد، والبركة في وزارة الصحة".

وبحسب قوله فإن وزارة الصحة تتقاعس عن أداء دورها، في تطبيق المنظومة التي تُمكن الدولة من حق التصرف في أعضاء المتبرع بعد وفاته، في حدود ما نصت عليه الوصية.

جرائم في العقاري

المحامية مها أبو بكر، أوضحت أن القانون يصنف تصرفات موظفي الشهر العقاري تجاه الحالات التي تريد توثيق وصايا التبرع بالأعضاء، بأنها جريمة تحمل اسم الامتناع عن العمل، وبحسب المادة (124) من قانون العقوبات فإن الموظف لن يفلت من العقوبة، التي تتمثل في الحبس والغرامة، حتى وإن استقال من عمله.

وتنص المادة (124) من قانون العقوبات على أنه، "إذا ترك ثلاثة على الأقل من الموظفين أو المستحدثين العموميين عملهم ولو في صورة الاستقالة أو امتنعوا عند عن تأدية واجب من واجبات وظيفتهم متفقين على ذلك، مبتغين منه تحقيق غرض مشترك عوقب كل منهم بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن ألفي جنيه".

ووصفت امتناع موظفي الشهر العقاري عن التوثيق بأنه إضرار بالمصلحة العامة، ومن شأنه تعريض حياة الناس أو صحتهم لخطر، وكل هذه الحالات يُضاعف فيها قانون العقوبات العقوبة على الموظف.

مهزلة المتبرعين

لا توجد أية أرقام رسمية لحصر عدد الأشخاص الذين تمكنوا من توثيق وصايا للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة، إلا أن المهندس يوسف راضي يؤكد أن من تمكنوا من توثيق وصايا في الشهر العقاري 5 أفراد فقط، الأمر الذي سخر منه خضير، قائلًا: "أيعقل أن شعب عدده 100 مليون المتبرعين منه 5 أفراد بس، دي مهزلة!".

"تعنت إيه!"

تواصلنا مع رئيسة قطاع الشهر العقاري والتوثيق، عايدة الزيني، لتوضيح أسباب تعنت موظفي الشهر العقاري مع المواطنين الذين يريدون توثيق وصية للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وكان ردها أن مصلحة الشهر العقاري ملتزمة بتطبيق القانون، وأن المنشور الفني رقم (2) للشهر العقاري لسنة 2011، معلوم للموظفين، والذي يوضح إجراءات التوثيق التي يجب على الموظف الالتزام بها، ويتم التعامل على أساسه.

"تعنت إيه اللي بتكلميني عنه؟"، بهذا السؤال الاستنكاري أبدت مديرة توثيق الشهر العقاري عدم علمها بالعقبات التي يواجهها الراغبون في توثيق وصية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة في مكاتب الشهر العقاري، متابعة على المتضرر أن يُقدم شكوى رسمية لمصلحة الشهر العقاري، ليتم التحقيق فيها.

الصحة لن تتحرك

للتأكد من ما قاله العميد "عامر فتحي" توجهنا إلى وزارة الصحة، وبالتحديد الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص الطبية، والتقينا، بمدير الإدارة، عضو اللجنة العليا لزراعة الأعضاء، الدكتور علي محروس، وجاء رده، بأن الوزارة لن تُفَّعل منظومة نقل الأعضاء من المتوفين، من أجل 3 أو 4 أشخاص فقط.

"احنا مش رايحين نفتح دكان، دي منظومة سيتم تفعيلها في بلد بالكامل، ومن المفترض يتوجد لها هيئات وبنوك أعضاء، والأهم من ذلك الفكر المجتمعي"، هكذا علق الدكتور علي محروس، على تأخر الوزارة في إجراءات تفعيل منظومة التبرع بالأعضاء.

"يعني لو ما أخدناش منه أعضاء مش هتتحسب عند ربنا أنه تبرع، هو مات، ليه التذمر يعني؟" كانت تلك الكلمات رد الدكتور علي محروس على تذمر بعض الذين تمكنوا من توثيق الوصية من تأخر الوزارة في إجراءات تفعيل المنظومة.

 

"نحن ننتظر تحريك الميت" بهذه الكلمات لخص الدكتور علي محروس موقف وزارة الصحة في التعامل بشأن منظومة التبرع بالأعضاء، وتابع، "خلاصة القول الموافقة الاجتماعية هي العائق الوحيد أمام وزارة الصحة"، فلا بد أن يقتنع المجتمع أن بنوك الأعضاء البشرية، والتبرع بالأعضاء بعد الوفاة هو الحل الوحيد لمواجهة تجارة الأعضاء.

شكاوى دون جدوى

وفي السياق ذاته تقدم عدد من المواطنين بشكاوى؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، على حد وصف، المهندس يوسف راضي صاحب مبادرة "التبرع بالأعضاء بعد الوفاة"، والذي تَقدم بشكوى لوزارة العدل بتاريخ 13 ديسمبر 2017، وكان من المقرر بحسب الصورة التي حصلنا عليها للشكوى أن يتم الرد عليه في 3 يناير الماضي، إلا أنه يؤكد أنه لم يتلق إلى الآن أي رد من الوزارة.

وتقدم العميد "عامر فتحي" أيضًا بشكوى لمكتب عضو مجلس الشعب عن الدائرة التابع لها، بحسب قوله، بغرض طرح المشكلة على الوزير في البرلمان، إلا أنه حينما وصل الرد بعد شهرين من تاريخ تقديم الشكوى، كان "لا يُسمن ولا يغني من جوع"، بحسب وصفه، لاسيما وأن الرد تمثل في توضيح إجراءات التوثيق.

ورغم كل هذه العقبات لم يعرف يوسف راضي اليأس، واصطحب "خضير"، معه إلى مكتب مساعد وزير العدل للشهر العقاري، المستشار أشرف رزق، 8 ديسمبر الماضي، وطرقا بابه علهما يجدون حلًا للأزمة، والذي وعدهما بعمل منشور على جميع مكاتب الشهر العقاري بشأن القانون رقم (5) لعام 2010.

وإلى الآن لم يحدث جديد، إلا أن راضي ينوي الذهاب مرة أخرى إلى مساعد الوزير لمتابعة الأمر

ملناش دعوة

يقول عضو اللجنة العليا لزراعة الأعضاء الدكتور علي محروس: "لا دخل للجنة بتعنت مصالح الشهر العقاري مع من أرادوا التوثيق"، وعاد ليؤكد أنه من واجب اللجنة نقل معاناة تلك الحالات إلى وزارة الصحة التي بدورها تخاطب وزارة العدل بتسهيل توثيق وصايا التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، ولكن إلى الآن لم أتلق أي شكوى؛ لاتخاذ هذه الخطوة.

"مفيش حاجة اسمها وصية مغلقة، لازم أعرف الوصية فيها إيه علشان أقدر أصدر كارت متبرع لصاحب الوصية، لازم وصية مفتوحة"، بهذه الكلمات حسم الدكتور علي محروس أمر قبول اللجنة العليا لزراعة الأعضاء بالوصية المُغلقة، الذي ادعاه موظف الشهر العقاري بمدينة نصر.