الضرائب والسينما.. حوار جديد لرسم مستقبل العلاقة بين الدولة وصناعة القوة الناعمة
في إطار توجه الدولة نحو تعزيز التواصل مع مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية، عقدت رشا عبد العال رئيس مصلحة الضرائب المصرية لقاءً موسعًا مع هشام عبد الخالق رئيس غرفة صناعة السينما، بحضور عدد من قيادات المصلحة والمتخصصين في الملفات الضريبية والفنية المرتبطة بالنشاط السينمائي. ويأتي اللقاء تنفيذًا لتوجيهات أحمد كجوك وزير المالية بضرورة فتح قنوات حوار مستمرة مع مجتمع الأعمال والاستماع إلى التحديات التي تواجه القطاعات المختلفة، بما يسهم في الوصول إلى حلول متوازنة تحقق مصالح الدولة وتدعم مناخ الاستثمار.
ويعكس هذا اللقاء توجهًا جديدًا يعتمد على الحوار والتشاور قبل اتخاذ أي قرارات تنظيمية أو ضريبية تمس الأنشطة الاقتصادية المتخصصة، خاصة تلك التي تتمتع بطبيعة عمل مختلفة تحتاج إلى فهم دقيق لتفاصيلها وآليات تشغيلها.
السينما المصرية.. صناعة تتجاوز الترفيه
أكدت رشا عبد العال خلال اللقاء أن صناعة السينما لا تقتصر على كونها نشاطًا ترفيهيًا فقط، بل تعد واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية في مصر، لما تمثله من قيمة ثقافية وحضارية واقتصادية. فالسينما المصرية لعبت لعقود طويلة دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العربي ونقل الثقافة المصرية إلى مختلف دول المنطقة، الأمر الذي جعلها إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للدولة.
وتسهم هذه الصناعة في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تشغيل آلاف العاملين بشكل مباشر وغير مباشر، كما ترتبط بها عشرات الأنشطة الأخرى مثل الإنتاج الفني والتوزيع والتسويق والإعلان ودور العرض وخدمات التصوير والمعدات الفنية والنقل والإقامة وغيرها من القطاعات المساندة، وهو ما يجعل أي تطوير أو دعم لهذا القطاع ينعكس بصورة إيجابية على قطاعات اقتصادية عديدة.
خصوصية النشاط السينمائي تفرض معاملة مختلفة
من أبرز الملفات التي تناولها اللقاء التأكيد على أن صناعة السينما تختلف عن كثير من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، نظرًا لطبيعة العمل داخلها وتشابك مراحل الإنتاج والتوزيع والعرض، فضلًا عن تنوع مصادر الإيرادات والمصروفات وتعدد الأطراف المشاركة في العملية الإنتاجية.
وأوضحت رئيس مصلحة الضرائب أن هذه الخصوصية تتطلب دراسة متأنية وشاملة قبل وضع أي ضوابط أو بروتوكولات تنظيمية تتعلق بالنشاط، مؤكدة أن المصلحة حريصة على الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية وفهم تفاصيل الصناعة بصورة كاملة حتى تكون القرارات مبنية على أسس واقعية تحقق العدالة الضريبية دون الإضرار بالنشاط أو تعطيل نموه.
ويعد هذا التوجه بمثابة رسالة طمأنة للعاملين في القطاع السينمائي بأن أي إجراءات مستقبلية ستتم بعد حوار موسع ودراسة دقيقة لطبيعة الصناعة ومتطلباتها.
نحو حوكمة أكثر وضوحًا واستقرارًا
أشارت مصلحة الضرائب إلى أنها تعمل خلال المرحلة الحالية على دراسة وضع آليات حوكمة واضحة بالتعاون مع ممثلي صناعة السينما، بهدف الوصول إلى إطار تنظيمي يحقق التوازن بين الحفاظ على حقوق الخزانة العامة وتوفير بيئة ضريبية مستقرة وواضحة للعاملين بالقطاع.
ويأتي الحديث عن الحوكمة في وقت تشهد فيه الدولة جهودًا واسعة لتطوير المنظومة الضريبية وتحديث إجراءاتها، بما يساهم في تعزيز الشفافية وتقليل النزاعات وتحسين معدلات الامتثال الضريبي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن وضوح القواعد الضريبية واستقرارها يعدان من أهم العوامل التي تشجع الاستثمار وتدعم خطط التوسع والنمو، خاصة في القطاعات الإبداعية التي تعتمد على رؤوس أموال كبيرة ومخاطرة مرتفعة مثل صناعة السينما.
الالتزام الطوعي هدف رئيسي للإصلاح الضريبي
خلال اللقاء شددت رئيس مصلحة الضرائب المصرية على أن دعم الالتزام الطوعي يمثل أحد الأهداف الأساسية التي تسعى إليها المصلحة، مؤكدة أن بناء الثقة بين الإدارة الضريبية والممولين يعد عنصرًا رئيسيًا في نجاح أي إصلاح ضريبي.
وتسعى الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى الانتقال من مفهوم الجباية التقليدية إلى مفهوم الشراكة مع الممولين، من خلال تبسيط الإجراءات وتقديم الخدمات الإلكترونية وتوفير قنوات تواصل مباشرة لحل المشكلات وتوضيح الالتزامات القانونية.
ويعتمد هذا التوجه على إقناع الممول بأهمية الالتزام الضريبي من خلال توفير بيئة عادلة وشفافة، وهو ما ينعكس في الاجتماعات المتكررة التي تعقدها وزارة المالية ومصلحة الضرائب مع ممثلي مختلف القطاعات الاقتصادية.
غرفة صناعة السينما ترحب بالحوار
من جانبه أعرب هشام عبد الخالق رئيس غرفة صناعة السينما عن تقديره لاهتمام وزارة المالية ومصلحة الضرائب المصرية بالاستماع إلى العاملين في القطاع وفتح حوار مباشر معهم، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل تطورًا مهمًا في العلاقة بين الجهات الحكومية وصناعة السينما.
وأوضح أن القطاع واجه خلال فترات سابقة بعض المشكلات الناتجة عن عدم الإلمام الكامل بطبيعة الصناعة وآليات العمل داخلها، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى ظهور تفسيرات أو إجراءات لا تتوافق مع الواقع العملي للنشاط.
وأكد أن الرغبة التي أبدتها وزارة المالية ومصلحة الضرائب لفهم الصناعة بشكل متكامل قبل وضع أي ضوابط جديدة تعكس حرصًا على الوصول إلى حلول عادلة ومتوازنة تخدم جميع الأطراف.
لجنة مشتركة لفهم أعمق للصناعة
طرح رئيس غرفة صناعة السينما خلال اللقاء مقترحًا بتشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن مصلحة الضرائب المصرية وغرفة صناعة السينما، تتولى شرح طبيعة النشاط السينمائي ومراحله المختلفة وآليات العمل داخل القطاع.
ويهدف هذا المقترح إلى توفير صورة أكثر وضوحًا للجهات المختصة حول طبيعة الصناعة والتحديات التي تواجهها، بما يساعد على صياغة سياسات وضوابط تتناسب مع الواقع الفعلي للنشاط.
ويرى عدد من العاملين بالقطاع أن وجود لجنة مشتركة يمكن أن يسهم في تقليل الفجوة بين الجهات التنظيمية والصناعة، ويتيح مناقشة المشكلات بصورة مباشرة والوصول إلى حلول عملية قبل تفاقمها.
مستقبل أكثر استقرارًا لصناعة السينما المصرية
يعكس اللقاء بين مصلحة الضرائب وغرفة صناعة السينما وجود توجه واضح نحو بناء علاقة قائمة على الحوار والتفاهم بدلًا من القرارات الأحادية، وهو ما يمنح العاملين في القطاع قدرًا أكبر من الثقة بشأن مستقبل الصناعة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه صناعة السينما عالميًا نتيجة التغيرات التكنولوجية وتطور منصات البث الرقمي وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يجعل الحاجة ملحة إلى توفير بيئة تنظيمية وضريبية مستقرة تدعم استمرار النمو والتنافسية.
ومع استمرار جلسات النقاش والتشاور بين الجانبين، تبدو الفرصة متاحة للوصول إلى نموذج متوازن يحقق مصالح الدولة ويحافظ في الوقت ذاته على ازدهار واحدة من أهم الصناعات الثقافية والإبداعية في مصر، وهي الصناعة التي ما دام مثلت واجهة حضارية وثقافية للدولة المصرية في العالم العربي وخارجه.







