علي الهواري يكتب: «ميسي» من سفح الأهرامات إلى مونديال 2026
بعد مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026، تعرض النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، لموجة من الهجوم الحاد، بعدما حملته بعض وسائل الإعلام المصرية مسؤولية خروج المنتخب المصري من البطولة، هذه الحملة انتقلت بسرعة فائقة إلى منصات التواصل الاجتماعي.
ومع تصاعد الجدل على النجم الأرجنتيني، لم يعد الهجوم مقتصرا على أداءه الرياضي داخل المستطيل الأخضر، بل تجاوز ذلك إلى تداول اتهامات تتعلق بديانتة وعلاقته بإسرائيل.
ساهم هذا الخطاب في خلق حالة من الاستقطاب بين الجماهير، حيث تحول تشجيع أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ، بالنسبة للبعض، من مجرد انتماء رياضي إلى قضية تقاس بمعايير سياسية ووطنية.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، فضل عدد من الشباب المصريين، الذين لطالما عبّروا عن إعجابهم بموهبة ليونيل ميسي وإنجازاته الكروية، عدم ارتداء قميصه أو إظهار تشجيعهم له علنًا، خشية التعرض لحملات هجوم أو اتهامات تمس وطنيتهم، أو تصويرهم على أنهم مؤيدون لإسرائيل لمجرد تشجيعهم لاعبًا أرجنتينيًا، وهو ما يعكس حجم الاستقطاب الذي صاحب الجدل حول ميسي خلال تلك الفترة.
والذي لفت نظري هو أن ميسي سبق أن حظي باستقبال واسع في مصر خلال زيارته للأهرامات عام 2017، حيث زار منطقة أهرامات الجيزة ضمن حملة للترويج للسياحة العلاجية، والتقط صورًا بجوار أحد أبرز المعالم الأثرية في العالم، وقد لاقت الزيارة آنذاك اهتمامًا إعلاميًا وشعبيًا كبيرًا، واعتُبرت فرصة للترويج لمصر سياحيًا، كما عبر كثير من المصريين عن سعادتهم بزيارة أحد أشهر نجوم كرة القدم في العالم لبلادهم، في مشهد يعكس المكانة التي كان يحظى بها اللاعب لدى الجماهير المصرية قبل أن تطغى على المشهد لاحقًا الخلافات والجدل المرتبط بأحداث رياضية وسياسية.
وقد وصف ميسي، زيارته لمصر حينها بالرائعة، وأعرب عن سعادته بزيارة الأهرامات، واصفاً إياها بالإنجاز التاريخي.
وقال ميسي، خلال لقاء مع الإعلامي عمرو أديب على فضائية "أون تي في" المصرية من أمام الأهرامات، إنه عندما كان في المدرسة درس بعض المعلومات عن الأهرامات وعظمة التاريخ، مشيراً إلى أنها أفضل شيء شاهده في حياته.
وأضاف أنه قرأ كثيراً عن تاريخ الأهرامات والحضارة المصرية، مؤكداً أن مصر بلد لها تاريخ كبير، داعياً العالم كله لزيارتها.
ويطرح هذا المشهد تساؤلات أوسع حول حدود التداخل بين الرياضة والسياسة، ومدى تأثير الحملات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، خاصة عندما تمتد المنافسة الرياضية إلى ساحات الاتهامات الأيديولوجية والدينية، فلطالما كانت كرة القدم لغة عالمية تجمع الشعوب على اختلاف ثقافاتها وأديانها، بينما يؤدي الزج بالدين والسياسة في تقييم اللاعبين إلى تكريس الانقسام وإضعاف الرسالة الإنسانية التي تحملها الرياضة.
من حق الجماهير انتقاد أداء أي لاعب أو منتخب داخل الملعب، لكن ربط ذلك بالمعتقدات الدينية أو إطلاق اتهامات غير مثبتة يخرج النقاش من إطاره الرياضي إلى مساحات أكثر حساسية، بما يفتح الباب أمام خطاب الكراهية والاستقطاب، بدلًا من ترسيخ قيم المنافسة والاحترام المتبادل التي تمثل جوهر الرياضة.
إن تحويل الخلافات الرياضية أو السياسية إلى أحكام تُبنى على الدين أو الأصل أو الهوية يمثل شكلًا من أشكال التعصب والتمييز، وهو ما يتعارض مع المبادئ التي قامت عليها الرياضة باعتبارها مساحة للتنافس الشريف والتقارب بين الشعوب، كما أن جميع الشرائع السماوية تدعو إلى العدل واحترام كرامة الإنسان، وترفض الظلم والكراهية والتمييز على أساس الدين أو العرق أو الانتماء.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم اللاعبين ينبغي أن يظل مرتبطًا بأدائهم داخل الملعب، بعيدًا عن إطلاق أحكام جماعية أو اتهامات تستند إلى الهوية الدينية أو القومية، حفاظًا على القيم الإنسانية والرياضية التي تجمع ولا تفرق، فلو جرى تطبيق هذا المنطق على جميع نجوم الرياضة حول العالم، لتحولت كرة القدم إلى ساحة للصراعات السياسية والدينية، ولاضطر المشجعون إلى تصنيف اللاعبين وفق جنسياتهم أو دياناتهم أو مواقف دولهم، بدلًا من تقييمهم وفق موهبتهم وإنجازاتهم داخل الملعب، وعندها لن يسلم أي نجم عالمي من حملات المقاطعة أو الاتهامات، لأن كل دولة تقريبًا ترتبط بعلاقات أو سياسات أو تحالفات قد يختلف معها آخرون. ومن ثم، فإن الخلط بين الرياضة والسياسة والدين لا يضر باللاعبين وحدهم، بل يقوض الرسالة الأساسية للرياضة باعتبارها لغة عالمية للتنافس الشريف، والتقارب بين الشعوب، ونبذ الكراهية والعنصرية والتعصب.
كما أن الخلافات الرياضية أو نتائج المباريات، مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تنعكس على طبيعة العلاقات بين الشعوب أو أن تتحول إلى مواقف عدائية تجاه دولة صديقة أو أحد مواطنيها، لأن الرياضة في جوهرها منافسة تنتهي بانتهاء صافرة الحكم، بينما تبقى العلاقات بين الدول والشعوب قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ومن زاوية أخرى، تأتي هذه الأحداث في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية الأرجنتينية تعاونًا في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، كما تجمع البلدين علاقات دبلوماسية مستقرة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وخلال السنوات الماضية، شهدت العلاقات تبادلًا للزيارات الرسمية والتنسيق في عدد من القضايا الدولية، إلى جانب تنامي التعاون التجاري والاستثماري.
وعلى المستوى الشعبي، لا يمكن اختزال مواقف الأرجنتينيين تجاه القضية الفلسطينية في اتجاه واحد، فالمجتمع الأرجنتيني، كغيره من المجتمعات، يضم تيارات وآراء متعددة، وقد شهدت المدن الأرجنتينية، وفي مقدمتها العاصمة بوينس آيرس، على مدار السنوات الماضية، مظاهرات وفعاليات شعبية شارك فيها مواطنون ومنظمات حقوقية ونقابات وجمعيات مدنية للتضامن مع الشعب الفلسطيني والمطالبة بوقف الحرب وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي. وفي المقابل، توجد أيضًا أصوات ومواقف مؤيدة لإسرائيل، وهو ما يعكس التعددية السياسية والفكرية داخل المجتمع الأرجنتيني. لذلك، فإن تعميم موقف سياسي على شعب بأكمله أو ربط أي لاعب كرة قدم بمواقف جميع أبناء بلده يظل أمرًا غير منصف ولا يعكس الواقع.
لكن المفارقة الأبرز تمثلت في التحول الذي شهده الخطاب الإعلامي المصري بعد أيام قليلة، عندما واصل ميسي تقديم عروضه الاستثنائية وقاد منتخب الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم بالفوز على إنجلترا (2-1) في الدور نصف النهائي.
فبعد أن كان هدفًا لانتقادات حادة، بدأت مواقف عدد من الإعلاميين المصريين تتغير بصورة واضحة، لتتحول من الهجوم إلى الإشادة بموهبته وإمكاناته الفنية.
فقد وصف الإعلامي أحمد شوبير ميسي بأنه "كائن فضائي"، قائلًا: "ميسي ده كائن فضائي، مستحيل يكون كائن كروي"، وأضاف: "معرفش مصطفى شوبير صد منه ركلة الجزاء إزاي، وكان هيصد منه الهدف اللي جابه إزاي، ده ما شاء الله حاجة عظيمة جدًا في الكورة".
كما انتقد الإعلامي إبراهيم عيسى الحملة التي تعرض لها ميسي عقب مباراة مصر، مؤكدًا أن تحميل اللاعب مسؤولية الهزيمة لا يستند إلى أي منطق رياضي، وأن النقد يجب أن يوجه إلى الأداء الفني للمنتخب المصري، وليس إلى لاعب منافس أدى دوره بصورة طبيعية.
بدوره، أشاد الإعلامي إبراهيم فايق بالمستوى الذي يقدمه قائد الأرجنتين، قائلًا: "الولا ميسي ده جن يا جدعان، آخر عشر دقايق من كل ماتش فيه جن بيركبه... الواد 40 سنة ولا تحس عليه".
ويعكس هذا التحول في الخطاب الإعلامي أن كثيرًا من ردود الفعل الأولى كانت مدفوعة بالعاطفة التي صاحبت الخروج من البطولة، قبل أن تعود التقييمات إلى قدر أكبر من الموضوعية مع استمرار ميسي في تقديم مستويات استثنائية وقيادة منتخب بلاده إلى المباراة النهائية.
وفي النهاية، تبقى الدولة الوحيدة التي يمكن تبرير مقاطعتها رياضيًا وشعبيًا هي إسرائيل، ليس بسبب ديانة مواطنيها أو انتمائهم الديني، وإنما بسبب سياسات الاحتلال التي تمارسها بحق الشعب الفلسطيني، وهو موقف يختلف عن استهداف الأفراد أو ربطهم بدينهم أو جنسيتهم، خاصة أن هناك العديد من اليهود، داخل إسرائيل وخارجها، يعارضون تلك السياسات وينتقدون ما يتعرض له الشعب الفلسطيني.
ويبقى الأهم أن تظل الرياضة بعيدة عن الصراعات السياسية والدينية قدر الإمكان، فهي لغة الشعوب وجسر للتواصل بين الثقافات، ورسالتها الأساسية تقوم على المنافسة الشريفة، والاحترام المتبادل، ونبذ العنصرية والكراهية والتعصب.