الجيزة.. إحباط مخطط لتزوير بطاقات جهات أمنية وسيادية واستغلالها في انتحال النفوذ
في واحدة من القضايا التي تكشف خطورة استغلال التكنولوجيا الحديثة في تزوير المحررات الرسمية وانتحال الصفات السيادية، كشفت أجهزة الأمن بالجيزة تفاصيل شبكة متخصصة في تصنيع بطاقات هوية مزورة منسوب صدورها لجهات أمنية وسيادية، استخدمت في محاولة فرض النفوذ والتدخل لدى الجهات الرسمية، قبل أن تسقطها الصدفة أثناء فحص دراجة بخارية دون لوحات معدنية.
القضية التي بدأت بإجراء مروري اعتيادي انتهت بكشف ورشة إلكترونية متكاملة لتزوير الكارنيهات الرسمية، تضم أجهزة حاسب آلي وبرامج تعديل صور وطابعات وماسحات ضوئية وأدوات تستخدم في تقليد الهويات الأمنية، بينما قاد خيط صغير رجال الأمن إلى متهمين أحدهما يعمل مصمم جرافيك والآخر موظف مبيعات، تحولا إلى أبطال لقضية أثارت اهتمام جهات التحقيق بسبب طبيعة المستندات المزورة وخطورة استخدامها.
البداية من شارع في الجيزة
الواقعة بدأت أثناء قيام النقيب أحمد توفيق محمد سكر، رئيس وحدة الفحص الفني بالإدارة العامة لمرور الجيزة، بمتابعة الحالة المرورية وفحص المركبات المارة، حيث اشتبه في دراجة بخارية تسير دون لوحات معدنية، فتم استيقاف قائدها والتحفظ على الدراجة لفحصها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وخلال تلك الإجراءات، ظهر المتهم الثاني أحمد عز الدين الصغير، الذي حاول التدخل للإفراج عن الدراجة البخارية، مؤكدًا لضابط المرور أنه يعمل ضابطًا بإحدى الجهات السيادية، وبالتحديد بجهاز الأمن القومي، قبل أن يخرج بطاقة هوية منسوب صدورها إلى جهتي المخابرات العامة والمخابرات الحربية والاستطلاع.
في البداية بدا الأمر طبيعيًا، لكن خبرة ضابط المرور دفعته للتدقيق في البطاقة، خاصة مع بعض الملاحظات الفنية التي أثارت الشكوك حولها، لتبدأ لحظات كشف واحدة من أخطر وقائع التزوير.
بطاقة الرقم القومي فضحت المتهم
أثناء فحص هوية الشخص الذي ادعى كونه ضابطًا، تمكن رجال المرور من الاطلاع على بطاقة الرقم القومي الخاصة به، والتي كشفت أن المتهم حاصل على دبلوم تجارة ويعمل في وظيفة بعيدة تمامًا عن أي جهة أمنية أو سيادية.
هنا تبدلت مجريات الواقعة بالكامل، وتحول الأمر من محاولة توسط عادية إلى شبهة انتحال صفة واستعمال محرر رسمي مزور، ليتم التحفظ على المتهم والبطاقة المقدمة، وإخطار الجهات المختصة التي بدأت في توسيع دائرة التحقيق.
الوصول إلى مصمم الجرافيك
التحريات التي أجرتها أجهزة الأمن، بإشراف رجال مباحث أكتوبر والأموال العامة، قادت إلى المتهم الأول مروان ممدوح سعد، 26 سنة، مصمم جرافيك مقيم بمحافظة الإسكندرية، والذي تبين أنه العقل المدبر وراء تصنيع بطاقات الهوية المزورة.
وكشفت التحريات أن المتهم استغل خبرته في التصميم وبرامج تعديل الصور لإنتاج كارنيهات شديدة الشبه بالمحررات الأصلية الصادرة عن جهات سيادية، مستخدمًا أجهزة متطورة وأدوات تقنية تساعده على تقليد البطاقات الرسمية بدرجة عالية من الدقة.
وعقب استصدار إذن من النيابة العامة، داهمت القوات مكان تواجد المتهم، حيث عثرت بحوزته على أجهزة لابتوب وحواسب آلية وطابعات وماسحات ضوئية وماكينات تقطيع ووحدات تخزين إلكترونية، إلى جانب أوراق خام وأدوات تستخدم في إعداد الكارنيهات المزورة.
الفوتوشوب في خدمة التزوير
الفحص الفني للأجهزة المضبوطة كشف مفاجآت جديدة، بعدما تبين احتواء الحواسب على برامج متخصصة في تعديل الصور والتصميم، من بينها برنامج “فوتوشوب”، بالإضافة إلى ملفات وصور متعددة لبطاقات هوية وشعارات رسمية منسوبة إلى جهات سيادية وأمنية مختلفة.
كما عثرت جهات الفحص على نماذج لبطاقات تحمل شعارات المخابرات العامة والمخابرات الحربية وقطاع الأمن الوطني ورئاسة الجمهورية، ما أكد أن الأمر لم يكن مجرد واقعة فردية، بل نشاط منظم يعتمد على التكنولوجيا في تقليد المستندات الرسمية.
وأثبت تقرير الإدارة العامة لتحقيق الأدلة الجنائية أن الأجهزة المضبوطة تستخدم بالفعل في تصنيع البطاقات المزورة، وأنها تحتوي على الأدوات الرقمية اللازمة لعمليات الاصطناع الكلي للمحررات الرسمية.
اتفاق مسبق بين المتهمين
تحريات إدارة مكافحة جرائم الأموال العامة كشفت كذلك أن المتهم الثاني لم يكن مجرد مستخدم عابر للبطاقة المزورة، بل كان شريكًا في الجريمة، بعدما اتفق مع المتهم الأول على استخراج بطاقة تحمل صفته الوهمية كضابط بإحدى الجهات السيادية.
وأكدت التحريات أن المتهم الثاني أمد المتهم الأول ببياناته الشخصية وصورته، مقابل مبلغ مالي تم الاتفاق عليه، ليقوم الأول بتصميم البطاقة وتقليد الأختام والتوقيعات الرسمية الخاصة بها.
وبحسب التحقيقات، فإن المتهم الثاني استخدم البطاقة بالفعل في انتحال صفة ضابط بالمخابرات أثناء تدخله لدى رجال المرور، محتجًا بصحة البطاقة المزورة في محاولة لاستغلال النفوذ الوهمي لتحقيق مصالح خاصة.
تهم ثقيلة أمام النيابة
وجهت جهات التحقيق إلى المتهمين مجموعة من الاتهامات الخطيرة، شملت تزوير محررات رسمية وتقليد أختام جهات سيادية واستعمال محررات مزورة وانتحال صفة ضباط بالمخابرات العامة والمخابرات الحربية، إلى جانب حيازة أدوات تستخدم في التزوير.
وتواصل النيابة العامة التحقيق مع المتهمين للوقوف على حجم نشاطهما، ومعرفة ما إذا كانت هناك بطاقات أخرى تم تصنيعها لصالح أشخاص آخرين، أو وقائع مماثلة تم ارتكابها باستخدام الهويات المزورة.







