عبر حكم صحة ونفاذ مزور... تفاصيل قضية تزوير تهز الشهر العقاري
في كواليس الجريمة المنظمة لم يعد المزور التقليدي يكتفي بتقليد تزييل توقيع أو محاكاة خاتم رسمي بل بات المحترفون يعتمدون على هندسة إجراءات قضائية وإدارية كاملة مستغلين ثغرات الدورة المستندية وبراءة الموظفين العموميين ليصنعوا من العدم حقًا مستنديًا يبدو في ظاهره حصينًا وعصيًا على الاختراق.
هذا السيناريو المثير هو المحور الفعلي للقضية الجنائية المدوية التي نفضت عنها الأجهزة الأمنية الغبار مؤخرًا والتي تبين من تفاصيلها قيام رجل أعمال يبلغ من العمر خمسة وخمسين عامًا يمتلك مكتبًا للتوريدات ويقيم بدائرة قسم شرطة العجوزة ويدعى محمد محمد غنيم باختراق أروقة المحاكم وكتاب التوثيق والشهر العقاري ليتوج مخططه الشيطاني بالاستيلاء الكامل على وحدة سكنية فاخرة بالطابق الخامس عشر بشارع أبو الفدا الشهير بحي الزمالك مستعينًا بحيلة الفاعل المعنوي وإيقاع موظفين عموميين وسيدة حسني النية في فخه الإجرامي المتقن.
البداية من العبور.. توكيل ميت يبعثه المزور في مجمع المحاكم
نقطة الانطلاق في هذا المخطط بدأت باصطناع توكيل توثيق منسوب زيفًا لمكتب توثيق العبور ورغم أن اليقظة القضائية كانت للمتهم بالمرصاد في بادئ الأمر حيث صدر حكم بات ومكتمل الأركان من محكمة جنايات العبور يقضي بتزوير هذا التوكيل وبطلانه وإعدامه إلا أن المتهم بخبرة إجرامية لافتة قرر ألّا يستسلم لإعدام مستنده بل ضرب بحكم الجنايات عرض الحائط وجعل من هذا التوكيل الميت قانونًا ركيزة انطلاق لمرحلة أشد خطورة وتدخلًا في محراب العدالة.
انتقل المتهم بخطته مباشرة إلى مجمع محاكم جنوب القاهرة وتحديدًا أمام الدائرة الثانية مدني كلي وهناك وقف المتهم وهو ليس من أرباب الوظائف العمومية منتحلًا صفة الوكيل ومثّل أمام أمين سر الجلسة وهو موظف عام حسن النية لا يعلم شيئًا عن حكم التزوير السابق وأملى المتهم على أمين السر وقائع كاذبة ومصطنعة مقررًا قيامه بالبيع والصلح والتنازل لنفسه وللغير عن الشقة السكنية وبناءً على هذه الأقوال وتحت تأثير التوكيل المزور قام أمين السر بحكم اختصاصه وبنية سليمة تمامًا بتحرير محضر الجلسة وضبطه على هذا الأساس ليثمر هذا الغش عن استصدار حكم قضائي بالصحة والنفاذ في الدعوى المدنية على غير الحقيقة والواقع.
المحامي الحر يفتح الصندوق الأسود لتبييض الملكية
في جلسة الاستماع لأقوال الشهود أمام النيابة العامة فجّر الأستاذ محمد مصطفى وهو محامي حر يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا ووكيل الشاكي والمجني عليه الأصلي المفاجأة الأولى التي كشفت أبعاد التمكين العقاري للمتهم حيث أكد المحامي في شهادته أن المتهم لم يتوقف عند عتبة المحكمة بل زاد في حبك خطته بأن أخذ حكم الصحة والنفاذ المزيف وعريضة الدعوى وتوجه بهما إلى مكتب توثيق قصر النيل.
وأمام موظف التوثيق حسن النية أقر المتهم كذبًا ببيعه الوحدة السكنية ذاتها إلى السيدة ميرفت محمد أحمد مكاوي وتمكن عبر هذا الإقرار الصوري من استصدار توكيل رسمي جديد من مكتب توثيق قصر النيل يمنحها حق البيع للنفس وللغير تمهيدًا لتبييض الجريمة وتحويل الورق المزور إلى أصل رسمي مسجل في دفاتر الدولة وضياع حقوق الملاك الأصليين.
تحريات الأموال العامة تؤكد الموظفون والسيدة أدوات طيعة في يد الجانى
القول الفصل في مسار القضية جاء على لسان المقدم محمد صلاح الدين الضابط بالإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة والذي قاد التحريات الأمنية الدقيقة حول الواقعة حيث أكد ضابط الأموال العامة في شهادته أن تحرياته السرية توصلت إلى أن المتهم وضع مخططًا جنائيًا محكمًا تنقل فيه بين الجهات الرسمية كفاعل معنوي حيث تلاعب بسكرتير جلسة الدائرة الثانية بمدني جنوب القاهرة لإصدار الحكم الصوري وعقّب ذلك بتزوير محاضر التصديق الصادرة من مكتب توثيق قصر النيل.
واختتم المتهم شوطه الإجرامي وفقًا لشهادة الضابط بتقديم هذه المحررات والمشْهَرات الملوثة بالتزوير إلى السيدة ميرفت مكاوي حسنة النية ممدًّا إياها ببيانات غير صحيحة وفقًا للتوكيل المزور لتسقط الأخيرة في الفخ وتتحول إلى أداة تنفيذية يستعملها المتهم دون وعي منها لطمس معالم جريمته الكبرى وتصديرها للواجهة كشخصية رئيسية في المعاملة.
المراجعة الفنية الأولى والثانية وكيف عَبَرَ الطلب في الشهر العقاري
في إطار تعقب مسار المشهر المزور وكيفية نفاذه عبر المراجعات الإدارية استمعت جهات التحقيق إلى الأستاذ أسامة عبد الرازق حامد رئيس مأمورية شهر عقاري مصر القديمة والذي فكك تفاصيل الدورة المستندية للمعاملة حيث أقر رئيس المأمورية في شهادته بأنه هو من قام بالمراجعة الفنية الأولى للطلب الذي تقدم به المتهم لمأمورية شهر عقاري قصر النيل مضيفًا أن المعاملة استمرت في مسارها حتى صدور المشهر من شهر عقاري جنوب القاهرة بعد خضوعه أيضًا للمراجعة الفنية الثانية للمشهر وهو الأمر الذي يوضح كيف استغل المتهم المستندات المزورة المبدئية لتخطي عقبات المراجعة القانونية المزدوجة وإضفاء صبغة الصحة على محرراته.
ولم تكن المستندات مجهولة الصانع بل كان المتهم يتحرك بثقة وجرأة في المكاتب الرسمية وهو ما أكدته شهادة الأستاذ ياسر وهبة إبرهيم البالغ من العمر اثنين وخمسين عامًا ومدير شهر عقاري السيدة زينب حاليًا حيث قرر جازمًا بأن المتهم مثل أمامه شخصيًا وقام بالتوقيع أمامه على محاضر التصديق بمكتب توثيق قصر النيل وفقًا للبيانات المزيفة التي أدلى بها وتطابقت هذه الأقوال تمامًا مع شهادة الأستاذ مصطفى فاروق البالغ من العمر أربعين عامًا رئيس مكتب توثيق قصر النيل وقتئذ والذي أكد هو الآخر أمام النيابة العامة أن المتهم مثل في مكتبه وقام بالتوقيع أمامه على ذات محاضر التصديق ليتأكد لجهات التحقيق الحضور المادي والإرادة الكاملة للمتهم في توقيع صكوك الخديعة.
منصة القضاء تشهد والمحطة الأخيرة لصدور العقد المشهر
امتد المخطط لداخل قاعات المحاكم حيث استمعت النيابة العامة لأقوال الأستاذ أنور عاشور الموظف بوزارة العدل بمحكمة جنوب القاهرة الابتدائية والذي أقر بحضور المتهم بشخصه أمام الدائرة الثانية مدني كلي جنوب القاهرة وأكد موظف المحكمة أن المتهم أقر أمامه بالبيع وقبض الثمن منتحلًا صفة الوكيل عن المجني عليه المالك الأصلي للشقة بموجب التوكيل المصطنع المنسوب لتوثيق العبور بل وقام بالبصم والتوقيع بخط يده على محضر الجلسة المؤرخ في الدعوى المدنية وهو المحضر الذي ترتب عليه صدور حكم الصحة والنفاذ الباطل.
التفصيلة الأشد خطورة في التحقيقات هي نجاح الجريمة وانتقالها من مرحلة المحاولة إلى الأثر القانوني المكتمل فبناءً على المستندات الماكرة التي سلمها المتهم للسيدة ميرفت مكاوي توجهت الأخيرة بنية سليمة تمامًا إلى مأمورية شهر عقاري قصر النيل واحتجت بصحة ما ورد في تلك الأوراق من بيانات ونتيجة لإحكام المتهم للخدعة انطلى الأمر على موظفي المأمورية وأسفر ذلك عن صدور مشهر رسمي مسجل ومقيد صادر من شهر عقاري جنوب القاهرة ينقل ملكية عين الزمالك الفاخرة على غير الحقيقة إلى المشترية ضحية الغش لتضيع الشقة من أصحابها الشرعيين بجرة قلم وثقها موظفون عموميون غُيب وعيهم بالمستندات الملوثة.
تقرير أبحاث التزييف والتزوير يكتب رصاصة الرحمة الفنية
أمام إنكار المتهم المحتمل جاء تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي بمثابة رصاصة الرحمة التي حسمت القضية ماديًّا فبعد اتخاذ إجراءات استكتاب المتهم ومقارنة خطه بالأصول والتوقيعات الثابتة في الأوراق والمستندات المرسلة صورها الضوئية لفحصها فجر الخبراء النتيجة الحتمية وأكدوا أن المتهم هو الكاتب الفعلي لتلك العقود.
وجاء في التقرير الفني أنه بعد الوقوف على المستوى الكتابي والدرجة الخطية والخصائص والمميزات الخطية لليد الكاتبة فضلًا عن الأوضاع النسبية للتكوينات واتجاه مجال حركة اليد واللازمات الخطية ثبت يقينًا أن المدعو محمد محمد غنيم إبرهيم هو الكاتب والمحرر بخط يده لجميع التوقيعات المنسوبة إليه والثابتة بالمستندات موضوع الفحص وإلى جانب تقرير الطب الشرعي الصادم تسلمت النيابة العامة حزمة من الحجج والمستندات الرسمية القاطعة تضمنت صورة رسمية من حكم محكمة جنايات العبور المقضي فيه صراحة بتزوير التوكيل الأساسي الصادر من مكتب توثيق العبور وإعدامه وصورة رسمية من الحكم الصادر في الدعوى المدنية صحة ونفاذ جنوب القاهرة والتي ثبت من خلالها استغلال المتهم للتزوير في محاضر التصديق والمشهر الصادر من الشهر العقاري بجنوب القاهرة.
قيد ووصف النيابة وعقوبة مغلظة تنتظر المخطط الشيطاني
بوصول هذه الأدلة والشهادات أسدلت النيابة العامة الستار على مرحلة جمع الاستدلالات والتحقيق الفني فالمتهم الآن لم يعد يواجه مجرد اتهام مرسل بل يواجه شهادة ضابط الأموال العامة والمحامي وكيل الشاكي وشهادة أربعة من كبار موظفي ورؤساء مأموريات الشهر العقاري والمحاكم بوزارة العدل الذين وقع أمامهم شخصيًا بالإضافة إلى دمغة الطب الشرعي التي ربطت أصابعه وجهازه العصبي والحركي ليده بالتوقيعات المزورة وسيكتب القضاء العادل كلمة الفصل في هذه القضية التي هزت الأوساط العقارية.
وبموجب هذه الترسانة القضائية تسير القضية بخطى ثابتة نحو محكمة الجنايات تحت بند جناية الاشتراك بطريق المساعدة مع موظفين عموميين حسني النية لتزوير محررات رسمية وجناية استعمال محررات رسمية مزورة مع العلم اليقيني بتزويرها والتسبب العمدي في إصدار مشهر رسمي باطل بينما استبعدت التحقيقات السيدة ميرفت مكاوي من دائرة الاتهام باعتبارها ضحية حسنة النية تم استخدامها كأداة ليواجه المتهم بمفرده بنصوص مواد قانون العقوبات المصري مصيرًا مظلمًا خلف قضبان السجن المشدد لمدة قد تصل إلى عشر سنوات.







