رئيس التحرير
خالد مهران

فيلا العجوزة المسروقة.. كيف صنعت شبكة التزوير عقود ملكية وهمية بأختام محاكم مزيفة؟

تزوير مستندات
تزوير مستندات

كشفت تحقيقات موسعة أجرتها جهات التحقيق بالجيزة تفاصيل واحدة من أخطر وقائع تزوير المحررات الرسمية والعرفية المرتبطة بالاستيلاء على العقارات، بعدما تبين تورط عاطل يبلغ من العمر 37 عامًا وسيدة تمتلك محلًا لبيع الأدوات المنزلية، بالاشتراك مع شخص مجهول، في إعداد سلسلة من العقود والأحكام والتوكيلات المزورة للاستيلاء على فيلا مملوكة لآخرين بمنطقة العجوزة، مستخدمين أختامًا مقلدة منسوبة لمحاكم وجهات رسمية.

التحقيقات كشفت أن المتهمين لم يكونا من أرباب الوظائف العمومية، إلا أنهما نسجا مخططًا محكمًا بالتعاون مع آخر مجهول تخصص في اصطناع الأختام والأوراق الرسمية المزيفة، بهدف خلق سلسلة ملكية وهمية لعقار كائن في 7 شارع عبد الحميد سليمان بمنطقة العجوزة، تمهيدًا لبيعه وتأجيره والتصرف فيه قانونيًا أمام الجهات الرسمية والمحاكم.

بداية المخطط.. مالكون حقيقيون ومشترٍ وهمي

وفقًا لما توصلت إليه التحقيقات، بدأت الواقعة من خلال اصطناع عقد بيع نهائي منسوب صدوره إلى الملاك الأصليين للفيلا، يتضمن بيع العقار إلى شخص يدعى “حسني أحمد أحمد”، وهو شخص مجهول تبين لاحقًا عدم وجوده من الأساس.

ولإضفاء صفة رسمية على العقد، جرى ختمه بخاتم مزور منسوب لمحكمة مركز بني سويف الجزئية، مع إثبات بيانات تفيد صدور حكم صحة توقيع على العقد في إحدى الدعاوى القضائية التابعة للمحكمة.

ولم يكتف المتهمون بذلك، بل جرى إعداد عقد بيع ثانٍ مزور يفيد انتقال ملكية الفيلا من الشخص الوهمي إلى والد المتهمة الثانية بصفته الولي الطبيعي عليها وهي قاصر آنذاك، مع تذييل العقد بخاتم آخر مزور منسوب لمحكمة مصر القديمة الجزئية.

كما قام المتهم المجهول باصطناع حكم صحة توقيع كامل منسوب صدوره لدائرة مدني جزئي مصر القديمة بشأن العقد ذاته، في محاولة لإحكام حلقات التزوير وإظهار الملكية الوهمية في صورة قانونية سليمة.

توكيل رسمي من الشهر العقاري بمستندات مزورة

وتوصلت التحقيقات إلى أن المتهمة الثانية استخدمت تلك المستندات المزيفة في استخراج توكيل رسمي من مكتب توثيق الأهرام، حيث حضرت بنفسها أمام موظف التوثيق وقررت كذبًا أنها المالكة الشرعية للفيلا، وحررت توكيلًا عامًا لصالح المتهم الأول يبيح له البيع للنفس أو للغير.

وأكد رئيس فرع توثيق الأهرام بمصلحة الشهر العقاري أن التوكيل تم تحريره بناءً على البيانات التي أدلت بها المتهمة الثانية، وأنها وقعت على المحرر أمامه بصورة طبيعية، دون علم الموظف المختص بوجود تزوير في أصل الملكية.

كما أوضحت إحدى الباحثات القانونيات بمكتب التوثيق أنها قامت بإثبات التاريخ على بعض العقود المقدمة وفق الإجراءات المعتادة، دون أن يتبين لها وجود شبهة جنائية.

بيع وتأجير الفيلا بعقود مزيفة

وبحسب أوراق القضية، استغل المتهم الأول التوكيل والعقود المزورة في إظهار نفسه بمظهر المالك الحقيقي للعقار، فقام بإبرام عقود بيع ابتدائية ونهائية جديدة، فضلًا عن تحرير عقود إيجار للفيلا لصالح سيدات تعاملن معه بحسن نية.

وقالت نورهان محمد جاد، إحدى المستأجرات، إنها أبرمت عقد إيجار مع المتهم الأول بعدما اطلعت على كافة مستندات الملكية التي قدمها لها، والتي بدت رسمية وتحمل أختامًا وأحكامًا قضائية، ما دفعها للاعتقاد بصحة موقفه القانوني.

وأكدت أن المتهم كان يتصرف باعتباره المالك الشرعي للعقار، ولم يكن هناك ما يثير الشكوك لدى المستأجرين.

المحامي يكتشف الخدعة

الواقعة بدأت في الانكشاف بعدما علم الملاك الأصليون للفيلا بقيام أشخاص بتأجير العقار وعرضه للبيع دون علمهم، فكلفوا المحامي سامح إسماعيل حافظ بالتحري عن الأمر.

وقال المحامي في أقواله إنه تواصل مع المتهم الأول مدعيًا رغبته في شراء الفيلا، فقام الأخير بإرسال ملف كامل عبر الهاتف المحمول يتضمن جميع مستندات الملكية الخاصة بالعقار.

وضمت المستندات عقد البيع المنسوب للملاك الأصليين، وعقد البيع الثاني الخاص بالمتهمة الثانية، وحكم صحة التوقيع المزور، وعقد بيع نهائي بين المتهمة الثانية والمتهم الأول، إضافة إلى عقد إيجار أملاك وتوكيل رسمي صادر من مكتب توثيق الأهرام، فضلًا عن عقد بيع ابتدائي جديد.

وأضاف المحامي أن المتهم الأول استخدم أحد العقود المزورة في إقامة دعوى صحة ونفاذ أمام محكمة العجوزة، إلا أنه لم يستكمل إجراءات الدعوى، وتم شطبها لاحقًا.

وأكد أن جميع تلك التصرفات استهدفت الاستيلاء على الفيلا وإضفاء غطاء قانوني مزيف على عمليات البيع والتأجير.

مفاجأة كشوف حريق محكمة مصر القديمة

ومن بين أخطر ما كشفته التحقيقات، شهادة وليد فضل محمد، كاتب أول بمحكمة مصر القديمة الجزئية، والذي أوضح أنه عقب الحريق الذي اندلع بالمحكمة خلال أحداث ثورة يناير 2011، تم إعداد كشوف بالقضايا المحترقة.

وأكد أن الدعوى المشار إليها بالمحررات المزورة والمقيدة برقم 985 لسنة 2007 صحة توقيع مصر القديمة، تبين أنها تخص شخصًا آخر يدعى “محمد الحسين ناصف”، وليس الاسم الوهمي “حسني أحمد أحمد” الوارد بالعقود المزورة.

وأضاف أن ملف الدعوى كان ضمن القضايا التي أتت عليها النيران، وهو ما يرجح استغلال المتهمين لحالة فقد الملفات الأصلية في اصطناع أحكام مزيفة يصعب التحقق منها بسهولة.

تقرير التزييف والتزوير يحسم الحقيقة

وجاء تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بمثابة الضربة القاضية للمتهمين، بعدما أثبت بشكل قاطع أن غالبية التوقيعات والأختام الواردة بالمحررات محل القضية مزورة بالكامل.

وأكد التقرير أن عددًا من الأشخاص المنسوبة إليهم التوقيعات لم يحرروا تلك التوقيعات من الأساس، ومن بينهم رغداء فائق عبد الله وشقيقتها وكامل محمد أحمد جمعة.

كما أثبت التقرير أن التوقيعات المنسوبة إلى “حسني أحمد أحمد” و”كمال محمد أحمد” و”نهال كمال محمد” كتبت جميعها بخط يد واحد، بما يدل على صدورها من شخص واحد مجهول تولى تحرير كافة التوقيعات المزيفة.

وكشف التقرير أيضًا أن المتهم سعيد فاروق مرسي حرر بنفسه بعض التوقيعات الثابتة بعقود البيع والإيجار، بينما لم يحرر توقيعات أخرى منسوبة إليه، وهو ما اعتبرته التحقيقات دليلًا مباشرًا على علمه الكامل بواقعة التزوير ومشاركته فيها.

أما فيما يتعلق بالأختام، فقد أكد التقرير الفني أن البصمات الممهورة على العقود والأحكام القضائية لم تؤخذ من القوالب الأصلية الخاصة بمحاكم بني سويف أو مصر الجديدة أو مصر القديمة، وإنما جرى إعدادها باستخدام قوالب مصطنعة بدرجة احترافية عالية تجعلها تبدو صحيحة لغير المختصين.

تحريات الأموال العامة تؤكد وجود مخطط منظم

تحريات الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة بالجيزة، التي أجراها العقيد أحمد الأبيض، أكدت بدورها صحة الواقعة، وأشارت إلى أن المتهمين اشتركوا مع شخص مجهول في اصطناع محررات رسمية وعرفية مزورة واستعمالها بهدف الاستيلاء على العقار.

وأوضحت التحريات أن المتهمين استغلوا حالة فقد بعض الملفات القضائية القديمة، وقاموا بإعداد سلسلة ملكية وهمية متكاملة تضمنت عقود بيع وأحكام صحة توقيع وتوكيلات رسمية وعقود إيجار، بهدف إظهار العقار وكأنه انتقل قانونيًا عبر عدة مراحل بيع متتالية.

وتواصل جهات التحقيق استكمال التحقيقات لكشف هوية المتهم المجهول الذي تولى إعداد الأختام والأحكام المزيفة، وبيان ما إذا كانت الواقعة جزءًا من شبكة أوسع متخصصة في الاستيلاء على العقارات عبر تزوير المحررات الرسمية والأحكام القضائية.