رئيس التحرير
خالد مهران

دعوات لمنع إقامة الحفلات العالمية بالمناطق الأثرية خوفا على الأهرامات والتراث

تشهد مصر خلال الفترة الحالية حالة من التفاؤل المرتبط بتنشيط السياحة مع الإعلان عن استضافة حفلات ومهرجانات موسيقية عالمية في مواقع مميزة مثل الأهرامات والجونة في خطوة تستهدف الترويج للمقاصد السياحية المصرية وجذب مزيد من الزوار من مختلف دول العالم.

في المقابل يبرز قدر من التحفظ والقلق لدى البعض بشأن إقامة هذه الفعاليات داخل مناطق ذات طابع أثري وتاريخي، خاصة ما يتعلق بالحفاظ على خصوصية هذه المواقع وقيمتها التراثية، وهو ما يفتح مساحة من النقاش بين مؤيدين يرونها فرصة للترويج السياحي وآخرين يدعون إلى مزيد من الحذر في التعامل مع الأماكن الأثرية.

مهرجان ساندبوكس

تعد مدينة الجونة على ساحل البحر الأحمر من أبرز الوجهات التي أصبحت تعتمد على الفعاليات الموسيقية كأداة رئيسية لتنشيط السياحة وعلى رأسها مهرجان «ساندبوكس» (Sandbox Festival) للموسيقى الإلكترونية.

يقام المهرجان خلال الفترة من 7 إلى 9 مايو 2026 المقبل على مدار 3 أيام عبر 5 مسارح رئيسية وعدد من المسارح الفرعية مع تقديم عروض موسيقية متنوعة تشمل الهاوس والتكنو والمينيمال.

ويشارك في المهرجان عدد من أبرز نجوم الموسيقى الإلكترونية عالميا ما يجعله واحدا من أهم الأحداث الموسيقية على ساحل البحر الأحمر مع تجربة تمتد من النهار حتى ساعات الفجر في أجواء مفتوحة على الشاطئ.

تأتي أسعار تذاكر مهرجان «ساند بوكس» (Sandbox Festival) في مدينة الجونة وفقا لما هو معلن على الموقع الرسمي لتبدأ من نحو 109 دولارات لتذكرة اليوم الواحد، بينما تصل تذكرة المهرجان الكامل لمدة 3 أيام إلى نحو 249 دولارا، في حين ترتفع أسعار الباقات التي تشمل الإقامة والخدمات الفندقية لتصل إلى 900 دولار أو أكثر حسب مستوى الفندق ونوع الباقة.

وتتنوع الأسعار وفق الفئات المتاحة وخيارات الحضور ما بين التذاكر الفردية والباقات الشاملة في إطار واحد من أبرز المهرجانات الموسيقية التي تستضيفها الجونة خلال موسمها الفني.

شاكيرا أمام الأهرامات

تستعد النجمة الكولومبية شاكيرا لإحياء حفل غنائي ضخم تحت سفح أهرامات الجيزة يوم 28 نوفمبر 2026 ضمن جولتها العالمية في حدث يعد من أبرز الفعاليات الموسيقية المنتظرة في مصر لما يجمعه من قيمة فنية عالمية وموقع أثري فريد.

وكان من المقرر إقامة الحفل في وقت سابق يوم 7 أبريل 2026 قبل أن يتم تأجيله إلى الموعد الجديد.

ويأتي الحفل بتنظيم شركة «Venture Lifestyle» وطرح التذاكر عبر منصة «تذكرتي» وسط إقبال كبير منذ بدء الحجز ومتابعة مستمرة من الجمهور للفئات المطروحة.

وبمراجعة أسعار الحجز على الموقع ظهرت الفئات المتاحة حاليا عند اخر تحديث وهي 7،055 جنيه و12،055 جنيه و15،055 جنيه.

وأشارت بعض التقارير الصحفية السابقة إلى طرح فئة «VIP Royal» بسعر 45 ألف جنيه والتي تم نفادها بالكامل خلال وقت قصير إلى جانب باقات ضيافة خاصة تتراوح بين 80 و120 ألف جنيه وفق مستوى الخدمات والمزايا.

جدل واسع

يرى مؤيدون أن استضافة حفلات ومهرجانات موسيقية عالمية في مواقع مثل الأهرامات والجونة تمثل خطوة مهمة لدعم السياحة والترويج لمصر عالميا، حيث تمنح البلاد دعاية واسعة وتسهم في تنشيط الحركة السياحية ورفع معدلات الإقبال على الفنادق والطيران والخدمات المرتبطة بالقطاع.

في المقابل لا يقتصر الجدل على رواد السوشيال ميديا فقط، بل يمتد أيضا إلى المهتمين بالآثار والحفاظ على التراث الذين أعربوا عن تخوفهم من تأثير هذه الفعاليات على المواقع الأثرية، خاصة مع ما تتطلبه من تجهيزات ضخمة وتجمعات جماهيرية؛ ما يجعل الحفلات تسبب جدل كبير بين التأييد والرفض في الأماكن التراثية.

أماكن مقدسة

من جانبه، قال الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إنه سبق وأكد أن لكل مقام مقال وأن هذه الأماكن أماكن مقدسة لا يصح أن تقام فيها مثل هذه الأشياء.

وأوضح «شاكر» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أنه إذا تم تنظيم حفل لعمر خيرت أو فعالية ذات طابع أوبرالي فقد يكون ذلك مقبولا لكن بشرط أن يكون بعيدا عن المناطق الأثرية بحوالي 3 كيلومترات على الأقل وفي الوقت نفسه ل ابد من دراسة تأثير الليزر والصوت والإضاءة على المدى البعيد.

وأضاف أنه يفضل الابتعاد تماما عن إقامة هذه الحفلات لأن الآثار شديدة الحساسية ويجب أن نترك تلك الآثار للأجيال القادمة، قائلا: «البقرة خلاص هتفضل تحلب فيها هتموتها هتجيب الدم»، مشددا على ضرورة الحفاظ على هذه الأماكن لأنها تراث عالمي.

وأشار إلى ضرورة وجود تفكير أوسع لا يقتصر على الحصول على مليون أو 10 ملايين مقابل إقامة هذه الحفلات، معتبرا أن ما يهم النجوم أو أصحاب الحفلات في النهاية هو المكسب والبيزنس دون النظر إلى ما قد يحدث بعد ذلك.

وأكد أنه يريد رأيا علميا واضحا، مطالبا بتشكيل لجنة علمية من أساتذة الجامعات الموثوقين على أن تضم خبراء مصريين وآخرين من الخارج من أجل دراسة تأثير هذه الحفلات.

وأضاف أن مصر تمتلك جهات متخصصة مثل المعهد القومي لليزر إلى جانب أقسام الجيولوجيا وكليات العلوم ومعاهد الصوت والألوان، مؤكدا أن الأمر لا يجب أن يقتصر على الأثريين فقط بل يشمل جميع المختصين لبحث مدى تأثير ذلك على المدى البعيد.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن ما يهمه هو ما سيحدث بعد ذلك، قائلا إن تحقيق المكاسب أمر وارد لكن يجب وضع مجموعة من الضوابط يشارك في إعدادها متخصصون في الصوت والآثار والجيولوجيا والترميم، والألوان  والبيئة على أن يجرى إعداد دراسة خلال مدة محددة تحدد ما يجب فعله.

أكبر وسيلة لترويج السياحة

وفي ذات السياق يرى الناقد الموسيقي أحمد السماحي، أن هذه الحفلات مهمة للغاية ويعتبرها أكبر وسيلة للترويج السياحي لمصر. 

وأوضح «السماحي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن مصر مهما أنفقت ملايين الدولارات على الإعلانات العالمية وحملات الترويج السياحي فلن تحقق الأثر نفسه الذي تحققه هذه الحفلات التي يحييها مطربون عالميون على غرار شاكيرا وغيرهم.

 

وأضاف: «هؤلاء النجوم يتمتعون بشعبية جارفة في أوطانهم وفي مختلف أنحاء العالم، وبالتالي عندما تنقل وكالات الأنباء خبر إقامة حفل لشاكيرا أو من هم عالميين على غرارها في القاهرة فإن اسم مصر يصل إلى العالم أجمع من خلال هذه الفعاليات وما يصاحبها من تغطية إعلامية واسعة».

وأكد «السماحي» احترامه الكبير لآراء الأثريين وحرصهم الشديد على عملهم، لكنه شدد على ضرورة الحديث بشكل علمي وموضوعي عند مناقشة تأثير هذه الحفلات، متسائلا: «ما طبيعة هذا التأثير؟ وهل الأهرامات ستتعرض للخطر أو تهتز الآثار من أماكنها؟»، مطالبًا بتقديم تفسيرات علمية واضحة بدلا من إطلاق تصريحات عامة لا تستند إلى دليل.

وأشار إلى أن مثل هذا الطرح لم يعد مقبولا في عام 2026، مؤكدا أن الجيل الحالي لا يمكن أن يقبل أي حديث مطلق دون سند علمي واضح.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن هذه الحفلات تحقق لمصر صدى عالميًا يفوق ما قد تحققه حملات ترويج سياحي تكلف الدولة ملايين الدولارات، خاصة في ظل ما تنعم به البلاد حاليا من استقرار وأمن وأمان.

كنز غير مستغل

وعلق الناقد الفني الدكتور طارق سعد بأن الحفلات تعد وسيلة مهمة جدا للترويج السياحي وجذب الزوار، مؤكدا أن الهدف منها هو دعم السياحة وزيادة تدفق العملة الصعبة من خلال الدعاية للمناطق الأثرية باعتبار أن الفن هو أقرب ذراع للدعاية السياحية.

 

وأوضح «سعد» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن المناطق الأثرية في مصر تعد مقصدا سياحيا مهما ليس فقط للزيارة بل أيضا لتصوير الأفلام وإقامة الحفلات والفعاليات لكنها لا تستغل بالشكل الصحيح حتى الآن، مشيرا إلى أن غياب الإدارة المتخصصة في الترويج وتنظيم الفعاليات العالمية يجعل الأمر يتم بصورة غير احترافية رغم أن هذه المواقع تمثل «كنزا» غير مستغل وتسهم في زيادة الدخل القومي من العملة الصعبة.

وأكد أن هناك أبحاثا تتناول تأثير الترددات الصوتية والاهتزازات الناتجة عن أنظمة الصوت والإضاءة على الأحجار الأثرية ما يستلزم وضع اشتراطات سلامة واضحة قبل إقامة أي فعاليات داخل المواقع الأثرية مع الاعتماد على دراسات علمية متخصصة.

وشدد على ضرورة تنظيم الحفلات وفق معايير دقيقة تشمل توجيه الصوت والإضاءة وتحديد أماكن الأجهزة والجمهور وعدم ترك الأمر لشركات التنظيم فقط بل بالاستعانة بمتخصصين في الصوت والآثار والبيئة لضمان حماية الموقع.

وأشار إلى أهمية إخضاع أية حفلات تقام داخل المناطق الأثرية لمراجعة دقيقة من الجهات السيادية مع التأكد من خلفيات الجهات المنظمة وأهدافها في ظل وجود تحذيرات يتم تداولها حول بعض الجهات مثل ÷الأفروسنترك» و«الماسونية».

واختتم بالتأكيد على ضرورة وجود إدارة متخصصة واحترافية تنظم هذا الملف بشكل علمي يحقق التوازن بين الترويج السياحي وحماية التراث الأثري.