ads
ads

عيد الأب

عمرو الليثي
عمرو الليثي
عمرو الليثي


لم يكن والدى الحبيب ممدوح الليثى، رحمه الله، مجرد أب فقط لى، ولكنه كان كل شىء، فهو السند بعد الله سبحانه وتعالى، وهو الصديق والأستاذ والمعلم والقدوة، كانت كلماته ومواقفه في الحياة دروسا مستفادة تعلمت منها الكثير والكثير.. كان دؤوباً في عمله، مخلصاً له ومؤمناً به لدرجة لا يتصورها عقل، وكان عاشقاً للفن والصحافة، كانت عيناه لا تخطئ في فرز الورق الجيد الذي سوف ينتج عنه عملاً يعيش لأجيال وأجيال، كما كان مؤمناً بحتمية إعطاء شباب الموهوبين فرصة لإظهار مواهبهم وبزوغها على السطح، مما جعل منه مكتشفاً للعديد وللعديد من النجوم الذين أصبحوا بعد ذلك نجوماً كباراً على الساحة الفنية.. لم يقف مكتوف الأيدى أبداً في سبيل طلوع عمل يؤمن به إلى النور حتى لو وصل الأمر إلى ساحات المحاكم وإلى تصعيد الأمر لرئيس الجمهورية.. وكانت رحلته مع الأديب الكبير نجيب محفوظ خير دليل على ذلك في فيلمى الكرنك وميرامار.. أتذكر جيداً معاناته بعد رحيل أخى شريف، رحمه الله، وكيف أثر ذلك عليه وعلينا جميعاً تأثيراً كبيراً، مرت الأيام بعد وفاة شريف وأصبح حديث الموت ملازماً له طوال ثلاثين عاماً بعد وفاة أخى شريف، وكان أبى حريصاً في كل سفرياته على أن يخبرنى أمام أمى بوصيته، وكان أهم ما فيها (صِلْ رحمك)، في عام 2002 اكتشفنا أنه مصاب بضعف شديد في عضلة القلب لنبدأ رحلة العلاج وتمر الأيام ونسافر أنا وأبى إلى ألمانيا في نهاية عام 2013، حين أبلغونا بأن هناك مركزا للقلب، خاصة بعد أن ساءت حالة قلبه وأصيب برفرفة أذينية، وهناك طلب طبيب القلب أن يجرى لأبى عملية صدمة كهربائية للقلب، وعندما سأله أبى: هل ممكن أموت في هذه العملية؟.. فأجابه الطبيب الألمانى بشكل تلقائى: كل عملية مهما كانت لها نسبة خطر، فرد عليه أبى قائلاً: أنا عاوز أعمل العملية في مصر.. مش عايز ابنى إذا مت (يتبهدل معايا)، وكم كان منطقه عظيماً أنه يبحث عن راحتى حتى وهو في هذه اللحظات الحرجة، وحاولت أن أثنيه عن موقفه، لكن الطبيب الألمانى وافق وأكد لنا أن هذه العملية تتم في مصر.. وفى القاهرة استعد أبى لإجراء عملية الصدمة الكهربائية وكان وقتاً عصيباً وهو يملينى وصيته ويقول لى (أنا خلاص رايح لأخوك.. ومن فضلك لما أموت تدفنى في حضن شريف في القبر)، وكررها ثلاث مرات، وبفضل الله نجحت العملية ولكن انتابته حالة جديدة وأصبح حديث الموت يومياً في آخر شهر قبل وفاته وكأنه كان يشعر بأن أجله قد اقترب ليفارقنا جسد والدى في مطلع عام 2014، ولكن تبقى روحه وكلامه وذكرياته دائماً معنا.. رحمك الله يا أبى ورحم آباءكم جميعا.
نقلا عن "المصري اليوم"