ads
ads

أتون القدر «9»

أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
ads




نعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى؛ لاستكمال صورة العالم المحيط بنا عندئذ، كانت إيطاليا حليفًا لبريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الأولى وبذلك كانت إحدى الدول المنتصرة في الحرب، وكانت الثورة الشيوعية بزعام لينين قد انتصرت في روسيا سنة 1917 وأسقطه عرش القياصرة وسحبت جيوشها من الحرب قبل نهايتها.




وكانت هذه الثورة التي صادرت كل أملاك الأغنياء وحكمت حكمًا عنيفًا باسم العمال والفلاحين قد هزت مجتمعات الغرب الرأسمالية والصناعية هزة غاية في العنف وتحالفت بريطانيا وفرنسا لسحق الثورة الشيوعية بتدخل عسكري لإعادة القيصرية ولكنهما فشلا وهزمت القوات الشيوعية جيش التدخل الأنجلو فرنسي أما إيطاليا التي كان الإقطاع الزراعي عريض النفوذ فيها وكانت أقل تطورًا صناعيًا من بريطانيا وفرنسا فقد كانت أسرة سافوي الملكية في إيطاليا من أكثر الأسر المالكة المحافظة.



ووجدت القوى المحافظة والرجعية في إيطاليا ضالتها المنشودة للوقوف في وجه الخطر الشيوعي الزاحف، وجدت ضالتها في زعيم شعبي يتميز بقوة ساحرة على الخطابة وتخدير مشاعر سامعيه، وهو بنيتو موسوليني مؤسس الحزب الفاشي الإيطالي الذي كانت له مليشيات مسلحة، وزحفت مليشيات موسوليني من الأقاليم على روما، فقام الملك فيكتور عمانويل باستدعاء موسوليني للقصر وتسليمه رئاسة الحكومة، وأقام موسوليني دكتاتورية فاشية حكمت إيطاليا حكمًا دكتاتوريًا مطلقًا وفعل المستحيل لسحق أحزاب اليسار والشيوعين بالذات.



وكانت روابط الود والصداقة تربط بين أسرة سافوي الملكية في إيطاليا والأسرة الملكية في مصر، فكما قلنا أعلاه فعندما عزل الخديوي إسماعيل عن العرش كان منفاه في إيطاليا ومعه أولاده ومنهم الملك فؤاد الذي كان عمره ثلاث سنوات وقتها، وكان قصر الضيافة قصر أمنيفا له حديقة من سبعة عشر فدان، وأخذه الخديوي إسماعيل من أسرة سافوي بإيجار رمزي هو عشرة ليرات إيطالية سنويًا، وما زال هذا القصر اليوم الواقع في فيا سلاريا بروما هو مقر سفارة مصر بإيطاليا بعد أن اشترته حكومة مصر ومعه قطعة صغيرة من الأرض المحيطة به دون باقي الحديقة.



وقد ردت الأسرة الملكية في مصر واجب الضيافة لملوك أسرة سافوي، فعندما انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة إيطاليا واستسلامها أواخر سنة 1943 ترنح النظام الملكي وجرى استفتاء شعبي بعد الحرب كانت نتيجته إعلان الجمهورية في إيطاليا وسقوط النظام الملكي ورحيل فيكتور عمانويل الثالث إلى منفاه بالإسكندرية ضيفًا على فاروق ملك مصر وحفيد الخديوي إسماعيل.



ظل موسوليني دكتاتورًا يحكم إيطاليا كحليف أصغر لهتلر في ألمانيا إلى أن انهار الجيش الإيطالي واستسلم سنة 1943 ووقع إنقلاب عسكري ضد موسوليني بقيادة المارشال بادوليو الذي قبض على موسوليني ووضعه في معتقل بقلعة جبلية وسط إيطاليا.



ولكن هتلر صديق موسوليني أرسل فرقة صاعقة انتحارية هبطت بجوار القلعة واختطفت موسوليني.

وأعاده هتلر ليحكم الأجزاء الباقية تحت سيطرته في الجزء الشمالي من إيطاليا وسهل لمبارديا متخذًا ميلانو عاصمة له.



وسقطت إيطاليا كلها في يد الحلفاء الغربيين قبل نهاية الحرب، وحاول موسوليني الهرب متنكرًا مع عشيقته كلارا بيتاتشي إلى سويسرا، ولكن قوات المقاومة الإيطالية اكتشفتهما على الحدود مع سويسرا وقامت بقتلهما وتعليقهما عرايا في أحد محلات الجزارة.


نأتي الآن للحلقة الأخيرة من حلقات التأثر في العالم المعاصر عند نهاية الحرب العالمية الأولى وهي ألمانيا:

كانت ألمانيا قد توحدت سنة 1870 في إمبراطورية جمعت كل الدويلات والممالك الألمانية الصغيرة بزعامة بروسيا أكبر وأقوى هذه الدويلات وتم انتخاب ملك بروسيا إمبراطورًا لألمانيا الموحدة وتتويجه باسم ولهلم الأول سنة 1870.



وأصبحت ألمانيا إحدى الدول الكبرى والأقوى في العالم ودخلت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 محاولة انتزاع ما تستطيع من مستعمرات ومناطق نفوذ من بريطانيا وفرنسا اللتان كانتا إمبراطوريتين مستقرتين وهزمت ألمانيا في الحرب وثار الشعب وأسقط الإمبراطور وأعلن الجمهورية.



وأخذ الشعب الألماني يبحث عن كبش فداء ينسب له هزيمته، وكان في الجيش النمساوي - حليف ألمانيا في الحرب - جندي يتميز بعبقرية خارقة في الخطابة والقدرة على إشعال النار في مشاعر سامعيه (وكانت النمسا شعبًا جرمانيًا كالألمان ولغتها ألمانية) كان الجندي اسمه أدولف هتلر، عبر هتلر حدود النمسا إلى جنوب ألمانيا في مقاطعة بافاريا التي اتخذها مقرًا لحركته السياسية.



حصل بسرعة البرق على الجنسية الألمانية وراح يخطب في الجماهير مقنعًا لها بأن ألمانيا لم تهزم في الحرب نتيجة ضعف عسكري أو نقص في شجاعة الجندي الالماني وإنما نتيجة خيانة طابور خامس داخلي من اليهود، وألهيت الفكرة ملايين الألمان وأصبح اليهود الألمان هم العدو الذي يجب استئصاله وأشعلت الفكرة ألمانيا من أقصاها إلى أقصاها.



وانضم مئات الألوف إلى الحزب النازي الذي كونه هتلر وإلى المليشيات التابعة له استعدادًا للقفز إلى السلطة، ولكن التقاليد العسكرية الألمانية والأفكار الليبرالية واليسارية المنتشرة في ألمانيا جعلت هدف هتلر ليس سهل المنال.



وجاءت الانتخابات البرلمانية للرايخستاج الألماني أواخر سنة 1932 ولم يحصل حزب هتلر النازي سوى على 40% من مقاعد الرايخستاج وأراد هتلر الوصول للسلطة المطلقة، فدبر حريقًا في مبنى الرايخستاج وأحضر عملاء يعترفون كذبًا بتلقي أموال من الاشتراكيين والشيوعيين لحرق المبنى، فطلب هتلر الذي كان هندنبرج رئيس الجمهورية الألمانية قد عينه رئيسًا للوزراء (ويسمى في ألمانيا مستشار الرايخ) باعتبار الحزب النازي قد فاز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان، وإن لم يفز بالاغلبية، طلب من هتلر إعلان حالة الطوارئ التي مكنته من القبض على النواب الشيوعيين والاشتراكيين مما مكن النازيين أن يكونوا أغلبية.



 وتلاعب هتلر بالديمقراطية الألمانية ببراعة فلم يخرج عن نص الدستور حتى نهاية حياته وانتحاره بعد هزيمته في الحرب سنة 1945، كان يطلب من الرايخستاج سنويًا تفويضه لمدة سنة يتجدد سنويًا في حكم مطلق بموجب مراسيم، وظل هذا التفويض يتجدد حتى خلال سنوات الحرب العالمية الثانية من سنة 1939 حتى سنة 1945 (تمامًا كما كان مبارك يفعل بمد قوانين الطوارئ بموافقة البرلمان كل ثلاث سنوات طبقًا للدستور).



ظل هتلر يعد ألمانيا للحرب بين وصوله للسلطة في يناير سنة 1933 حتى قيام الحرب في سبتمبر سنة 1939، ثم دخل الحرب الطاحنة حتى نهاية حكمه ونهاية حياته في مايو سنة 1945 منتحرًا مع عشيقته إيفا براون التي تزوجها في حياته قبل انتحارهما بسويعات قليلة في 2 مايو 1945.