ads
ads

أتون القدر «3»

أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
ads



عاد النحاس يمارس صفته الحقيقية زعيمًا عملاقًا للشعب قبل أن يكون رئيسًا للوزراء، وقاد بنفسه مظاهرة رمزية من مكتبه بمبنى مجلس الوزراء الحالي إلى ميدان الإسماعيلية (ميدان التحرير حاليًا) سار فيها حوالي المليون شخص تشق هتافاتهم عنان السماء منادين بسقوط الاستعمار البريطاني وبحمل السلاح للكفاح المسلح.




وبدأ برلمان الوفد يعد تشريعات إباحة حمل السلاح للمواطنين، وبدأت عمليات مقاومة صغيرة ثم أخذت في الاتساع ضد الأفراد وممتلكات الجيش البريطاني في القنال، وتم سحب جميع العمال المصريين العاملين في خدمة القوات البريطانية، وكانوا آلاف مؤلفة وألحقتهم حكومة الوفد بوظائف في الوزارات والإدارات الحكومية.


وأسقط في يد الملك والإنجليز، واستقر رأيهم على ضرورة التخلص من حكومة الوفد وبسرعة ودبرت المؤامرة بإحكام، ففي يوم 25 يناير 1952 قامت الدبابات البريطانية بمحاصرة مبنى محافظة الإسماعيلية وطلبت من قوة البوليس بداخلها الاستسلام وتسليم كل أسلحتهم وكانوا عدة مئات من الضباط وجنود البوليس، ورفض قائد القوة البوليسية الأمر وأعلن أنه سيقاوم لآخر رجل وآخر طلقة، ودارت المعركة المنعدمة التكافؤ بين دبابات حربية حديثة وبين بنادق قديمة واقتحم الإنجليز المبنى بعد أن نفذت آخر طلقة لدى البوليس المصري واستشهد منهم 46 شهيدًا.


وعندما وصلت أخبار المأساة للقاهرة خرجت آلاف المؤلفة من جنود البوليس في مظاهرة عارمة لتلتقي في حرم الجامعة مع عشرات الألوف من طلبة الجامعة والعمال والمواطنون مطالبين بنزول الجيش لمواجهة القوات البريطانية.


وفجأة اندست وسط متظاهري شوارع القاهرة عناصر غريبة تحمل زجاجات مولوتوف وقنابل حارقة لم تكن معروفة وقتها، وبدأت تضرم النار في المباني والمحال العامة بوسط القاهرة وتحرق عدة فنادق على رأسها فندق شبرد أشهر فنادق مصر وقتها في موقعه السابق بشارع الألفي بجوار حديقة الأزبكية، وطلب وزير داخلية الوفد سراج الدين باشا من القصر سرعة نزول قوات الجيش لإيقاف الحرائق وما أعقبها من نهب للمحال المختلفة.


وتراخى  الملك في أمر الجيش بالنزول حتى الساعة الثالثة بعد الظهر بعد أن احترق وسط العاصمة وأهم معالمها بحجة أن كبار ضباط الجيش والبوليس كانوا في القصر في وليمة غذاء دعاهم لها الملك احتفاء بميلاد ولي العهد الذي تم قبل أيام.


واستدعى الملك النحاس إلى القصر وطلب منه إعلان الأحكام العرفية ومنع التجول من السادسة مساء للسادسة صباحًا بالقاهرة، وسقط النحاس في الفخ وسقطت معه مصر كلها، ثم قام الملك بإقالة حكومة الوفد اليوم التالي مباشرة.


واستمر منع التجول عدة أشهر مع تقصير فترته رويدًا رويدًا وبدأ الغليان الشعبي يتجمع وكان واضحًا أن مصر على وشك ثورة شعبية عارمة ستطيح بالملك وتدخل حربًا شعبية دموية مع الإنجليز، وكان التيار اليساري في الشارع السياسي وحتى في حزب الوفد بين الشباب واضحًا تمامًا مما كان يوحي أن الانفجار عندما يأتي لن يكون سياسيًا فقط بل اجتماعيًا كذلك بما يهدد كبار ملاك الأراضي الزراعية وشرائح الطبقة العليا في المجتمع.


أدرك الاستعمار البريطاني أن الانفجار واقع لا محالة، وأنه سيضع بريطانيا أمام خيار وحيد وهو تحريك المائة ألف من جنودها الرابضين حول قناة السويس إلى القاهرة وباقي المدن لقمع الانفجار المرتقب مما كان سيعني أن يخوض الاستعمار في بحر من الدماء في مثل هذه الحرب الشعبية ويتكبد خسائر فادحة في رجاله وعتاده.


ولجأت العبقرية الاستعمارية إلى حل آخر، كانت الشائعات وكل الشواهد تؤكد أن هناك تمرد بين ضباط الجيش المصري خاصة صغار الضباط بسبب الأوضاع المتردية ولم يكن هؤلاء الضباط طبعًا عملاء لبريطانيا أو على صلة بها.



ولكن الذكاء الاستعماري أدرك أن هؤلاء الضباط لو وصلوا للسلطة سيقيمون حكمًا عسكريًا دكتاتوريًا لطبيعتهم العسكرية، وبذلك يسحق نيابة عن بريطانيا التيار الشعبي الكاسح المطالب بالدستور والديمقراطية، ويسهل التعامل معهم مستقبلًا أو حتى مواجهتهم بعد إخراج القوى الشعبية من المعادلة السياسية.


وقررت بريطانيا وبتحريض من أمريكا عدم الوقوف في وجه الانقلاب العسكري عندما يقع واتصل كبير عملاء المخابرات الأمريكية كيرمت روزفلت ببعض عناصر حركة الضباط الأحرار السرية وأكد لهم أن قوات بريطانيا لن تتعرض للإنقلاب لوقع بحجة حماية الملك الشرعي وأن أمريكا تضمن لهم عدم تعرض قوات بريطانيا لهم لو قاموا بحركتهم وهكذا وقع الانقلاب العسكري ليلة 23 يوليو سنة 1952 بقيادة البكباشي عندئذ جمال عبد الناصر مع واجهة بلا سلطات في شخص اللواء محمد نجيب.


ولو أرادت بريطانيا وأمريكا التدخل ضد الانقلاب لحماية عرش فاروق الذي عزل وغادر للمنفى مساء يوم 26 يوليو لتغير التاريخ قبل غروب شمس 23 يوليو سنة 1952.


وسأعرض في فصول هذا الكتاب كيف تطورت أحوال مصر بعد الانقلاب العسكري وكيف تغير المجتمع جذريًا بعده وأثر ذلك على حياتي الشخصية نتيجة جذوة النار الديمقراطية بداخلي والتي ترفض تمامًا العيش في ظل حكم دكتاتوري يتحكم في كل شيء وعلى رأسه الإعلام.



وعندما أمم جمال عبد الناصر الصحافة سنة 1960 في مطلعها كان ذلك بالنسبة لي القشة التي قصمت ظهر البعير لا لأن أي من أفراد أسرتي كان من ملاك الصحف ولكني لم أتصور كيف ستكون الحياة في مجتمع أخرست صحافته.


واتخذت على الفور قرار الخروج من مصر ليس للهجرة ولكن فرارًا من العيش في حكم دكتاتوري، وأخذت أعد العدة سرًا للخروج من مصر بطريق لا تدمر مشاعر والديّ اللذان كانا شديدي الالتصاق بأولادهما ولا يتصورون عيشتي بعيدًا عنهم إلى الأبد أو إلى أن تزول الغمة الدكتاتورية عن مصر.


ورأيت أن أفضل ما أعرض به هذا الكتاب للقارئ هو تقسيمه إلى الفوصل التالية:



الأول: السلالة التي أخرجتني إلى الحياة وخلفيتها.



الثاني: سنوات التكوين من الطفولة حتى الرجولة، وكيف كانت الأوضاع في مصر والعالم المحيط بها والتي كان أثرها مباشرًا عليّ وعلى مصر.



الثالث: تطوري الفكري منذ بدء اندماجي في السياسة وأنا طفل دون العاشرة ومراحل البحث عن الذات خلال جولة فكر بدأت بليبرالية حزب الوفد الموروثة في أسرتنا إلى انضمام لجماعة الإخوان المسلمين ستة أشهر خلال سنة 1947 إلى اندفاع حماسي نحو اليسار والانضمام سرًا للحركة الشيوعية السائدة وقتها (حدتو) إلى دراسة للفلسفة الماركسية التي كان من نتيجتها إلحادي الكامل لمدة عام سنة 1954، إلى عودتي تدريجيًا للإيمان ثم تبحري فيه وهو ما يقف عليه كل عمري الآن.



الرابع: الصراع العربي الإسرائيلي وأثره الحاسم على المنطقة التي قلبها رأسا على عقب وارتباطي الفكري الكامل به ودراستي الأكاديمية له بجامعة ستوكهلم حتى أصبح محور فكري السياسي واهتمامي منذ سنة 1960 حتى الآن.

الخامس: التيار الديني في مصر والمنطقة نشأته الحديثة وأسبابها وتطوره إلى المأساة التي تعيشها مصر عندما نجح التيار في الوصول للسلطة سنة 2012 وأسبابها.




السادس: الخاتمة وألخص فيها أهم ما اكتسبته من هذه الرحلة الطويلة العريضة في الحياة والتي كنت فيها نتاجا صادقا لتاريخ مصر وظروفها.



 وأجد نفسي في النهاية مدينا بالشكر العميق لصديقي محمد عسكر الذي اختار لي عنوان هذا الكتاب كما أجد نفسي مدينا أيضًا بخالص الشكر لضحى التي كان لها الفضل في إشعال جذوة إصدار هذا الكتاب بداخلي والتي لولاها ما ظهر هذا الكتاب للوجود، ولذلك فإني أديه إليها مع أطيب مشاعري.




وأملي أن يجد القارئ بين دفتي هذا الكتاب ما يستحق القراءة فإن كنت قد أصبت بكتابي هذا فلي أجران عند المولى تبارك وتعالى وإن كنت قد أخطأت فلي أجر المجتهد.