ads
ads

تفاصيل المفاوضات السرية مع «5» من أخطر رؤوس الإرهاب فى العالم

عناصر من طالبان
عناصر من طالبان
على الهوارى
ads


يُعد تفاوض الولايات المتحدة الأمريكية مع حركة «طالبان الأفغانية» بعد أكثر من 18 عامًا من الصراع العسكري الدامي معها، ووضعها على قوائم الإرهاب الأمريكية، أمرًا أثار كثيرًا من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول الأسباب التي تدفع أكبر قوة عسكرية في العالم إلى الجلوس على طاولة واحدة مع من كانت تعتبرهم حتى وقت قريب «إرهابيين»، وترفض التفاوض معهم.


كما تأتي هذه المفاوضات، بعد أن استبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب وصوله للحكم إجراء أي مباحثات مع حركة طالبان، منددا بهجماتها على الأبرياء في أفغانستان. 


فبعد مفاوضات ماراثونية بين الحركة وأمريكا في العاصمة القطرية الدوحة، أعلن مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد، أن الجانب الأمريكي عقد محادثات مثمرة مع حركة طالبان.


كما وصفت حركة طالبان المحادثات بأنها بناءة. 


معتقلو جوانتانامو يتفاوضون مع الأمريكان 

والأشد غرابة في الأمر، هو أن خمسة من قادة حركة طالبان كانوا معتقلين سابقين في «جوانتانامو» وهم من يقودون المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهم: محمد فاضل، ومحمد نبى، وخير الله خير خوا، وعبد الحق واثق، ونور الله نورى، والذين قضوا أكثر من 10 سنوات في معتقل جوانتانامو قبل أن يتم إطلاق سراحهم فى مُبادلة لأسير أمريكي عام 2012.


تاريخ الصراع بين الحركة وأمريكا

في عام 2001، قادت الولايات المتحدة حربًا على أفغانستان من أجل إنهاء حكم حركة طالبان، بعد أقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر، وحشدت لهذه الحرب جيوشًا من مختلف دول العالم وعلى رأسها قوات حلف الناتو.


وبعد مرور أكثر من 18 عامًا على تلك الحرب، أدركت الحكومة الأمريكية أهمية التفاوض مع حركة طالبان والخروج بمعاهدة سلام تضمن للطرفين تحقيق مطالبهما بعيدًا عن الصراعات المسلحة.


ومنذ عام 2012، تجرى مباحثات سرية بين الطرفين في عدد من دول العالم، منها السعودية والإمارات وباكستان وروسيا، لكن النتائج الأخيرة التي تكللت بالنجاح جاءت من العاصمة القطرية الدوحة.


يقول الخبراء، إن مجريات عملية التفاوض الطويلة تمثل هزيمة مدوية للأمريكيين سياسيًا وعسكريًا، فبعد تصنيفهم الحركة بأنها إرهابية ووعيد القادة الأمريكيين بسحقها - تصريحات رامسفيلد وديك تشيني وجورج بوش 2001- ها هم يُوفدون مبعوثًا خاصًا إلى مقر المكتب السياسي لـ«طالبان» في الدوحة، ليجلس مع هؤلاء «الإرهابيين» ويتفاوض معهم بمستوى "الند للند"، ورغم مرور نحو 18 عامًا على الإطاحة بحكمها وصرف مبالغ خيالية للقضاء عليها، فإن الحركة صمدت وباتت تسيطر الآن عمليًا على نحو 50% من مساحة البلاد وهي توسع سيطرتها يوميًا، الأمر الذي دفع واشنطن للتفاوض وتحشيد الجهود في مواجهة الفصائل المتشددة الأخرى.


بالتزامن مع ذلك، تعالت أصوات في الغرب تطالب بضرورة التفاوض مع المنظمات الإرهابية حول العالم.


مارثا كرينشاو، الباحثة في مركز الأمن والتعاون الدولي في معهد فريمان سبولى، وأستاذة للعلوم السياسية في جامعة ستانفورد، قالت في مقال لها في مجلة "فورين بولسى" الأمريكية بعنوان "هل حان وقت السلام مع داعش والقاعدة" إنه فى ظل محدودية الخيارات في محاربة الإرهابيين فإن المفاوضات قد تظل أفضل بديل ممكن.


وتقول الكاتبة إنه بعد ما يقرب من 17 عاما من التركيز على التهديد الذي يمثله الإرهابيون، سيكون من المستحيل القضاء على الإرهاب بالقوى العسكرية، وهو ما ينبغي أن تكون الولايات المتحدة قد تعلمته بالفعل، إلا أن البدائل المجدية لإدارة أو احتواء الإرهاب ليست متوفرة، ولذلك قد يكون الوقت مناسبا للنظر في إمكانية إجراء المفاوضات.


وترى كرينشاو أنه في ظل قدرة الجهاديين على التكيف والانتشار، فإن خيارات محاربتهم بالقوة تظل محدودة، وأحد البدائل لمواجهتهم هو محاول حل الأسباب الجذرية للمشكلة بإزالة الأوضاع التي جعلت الانضمام إلى المتطرفين أمرا جذابا.


ومن ثم ترى الكاتبة أن التفاوض قد يكون الحل، رغم اعترافها بأن بعض الإرهابيين، وحسبما قال كتاب "الرعب المقدس" الصادر عام 2003، لا يريدون مقعدا على طاولة المفاوضات، بل يريدون تدمير الطاولة نفسها.


لكنها تعول على بعض الجماعات التي تصفها بأنها "معتدلة نسبيا" داخل معسكر الجهاديين، الذي عقدوا صفقات بالفعل مثل جماعة أحرار الشام التي أجرت مفاوضات مع روسيا وإيران.


وفي شهر أكتوبر 2014 صدر كتاب لجوناثان باول، مستشار رئاسة الحكومة البريطانية في فترات مختلفة، بعنوان «التحدث مع الإرهابيين.. دروس التاريخ حول فنون التفاوض الشاقة»، ويستهل الفصل الأول بقوله إن جميع حكومات العالم تصرّ على أنها لن تفاوض الإرهابيين ولكنها تفعل ذلك في نهاية الأمر! ويشير إلى أنه بعد خروجه من دوره كمستشار لبلير في عام 2007 استمر في إعلانه ضرورة التفاوض مع حماس وحركة طالبان وحتى القاعدة. وفوجئ كثيرون من المسئولين بهذه الآراء، إلا انه بعد سنوات قليلة، تفاوضت «منظمة حلف شمالي الأطلسي» (الناتو) مع طالبان، كما تحدثت (ولو بشكل غير مباشر) الدول الغربية وإسرائيل مع حماس، كما اقترحت مديرة الاستخبارات البريطانية السابقة إليزا مانينجهام بولر على الحكومة فتح قنوات اتصال للتفاوض مع القاعدة.


ويؤكد أن من شروط التحادث والتفاوض المباشر ليس فقط معالجة القضايا العالقة، بل معاملة قادة المنظمات «الثورية» بمساواة واحترام كأبناء إنسانية واحدة جامعة.


غير أن باول يعتبر أن أهم العوامل المؤدية إلى نجاح أي مفاوضات هو عامل وجود قادة سياسيين فاعلين ويملكون الشجاعة والشعبية لاتخاذ القرارات المصيرية، ويرى بأن القائد الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا يظل أبرز هؤلاء القادة.


القوى العظمى الفريدة في العالم

يقول العميد صفوت الزيات، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية تختلف عن دول العالم الثالث، فهم لا يمانعون في التراجع والتفاوض إذا وجدوا أن هناك استمرارية للتواجد في المستنقع واستمرارية لدفع تكاليف معينة بشكل منتظم رغم تفوقهم شبه المطلق في القوة، لأنهم واثقون من قدراتهم وإمكانياتهم، وبالتالي هم لديهم هذا القدر من البراجماتية.


وتابع أن أكبر مثال على ذلك هو أن الولايات المتحدة الأمريكية ظلت في المستنقع الفيتنامي من 1963 وحتى 1973، وفي النهاية انسحبت في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون ولم تشغل باله كثيرا فكرة الانتصار والهزيمة، والآن فيتنام هي حليف قوى للولايات المتحدة الأمريكية، وربما ستصبح حركة طالبان حليفًا قويًا لأمريكا في المستقبل القريب. 


وأضاف «الزيات» أنّ الأمريكان براجماتيون ومدركون أنهم القوى العظمى في العالم؛ لكن في ظروف معينة قد يتراجعون ويتفاوضون مع خصومهم، إذا ما وجدوا أنهم يواجهون حرب عصابات تستنزف مواردهم، ويدركون في النهاية أن النصر غير متاح بنسبة مائة في المائة، وهم يدركون أن هناك فرقا كبيرا بين النجاح في البقاء وبين النصر أو الانتصار، وهم يدركون أن الانتصار يعني كسر إرادة الخصم، وهم لم يستطيعوا كسر إرادة حركة طالبان.


وتابع الخبير العسكري، أن هذه التجربة تثبت أنه لا يمكن لدولة في العالم مهما كانت قوتها أن تخرج منتصرة في حرب مكافحة الإرهاب بشكل كامل، لأنها حرب عميقة وحرب أفكار وحرب تشمل أبعادًا إنسانية وسياسية ربما تحتاج إلى حلول سياسية في النهاية.


وأضاف «الزيات»، أنه في نهاية القرن التاسع عشر كان رئيس وزراء بريطانيا السابق سبنسر تشرشل، يعمل مراسلا صحفيا في أفغانستان، وشاهد بنفسه المعاناة التي عاشها الجيش البريطاني في سفوح وجبال أفغانستان، وكانت له مقولة في كتاب صدر له، وهي «احذر أن تقاتل الإسلام والجبال عندما يجتمعان معا»، لذلك تحولت أفغانستان على مر التاريخ إلى مقبرة للإمبراطوريات الكبرى، مثل الإمبراطورية البريطانية والسوفيتية، مشيرا إلى أن حركة طالبان ليست حركة إرهابية، لأنها تقاتل ضد قوة احتلال، ونفس الأمر ينطبق على حركة حماس والجهاد الإسلامي وكل حركات المقاومة الفلسطينية، التي تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، الذي يقتل الفلسطينيين ويهجرهم ويحتل أرضهم، والقانون الدولي والإنساني يعتبر أن مقاومة المحتل حقا مشروعا لكل الشعوب التي يتم احتلال أراضيها.


وأشار إلى أنّ منطق القوة هو الذي أجبر أمريكا على الجلوس مع طالبان، لكنها ليست القوة المطلقة، لافتا إلى أن هناك عوامل كثيرة ساعدت حركة طالبان في إجبار أمريكا على التفاوض معها، منها البعد العقدي والجغرافي، وهم كرروا نفس ما حدث مع الاتحاد السوفيتي على الأراضي الأفغانية طوال حقبة ثمانينيات القرن الماضي، والحروب قبل أن تكون دم ونار هي صراع إرادات، وحركة طالبان أقنعت الرئيس الأمريكي أنه لا جدوى من استمرار هذه الحرب، رغم أن هناك جنرالات في أمريكا يريدون استمرار هذه الحرب، وبالتالي فكرة حرب العصابات والإرادة الشديدة جدا في تحقيق الهدف والبيئة الجبلية، كلها عوامل ساعدت حركة طالبان على فرض إرادتها على الأمريكان، كما أن أمريكا فرضت نفسها كقوة احتلال، وبالتالي أصبحت مقاومتها حقا مشروعا بالنسبة لحركة طالبان.


واستطرد الخبير العسكري، أن هناك اتصالات وتنسيقا بالفعل بين القوى الكبرى والتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش في سوريا والعراق وهذا ما كشف عنه الخلاف الروسي الأمريكي، وهذا يدخل في إطار البراجماتية من جانب الدول الكبرى، والتي لا تمانع من اختراقه هذه التنظيمات، ولا تشعر بأي خجل من التفاوض مع هؤلاء في بعض النواحي مثل تبادل الأسرى أو ترتيب العمل الميداني، وكلها أمور تحتاج إلى تفاوض وفتح قنوات اتصال، مشيرا إلى أن التفاوض مع خمسة سابقين من معتقلي الحركة في جوانتانامو يثبت برجماتية القوى الكبرى.


وعن اتهام دولة قطر بدعم الإرهاب بسبب علاقاتها ببعض التنظيمات الإرهابية، قال إن هذه الاتهامات لم تلقَ قبولا لدى الغرب، مشيرا إلى أن الغرب يعلم أن قطر تقوم بدور وظيفي، ويرى أن علاقتها بالجماعات المتطرفة أو الإرهابية أو حركات المقاومة تكون وسيلة تواصل بين هذه الحركات وبين تلك الدول، التي تريد فتح قنوات اتصال مع هذه الحركات، مشيرا إلى أن الصراعات والعلاقات الدولية تتطلب وجود وسيط موثوق به من كل الأطراف، وقطر تقوم بهذا الدور، والغرب يعلم ذلك جيدا، مشيرا إلى أن قطر هي الطرف الموثوق به من كل الأطراف، فهي تحتضن على أراضيها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في آسيا، هي قاعدة العديد، يتم استخدامها قاعدة انطلاق لضرب التنظيمات الإرهابية في أفغانستان وسوريا والعراق، وفي نفس الوقت لديها شبكة اتصال وتواصل كبيرة مع الشخصيات البارزة في هذه الحركات.


سنة كونية وإنسانية

ويقول الشيخ أحمد صبح، زعيم المنشقين عن الجماعات الإسلامية، ليس هناك في السياسة عدو للأبد أو صديق للأبد، السياسة تقوم على المصالح، وبالتالي الجلوس على مائدة المفاوضات بين البشر سنة إنسانية وكونية، مشيرا إلى أن الحكومة الكولومبية جلست مع الجماعة الإرهابية التي قتلت الآلاف، وأمريكا جلست في يوم من الأيام مع أسامة بن لادن وحركة طالبان من أجل إسقاط الاتحاد السوفيتي. 


ولفت إلى أنّ المصالح هي التي تحرك العالم في النهاية، متوقعا أن تضطر الدول الكبرى إلى الجلوس مع داعش والقاعدة وكل الحركات الإرهابية على طاولة واحدة في المستقبل.


طالبان لا تُهزم

ويقول الشيخ نبيل نعيم، القيادي السابق في «تنظيم الجهاد»، إن أمريكا كان لابد وأن تتفاوض مع حركة طالبان، مؤكدا أن الحركة لا تهزم؛ لأنها تمثل شعب البشتون ومدعومة من الجيش الباكستاني وروسيا والصين، الذين يسعون للانتقام من أمريكا ورد القلم لها، مشيرا إلى أن حركة طالبان إلى جانب أنها مدعومة من روسيا والصين وباكستان وشعب البشتون، فإنها تخوض حرب عصابات في الجبال، أي أنها تخوض حرب جغرافيا، والإنسان لا يستطيع هزيمة الجغرافيا. 


ولفت إلى أن أمريكا خسرت كل حروبها التقليدية في الشرق الأوسط، وأن كل من تريده من حركة طالبان الآن هو الخروج الأمن من أفغانستان، مثلما حدث مع الروس والإنجليز.