ads
ads

أحدهم قتل أباه وآخر كلمه الله «وجهًا لوجه».. رجال نزلت فيهم آيات من الذكر الحكيم

رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه -
رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه - تعبيرية
أمنية سليم


«أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها».. أمرنا الله - سبحانه وتعالى - بتدبر القرآن وفهم معانيه، والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: «إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون».

واهتم المشايخ والعلماء بتفسير القرآن وأفردوا في ذلك مجلدات؛ مؤكدين أنه فرض على كل مسلم تدبر القرآن وفهمه ومعرفة الأوامر والنواهي والهدف من نزول الآيات.

ونزل القرآن فيه أوامر الله عز وجل لعباده وطرق التعامل فيما بينهم كما أوضح الحقوق والواجبات التي يجب الالتزام بها، وجاءت آيات منه مخلدة لبعض مواقف الصحابة وكيف كانوا يقدمون الله ورسوله في مختلف شئون حياتهم ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة، فيما جاءت آيات أخرى تكشف المنافقين والكافرين لتكون نذير شؤم على من نزلت فيهم وذكرى وموعظة للمسلمين.

وخلال السطور التالية نتعرف على رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فأنزل الله – سبحانه وتعالى – قرآنا فيهم، وهم:

1- أبو بكر الصديق

صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ورفيقه في هجرته وأول من صدّقه من الرجال، وأبو أم المؤمنين وزوج النبي السيدة عائشة – رضي الله عنها، أنفق ماله في سبيل الله، وأنزل الله تعالى فيه قوله:
{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ (21)} سورة الليل

وكان أبو بكر الصديق – رضي الله عنه- يشتري العجائز والضعفاء ممن أسلموا ويعتقهم لوجه الله، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك، ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال سيدنا أبو بكر: أي أبت إنما أريد ما عند الله.

كما خلد القرآن رحلة هجرته مع رسول الله وذلك في قوله تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ( التوبة 40).

2- صهيب الرومي
كان الصحابي صهيب الرومي من بني النمر، عاش بداية حياته منعمًا مرفهًا في العراق في قصر أبيه الذي كان حاكمًا على الأُبُلَّة (إحدى بلاد العراق)، وذات يوم أغار الروم عليهم، فأسروا أهلها وأخذوا الأطفال والنساء عبيدًا، وكان صهيب ممن أُسروا، وعاش وسط الروم وتعلم لغتهم، ونشأ على طباعهم، ثم باعه سيده لرجل من مكة، فتعلم من سيده الجديد فنون التجارة، حتى أصبح ماهرًا فيها، ولما رأى سيده فيه الشجاعة والذكاء والإخلاص في العمل، أنعم عليه وأعتقه، فاشتغل بالتجارة لحسابه الخاص وأصبح تاجرًا ثريًا.

وعندما بعث الله النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- وسمع صهيب بدعوته أراد أن يسلم فأسرع إلى دار الأرقم وأعلن إسلامه، وحينها كناه الرسول - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- بـ «أبا يحيى».

وتجلت أسمى معاني التضحية من صهيب أثناء الهجرة، فحينما أراد صهيب الهجرة من مكة إلى المدينة تبعته قريش لتمنعه، فنزل عن راحلته ثم قال: « يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي. فقالوا «نعم»، ففعل.

ووصل صهيب إلى المدينة وكان خبره مع قريش قد وصل إلى المدينة قبل وصوله، فقد جاء أمين الوحي جبريل -عليه السلام- وأخبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- بما فعل صهيب مع قريش وتخليه عن ثروته، فنزلت الآية الكريمة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} 207 سورة البقرة.

ولما دخل صهيب -رضي الله عنه- على النبي صلى الله عليه وسلم هشَّ له وبشَّ وقال: «رَبحَ البيعُ يا أبا يحيى.. رَبحَ البيعُ»، وكررها ثلاثًا، فعلت الفرحة وجه صهيب وقال: « والله ماسبقني إليك أحدٌ يارسول الله، وما أخبرك به إلا جبريل، وتلقاه الصحابة وهنأوه بما أنزل فيه وهم يقولون: « ربح البيع يا صهيب»، فقال لهم: « وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم».

3- سعد بن أبي وقاص

من أوائل المهاجرين مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وأحد العشرة المبشرين بالجنة
ويروى أنه نزلت فيه الآية الثامنة من سورة العنكبوت، قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (8)

قال سعد بن وقاص: « كنت رجلا بارا بأمي فلما أسلمتُ، قالت: يا سعد ما هذا الدين قد أحدثت، لتدعن دينك هذا أو لا أشرب ولا آكل حتّى أموت فتعير بي، فيقال يا قاتل أمه، ثمّ قال لأمه لا تفعلي هذا يا أمه لا أترك ديني هذا لآي سبب، ثمّ مكثت أمه يوما لا تأكل فتعبت، ومكثت يوما آخر وليلة، واشتدّ تعبها، فقال لها والله يا أُمّي لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي»، فلما رأت إصراره هذا أكلت، فنزلت هذه الآية الكريمة.

4- أبو عبيدة بن الجراح


كان من السّابقين إلى الإسلام حيث انطلق مع مجموعة من الصّحابة إلى الرّسول - صلّى الله عليه وسلّم- لمّا سمعوا بدعوته، وكان من بينهم: عثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجرّاح، فعرض عليهم النبيّ الإسلام وعرّفهم شرائعه فأسلموا في ساعةٍ واحدةٍ، وكان ذلك قبل أن يتخذ الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- دار الأرقم محلّاً لجلوسه مع أصحابه، ويعدّ أبو عبيدة أحد العشرة المبشّرين بالجنّة.

شارك أبو عبيدة - رضي الله عنه - في غزوة بدر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان أبوه حينئذٍ في صفوف المشركين وحاول أن يقاتل ابنه أبا عبيدة، ولكنّ أبا عبيدة كان يحيد عنه ولا يريد أن يقتله، فلمّا أكثر أبوه المُحاولات في ضربه، ردّ عليه أبو عبيدة ضربته فقتله، فقُتل والده، ونزل قول الله تعالى:

{لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)} المجادلة.

5- العباس بن عبد المطلب

في يوم بدر، أسِرَ العباس بن عبد المطلب عمِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحين تقرر أخذ الفدية قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- للعباس :( يا عباس ، افد نفسك ، وابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو وأخا بني الحارث بن فهر، فإنك ذو مال ) وأراد العباس أن يغادر من دون فدية فقال: ( يا رسول الله، إني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني) وأصر الرسول على الفدية، فنزل قول الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (70)} الأنفال.

6- عبادة بن الصامت


من أوائل الذين أسلموا من الأنصار، وذلك في السنة العاشرة من بعثة الرسول أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، ومنذ إسلامه ارتبط بالرسول ارتباطًا وثيقًا وتعلق به تعلقًا شديدًا، فلم يكن هناك مشهد من مشاهد الإسلام إلا وحضره، ولم يغز رسول الله غزوة ولم يسر إلى مكانا إلا وكان معه.

وكانت عائلة عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- مرتبطة مع يهود بني قينقاع بحلف قديم، حتى كانت الأيام التي تلت غزوة بدر وسبقت غزوة أحد، فشرع اليهود يتنمرون ، وافتعلوا أسبابا للفتنة على المسلمين، فنبذ عبادة عهدهم وحلفهم قائلا:( إنما أتولى الله ورسوله والمؤمنين)، فأنزل الله قوله تعالى:

{وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ( 56)} المائدة.

7- طلحة بن عبيد الله

أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده.

قال عنه النبي إنه شهيد يمشي على الأرض فقال: «من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله».

وفي غزوة أحد، رأى طلحة بن عبيد الله رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والدم يسيل من وجنتيه، فجن جنونه وقفز أمامه يضرب المشركين بيمينه ويساره، وسند الرسول - صلى الله عليه وسلم- وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه، ويقول أبو بكر -رضي الله عنه- عندما يذكر أحُدًا: « ذلك كله كان يوم طلحة، كنت أول من جاء إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال لي الرسول ولأبي عبيدة بن الجراح:( دونكم أخاكم) ونظرنا، وإذا به بضع وسبعون بين طعنة وضربة ورمية، وإذا أصبعه مقطوعة، فأصلحنا من شأنه).

ونزل فيه قول الله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)} الأحزاب.

8- عبدالله بن عمرو بن حرام

كان عبدالله بن عمرو بن حرام، أبو جابر بن عبدالله أحد الأنصار الذين بايعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم- في بيعة العقبة الثانية، وعندما اختار الرسول منهم نقباء، كان عبدالله بن عمرو أحد هؤلاء النقباء، إذ جعله النبي نقيبًا على قومه من بني سلمة، ولما عاد إلى المدينة وضع نفسه، وماله، وأهله في خدمة الاسلام.

وبعد هجرة الرسول إلى المدينة، كان أبو جابر قد وجد كل حظوظه السعيدة في مصاحبة النبي - عليه الصلاة والسلام- ليله ونهاره، وحضر معه غزوة بدر فخرج مجاهدا، وقاتل قتال الأبطال.

وفي غزوة أحد تراءى له مصرعه قبل أن يخرج المسلمون للغزو، وغمره إحساس صادق بأنه لن يعود، فكاد قلبه يطير من الفرح!!

ودعا إليه ولده جابر بن عبدالله الصحابي الجليل، وقال له: « إني لا أراني إلا مقتولا في هذه الغزوة.. بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين.. وإني والله، لا أدع أحدا بعدي أحبّ إليّ منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وإن عليّ دينا، فاقض عني ديني، واستوص بأخوتك خيرا».

وفي صبيحة اليوم التالي، خرج المسلمون للقاء قريش التي جاءت في جيش لجب تغزو مدينتهم الآمنة، ودارت معركة رهيبة، أدرك المسلمون في بدايتها نصرا سريعا، كان يمكن أن يكون نصرا حاسما، لولا أن الرماة الذين أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالبقاء في مواقعهم وعدم مغادرتها أبدا أغراهم هذا النصر الخاطف على القرشيين، فتركوا مواقعهم فوق الجبل، وشغلوا بجمع غنائم الجيش المنهزم، هذا الجيش الذي جمع فلوله سريعا حين رأى ظهر المسلمين قد انكشف تماما، ثم فاجأهم بهجوم خاطف من الوراء، فتحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة.

في هذا القتال المرير، قاتل عبدالله بن عمرو قتال مودّع شهيد، ولما ذهب المسلمون بعد نهاية القتال ينظرون شهدائهم، ذهب جابر بن عبدالله يبحث عن أبيه، حتى ألفاه بين الشهداء، وقد مثّل به المشركون، كما مثلوا بغيره من الأبطال.

ووقف «جابر» وبعض أهله يبكون شهيد الإسلام عبدالله بن عمرو بن حرام، ومرّ بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهم يبكونه، فقال: « ابكوه.. أو لا تبكوه.. فإن الملائكة لتظلله بأجنحتها»..!!

كان إيمان «أبو جابر» متألقا ووثيقا، وكان حبّه بالموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه، ولقد أنبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عنه فيما بعد نبأ عظيم، يصوّر شغفه بالشهادة، حيث قال - صلوات الله عليه وسلامه- لولده جابر يوما: « يا جابر.. ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب.. ولقد كلّم أباك كفاحا _أي مواجهة_ فقال له: يا عبدي، سلني أعطك.. فقال: يا رب، أسألك أن تردّني إلى الدنيا، لأقتل في سبيلك ثانية.. قال له الله: إنه قد سبق القول مني: أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة».

فأنزل الله قوله تعالى: {ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله (169)، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170)}. آل عمران

9- أبو أيوب الأنصاري

صحابي من الأنصار من بني غنم بن مالك بن النجار من الخزرج، شهد بيعة العقبة والمشاهد كلها مع النبي - صلى الله عليه و سلم -، وهو الذي خصَّه الرسول بالنزول في بيته عندما قدم إلى يثرب مهاجراً، وأقام عنده حتى بنى حجره ومسجده وانتقل إليها، وآخى النبي محمد بينه وبين الصحابي مصعب بن عمير.

وخلال حادثة الإفك، قالت أم أيوب لأبي أيوب الأنصاري: «ألا تسمع ما يقول الناسُ في عائشة ؟» قال: «بلى، وذلك كذب، أفكنتِ يا أم أيوب فاعلة ذلك؟» قالت: «لا والله»، قال: «فعائشة والله خير منكِ»، فلمّا نزل القرآن وذكر أهل الإفك، ذكر قول المؤمنين الصادقين.

وقال الله تعالى فيه: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12)} النور.

10- كعب من مالك


أحد الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك مع «مرارة بن الربيع» و«هلالٌ بن أبي أمية»، ويروي كعب بن مالك عن تلك المحنة التي نجاهم صدقهم منها، فيقول: «غزا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، حين طابت الثمار، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتجهز المسلمون معه، ولم أتجهز، وقلت في نفسي سألحق بهم، وعندما خرجوا للجهاد ظننت أنني سأدركهم، ولم يسعفني الوقت، وحينها وجدت نفسي وحدي في المدينة وليس معي إلا أصحاب الأعذار ورجلًا مغموصًا عليه في النفاق - أي مشهورًا به -.

ولما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاد للمدينة أصبت بالفزع من سوء العاقبة ومن مواجهة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذت أسأل أهلي وكل صاحب رأي حكيم كيف أخرج من هذا الأمر؟، وعندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مشارف المدينة المنور علمت في باطني أنه لا ينجيني من هذا إلا الصدق، فعزمت أن أكون صادقًا معه.

وعندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة جلس في المسجد، وجاء المخلفون وجعلوا يعتذرون له ويحلفون، فيقبل منهم ظواهرهم ويستغفر لهم، وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا، فجئت فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، فقال لي: ما خلفك؟، قلت: يا رسول الله، والله لو جلست إلى غيرك من أهل الدنيا، لخرجت من سخطه بعذرٍ ولقد أعطيت جدلًا، والله ما كان لي عذرٌ حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك.

وخرج كعب بن مالك من المسجد، والبعض يلومونه لأنه لم يتحجج ويعتذر فيستغفر له النبي صلى الله عليه وآله، فسأل هل قال أحدٌ بمثل ما قلت؟ فذكروا لي رجلين هما: مرارة بن الربيع وهلالٌ بن أبي أمية وكان فيهما لي أسوةً».

وفوق كل هذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس عن محادثة الثلاثة فقعد مرارة بن الربيع وهلالٌ بن أبي أمية في بيتهما، وظل كعب بن مالك يصلي في المسجد وسط الناس ويمشي في الطرقات فلا يحادثه أحد حتى أقاربه، وحاول بعض أعداء الإسلام استغلال الموقف لصالحه فأرسل ملك غسان رساله لكعب يقول له فيها: « إلحق بنا نواسيك بعد أن هجرك صاحبك»، ولكن كعب فطن للأمر وحرق الرسالة.

وبعد أن مر خمسون ليلة جاء الفرج من عند الله -عز وجل- وتقبل توبتهم بعد أن صدقوا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ونزل قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة.

حينها قال كعب بن مالك: « فما أنعم الله عليَّ بنعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، والله ما أعلم أحدًا ابتلاه الله بصدق الحديث بمثل ما ابتلان».