ads
ads

أسرار استخدام سلاح «الأغانى السياسية» فى التطبيع مع إسرائيل

زيارة السادات لإسرائيل
زيارة السادات لإسرائيل
إيهاب عبد الجواد
ads


يحاول الكيان الصهيوني ذلك السرطان الذي توغل في جسد الوطن العربي في شكل دويلة الاحتلال الإسرائيلي جاهدًا تحقيق أحد أكبر أحلامه التي طالما فشل فيها على مدار (40 سنة) مضت منذ توقيع اتفاقية السلام.. وهو (التطبيع الشعبي؛ بفضل المقاومة الشعبية منزوعة السلاح والرفض الشعبي للكيان المغتصب للحقوق العربية، وكلنا لا ننسى المقولة الشهيرة لـ (بيجن) قبل وفاته: (السادات خدعني واسترد سيناء ومنحنى ورقة مكتوب عليها السلام).


وبمناسبة الذكرى الأربعين لتوقيع اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر، نشرت صحيفة «هآرتس» العبرية تقريرًا مطولًا حول ظروف توقيع الاتفاقية، وتفاصيل حوار أجرته الصحفية إسرائيلية "طالي ليبكين-شاحاك" مع الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر تحدث فيه عن اللحظات التي فاجأ فيها الرئيس أنور السادات ورئيس الحكومة الإسرائيلية مناحم بيجن العالم بالاتفاق على توقيع المعاهدة.


وبرغم مرور 40 سنة وستة أشهر إلا أن هناك مناسبة دفعت الصحف الإسرائيلية وعلى رأسها صحيفة (هآرتس) إلى نشر تقرير مطول عن الاتفاقية؛ وذلك بعد قيام قيام (مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي) بتنظيم ندوة عن (السلام البارد) مع مصر.


ركز التقرير هذه المرة على ما نعرفه الآن في عصرنا الحالي (بالقوى الناعمة) ومدى تأثيرها في توجيه الرأي العام حتى في المنعطفات التاريخية المؤثرة في تاريخ الشعوب والأمم، وقال: لقد تشابهت بل وتشابكت الأعمال الغنائية والفنية التي تم إنتاجها في مصر أو في إسرائيل قبل وأثناء توقيع اتفاقية السلام، فكل منها عمل على خلق مناخ مُهيئ لعملية السلام.


إن هناك محاولات مضنية من الجانب الإسرائيلي لفتح (ثغرة  في جدار الرفض الشعبي للتطبيع) حيث بدأ التقرير بالحديث عن الأغنية التي لا يعرف الكثير منا في مصر شيئا عنها، وهي أغنية "يهي طوف ــ سيكون أفضل" لحن وغناء المطرب الإسرائيلي (ديفيد بروزا) وكلمات (جوناثان جيفن) والتي استوحاها كما يقول مؤلفها من زيارة الرئيس الراحل الزعيم أنور السادات لـ(تل أبيب) وإلقاء كلمته الشهيرة داخل الكنيست الإسرائيلي.. وتقول كلمات الأغنية..التي تعتبر الشيء الوهمي الوحيد الذي صنعته إسرائيل من أجل السلام ــ مجرد أغنيه ــ لم يكتب لها الشهرة  ولم تلمس الوجدان في الشارع الإسرائيلي العنصري المتعصب.

  أتطلع من النافذة

  يملؤني الحزن

   فقد رحل الربيع

  ومن يدري متى سيعود

  فالمهرج أصبح ملكا

 والنبي أصبح مهرجا

  وقد نسيت الطريق

  ولكنى مازلت هنا

   فسيكون أفضل

   نعم سيكون أفضل

في بعض الأحيان أكون منكسرًا

        مثل هذه الليلة

          يا ليلة

  معكي سأظل

الأطفال يرتدون الأجنحة

ويطيرون إلى الجيش

 وبعد عامين

يعودون بلا إجابة

الناس يعيشون في قلق

يبحثون وسيلة للتنفس

بين كراهية وقتل

يتحدثون عن السلام

سيكون أفضل

هناك في السماء

تتعلم السحب المسير

وأنا أتطلع للسماء

فأجد طائرة تلوح في الأفق

 حكومة الجنرالات

 تقسم المشهد

 بيننا وبينهم

 لكنهم لا يرون النهاية

هنا جاء رئيس مصر

ويا سعادتي به

الأهرامات في العيون

ورائحة السلام تفوح من غليونه (البايب)

فقلنا هلموا نصنع السلام

ونعيش كإخوة

   وكما قال هو

  تخرجوا من الأراضي

  سيكون أفضل

  وأنا أتطلع من النافذة

لأتأكد هل هذا حقيقي

أتطلع من النافذة مرددا دعواتي

حتى يعيش الذئب مع الحمل

ويلعب النمر مع الماعز

وفي تلك الأثناء تضع

يدك في يدي

لأن ذلك سيكون أفضل

أنا أتطلع من النافذة

ربما يولد يوم جديد


وتزعم صحيفة هآرتس العبرية أن هذه الأغنية بالتحديد عبرت عن رغبة الكثير في إسرائيل للتصالح مع الجار في الحدود  الجنوبية.


وتقول الصحيفة إن المصريين مازالوا يعلقون السلام مع إسرائيل على استعادة الجانب الفلسطيني لحقوقه وعلى مدى تلك السنوات الأربعين بات طريق السلام غير واضح (سلامًا البارد). وتضيف الصحيفة من عام 1977 إلى عام 1982 من زيارة السادات أي منذ الانتهاء من الانسحاب الإسرائيلي من سيناء أنتجت الإذاعة والتليفزيون في مصر ما لا يقل عن خمسين أغنية أشادت بالسلام وفضائله، وفي نهاية عام 1977، نشرت جمعية (الشاعر المصري) مجموعة مختارات خاصة بعنوان "أكثر الكلمات الصادقة في رحلة السلام"، حوالي عشرين "أغنية شعبية". بل وتزعم إسرائيل أنه تم تكييف النشيد الوطني المصري أيضا في جو من السلام واستبداله عام 1979 فأصبح (بلادي بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي...) بديلًا عن النشيد الوطني لفترة الستينيات الذي يتحدث عن السلاح وحرب الأعداء (والله زمان ياسلاحي.. اشتقت لك في كفاحي..)


وبحسب التقرير كان الغرض من عشرات الأغاني هو مساعدة النظام المصري في جهوده لصنع السلام مع إسرائيل؛ لقد واجهت مبادرة السلام هجومًا حادًا من قوى سياسية كثيرة في مصر وتسببت في إضعاف شعبية الرئيس السادات في مصر، فبعد عقود من الصراع وخمسة حروب كان لابد من تنفيذ حملة إعلامية واسعة النطاق تستخدم مجموعة متنوعة من التدابير والوسائل المتنوعة، بدءا من وسائل الإعلام، مرورا بالبرامج السياسية وصولا إلى الأغاني.


وكانت ميزة الأغاني هي قدرتها المباشرة على إثارة المشاعر وغرس القيم والتصورات بين الجماهير المستهدفة، وبعضها غير تقليدي.


وكانت نقطة ضعف الأغاني هي أن الكثيرين في مصر كانوا ينظرون إليهم على أنهم دعاية سياسية وليس كعمل فني حقيقي، الأمر الذي أدى إلى عدم قبولهم بين عامة الناس.


ويشير التقرير إلى أنه في ضوء التوقيع على معاهدة السلام في مارس 1979، كشفت (صفية المهندس)، رئيسة الإذاعة المصرية بين عامى 1975-1982، والمعروفة في مصر باسم  "ام الراديو في مصر" أنه طُلب منها تسجيل الأغاني التي من شأنها المساعدة في إعداد الرأي العام له.


وتضيف الصحيفة العبرية لقد تم حشد كبار الشعراء والملحنين والمغنيين المصريين في هذه الفترة بلا شك من أجل الجهد الوطني؛ فالأغانى مثل غيرها من وسائل الدعاية، ركزت على تأصيل فكرة السلام في السياسة الوطنية خاصة مع الاحتفال بعودة سيناء إلى مصر والتي كانت تزف بشريات تحقيق التنمية والرخاء لمصر في عصر السلام المتوقع.


ولكن في الوقت نفسه تم التحفظ على التعبيرات المباشرة للمصالحة والاعتراف والإخوة تجاه شريك السلام المثير للجدل.


وكان التحدي الرئيسي الذي يواجه انتشار وتصديق هذه الأغاني أنها كانت في نظر الشعب تبريرًا لتوقيع الرئيس السادات لاتفاقية السلام بقرار فردي دون رأي أو موافقة الدول العربية، وــ دون الفلسطينيين ــ وضد رغبات جامعة الدول العربيةــ بحسب زعم الصحيفة.


وتدعي هآرتس العبرية في تقريرها أن وزارة الإعلام المصرية قد وضعت لنفسها ثلاثة أهداف: تنفيذ مفهوم السلام في الوعي العربي، موضحا كيف يخدم السلام المصالح العربية، وصد الهجمات التي تشن على اتفاقية السلام، وأن الأغاني تؤكد على التزام السادات بتحقيق الأهداف العربية والفلسطينية.


وفي الوقت نفسه، ساعدت الأغاني على تثبيط معارضي السلام. وقوات الرفض العربية، (العراق، ليبيا، سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية).


وكان من بين الأفكار البارزة التي ظهرت في الأغاني وصف السلام مع إسرائيل كخطوة تكميلية لـ "نصر أكتوبر". وأغاني أخرى أكدت زعامة وحسن قيادة السادات وتعبر عن بطولته واندهاشها لزيارته للقدس وقدرته على إرباك العدو، وأنه كما كان بطلا للحرب كان بطلا للسلام.


وعملت الاحتفالات التي رافقت الانسحابات الإسرائيلية من سيناء إلى دمج أغاني حرب أكتوبر بأغان جديدة، مثل (طالعين على أرض فيروز) للمطربة ياسمين الخيام، والتي ظهر فيها السادات  ينظر إلى العلم الإسرائيلي ينحدر من الساري ويرتفع العلم المصري في مكانه.


وبينما كان تحرير سيناء يُعزى إلى إنجازات الحرب، فإن الوعد بتنمية سيناء مرتبط بمكافآت السلام.


ومع  الانتهاء من الانسحاب من سيناء في أبريل 1982 وظهرت أغنية السلام الأكثر شهرة للفنانة شادية أغنية (مصر اليوم في عيد) كلمات: محمد عبد الوهاب، موسيقى جمال سلامة).


وبحسب شهادة السفير الإسرائيلي في القاهرة، موشيه ساسون، كانت الأغنية تعكس السعادة التي أحاطت بمصر في ذلك الوقت، وكذلك رغبة النظام في وضع تنمية البلاد وازدهارها على رأس الأجندة الوطنية وكانت الأغاني مليئة بالشوق من أجل سلام للعالم والإنسانية، لكنهم كانوا حريصون على عدم ذكر كلمة إسرائيل في أي أغنيه أو عمل فني.


لكن مع الوقت اتضح أن أغنيات السلام المصرية لم تترك أثرا عميقا، ومعظمها غير معروف اليوم للجمهور المصري العام.


تناولت أغاني السلام القليلة التي شجعت عليها السلطات تحرير سيناء، ثم طابا.


وينتقل التقرير إلى عهد الرئيس حسني مبارك، حيث اختفاء الأغاني التي تمجد في سلفه والاكتفاء بالأغاني التي تتحدث عن التنمية في سيناء والخطط المستقبلية.


وتحولت أغاني السلام إلى مجرد شوق وحنين لجزء من التراث الثقافي لمصر.


في الغالب مع تراجع الحديث عن السلام بين مصر وإسرائيل اختفت تدريجيا أغاني السلام.  


على الرغم من أن السلام مستقر وصلب، إلا أن الكثيرين في كلا البلدين يعتبرون السلام بين الحكومات وليس بين الشعوب، وهو السلام الذي لا يزال يفتقر إلى الأبعاد الثقافية الأساسية الضرورية لتنميته في الأربعين سنة القادمة.