القضاء فى عهد الخلفاء
تعتبر السلطة القضائية من أعظم سلطات الدولة فالقاضي العادل هو الذي يفرق بين الحق والباطل و ينصف المظلوم و يتصدي للظالم.
ولكون القاضي ينطق باسم العدالة فقد وضع الإسلام مفاهيم للقضاء والقضاة سار علي هديها الخلفاء الراشدين ووضعوا الأسس التي استلهم منها الحكام بعدهم سبلهم.
القضاء في عهد أبي بكر الصديق
لم يكن منصب القاضي متميزًا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل كان يقوم به فقهاء الصحابة، وكان الخليفة يقضى بنفسه بين الناس في المدينة، وأحيانًا كان يقوم بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأمر الخليفة أبي بكر، وكان الولاة هم المسئولين عن القضاء في الأمصار.
القضاء في عهد عمر بن الخطاب
ومنذ خلافة عمر بن الخطاب عين بعض الصحابة على القضاء في المدينة، منهم زيد بن ثابت وأبو الدرداء، كما عين عددًا من القضاة في الأمصار منهم عبد الله بن مسعود على قضاء الكوفة، وشريح بن الحارث الكندي على قضاء الكوفة، وعبيدة السلماني على قضاء الكوفة، وكان ألمعيًا في اختياره لهما فقد خدما الناس مدة طويلة في مجال القضاء خلال عصر الراشدين والأمويين، كما عين عمر عبادة بن عبادة بن الصامت على قضاء حمص وقنسرين، وبهذا الإجراء فصل عمر السلطة القضائية عن سلطة الولاة، وبذلك يتعزز موقع القاضي حيث أنه يرتبط بالخليفة مباشرة.
ولكن استمر بعض الولاة يقومون بمهام القاضي في الولايات الداخلية المستقرة حيث يجد الولاة الوقت الكافي لذلك، خلافًا لولاة الأقاليم المحاذية للأعداء حيث ينشغل الوالي بالمهام العسكرية والإدارية، وكان عمر يوصي الولاة باختيار الصالحين للقضاء وبإعطائهم المرتبات التي تكفيهم.
القضاء في عهد عثمان بن عفان
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يعين القضاة على الأقاليم حينًا، مثل تعيينه كعب بن سور على قضاء البصرة، ويترك القضاء للوالي حينًا آخر، مثل طلبه من واليه على البصرة أن يقوم بالقضاء بين الناس إضافة إلى عمل الولاية، وذلك بعد عزله كعب بن سور. وكذلك كان يعلى بن أمية واليًا وقاضيًا على صنعاء، ويلاحظ أن بعض الولاة كانوا يختارون قضاة بلدانهم بأنفسهم، ويكونون مسئولين أمامهم مما يشير إلى ازدياد نفوذ الولاة في خلافته.
القضاء في عهد علي بن أبي طالب
أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكان يتولى القضاء بنفسه في الكوفة، أما الأمصار فكان تعيين القضاة غالبًا من قبل الولاة، ولكن عليًا عين بعض القضاة مباشرة.
منهج القضاء فى عهد الخلفاء
وكانت مصادر الحكم في عصر الخلافة الراشدة هي القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد والرأي، وقد عرف من فقهاء الصحابة وأهل الفتوى المكثرين والمتوسطين في عصر الخلافة الراشدة أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعائشة ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وأبو هريرة وسلمان الفارسي وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت.
وكان القاضي في عصر الخلفاء الراشدين "يقضي في الخصومات كلها، أيًا كان نوعها، في المعاوضات المالية، وفي شؤون الأسرة، وفي الحدود والقصاص، وسائر ما يكون فيه الشجار، وليس هناك ما يشير إلى ما يعرف اليوم بالاختصاص القضائي سوى ما جاء في تولية السائب بن يزيد ابن أخت النمر من قول عمر بن الخطاب: رد عني الناس في الدرهم والدرهمين"، ويجوز أن يعهد الخليفة إلى القاضي أن يقضي في قضية بعينها وينتهي اختصاصه بالنظر فيها.
وكان القضاة يقضون في الحقوق المدنية والأحوال الشخصية، أما القصاص والحدود فكان الحكم فيها للخلفاء وأمراء الأمصار، فلابد من موافقتهم على الحكم، ثم انحصرت الموافقة على تنفيذ حد القتل بالخليفة وحده، وبقي للولاة حق المصادقة على أحكام القصاص دون القتل.
ولم يكن للقضاء مكان مخصص، بل يقضي القاضي في البيت والمسجد، والشائع جلوسهم في المسجد، ولم تكن الأقضية تسجل لقلتها وسهولة حفظها. وكان بإمكان القاضي حبس المتهم للتأنيب واستيفاء الحقوق، وقد فعل ذلك عمر وعثمان وعلي، فكانت الدولة تهيئ السجون في مراكز المدن، وكان القصاص ينفذ خارج المساجد.
مسلك الصحابة فى التقاضى
كان الناس على مستوى عالٍ من الوعي الإسلامي، وكانوا يتعاملون بالمروءات فتقل بينهم الخصومات، مما خفف الأعباء عن القضاة، فلما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك بيت المال، وقال عمر: أنا أكفيك القضاء، فمكث سنة لا يأتيه رجلان، وقال أبو وائل شقيق بن سلمة: "اختلفتُ إلى سلمان بن ربيعة حين قدم على قضاء الكوفة أربعين صباحًا لا أجد عنده فيها خصمًا"، وكان سلمان بن ربيعة أول من استقضى على الكوفة.
إخضاع الخلفاء أنفسهم لأحكام القضاء وإجراءاته
كان الخلفاء الراشدون يستوون مع الرعية في إجراءات التقاضي، بل إنهم عززوا مكانة القضاة وطالبوهم بأقصى درجات العدل في المساواة بين الناس حاكمهم ومحكومهم، وقد تخاصم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الصحابي الجليل أبي بن كعب في ملكية بستان، فحكَّما زيد بن ثابت، فأتياه في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا، وفي بيته يؤتى الحكم، فتنحى له زيد عن صدر فراشه، فقال: هاهنا يا أمير المؤمنين. فقال عمر: جرت يا زيدُ في أول قضائك، ولكن أجلسني مع خصمي. فجلسا بين يديه، فادعى أبي وأنكر عمر، فقال زيد لأبي: أعف أمير المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره، فحلف عمر، ثم حلف عمر لا يُدرك زيد القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء".
وساوم عمر بن الخطاب بفرس فركبه ليجربه فعطب، فقال لصاحبه: خذ فرسك. فأبى الرجل، فاحتكما إلى شريح، فقال شريح: يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت أو رُدَّ كما أخذت. فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا؟ فبعثه إلى الكوفة قاضيًا. وكان يتعاهده بالرسائل التي تحتوي على توجيهات بالقضاء وطرقه.
بعض العقوبات فى القضاء فى العصر الاسلامى
1- تزوير معن بن زائدة خاتم بيت المال بالكوفة (في خلافة عمر)، العقوبة: مائة سوط.
2- رجل سرق من بيت المال بالكوفة (في خلافة عمر)، العقوبة: جلده تعزيرًا مع درء الحد لأن له في بيت المال نصيبًا.
3- سرقة غلمان حاطب- أرقاء- ناقة أكلوها (في خلافة عمر)، العقوبة: درء الحد عنهم للضرورة وتهديد مالكهم بعدم إجاعتهم وتغريمه ضعفي ثمن الناقة (800 درهم).
4- مجنونة زنت (في خلافة عمر)،العقوبة: أسقط الحد عنها للجنون.
5- ذمي استكره مسلمة على الزنا (في خلافة عمر)،العقوبة: الصلب لأنه خالف شروط العهد.
6- إكراه نساء على الزنا (في خلافة عمر)،العقوبة: درء الحد عنهن للإكراه.
7- زناة يجهلون التحريم (في خلافة عمر)،العقوبة: درء الحد عن كل من لا يعلم تحريم الزنا.
8- امرأة تزوجت في عدتها وهي وزوجها لا يعلمان التحريم (في خلافة عمر)،العقوبة: درء الحد عن المرأة وجلد الزوج تعزيرًا مع التفريق بينهما.
9- امرأة تزوجت ولها زوج كتمته (في خلافة عمر)، العقوبة: رجم المرأة، وجلد الزوج مائة سوط، ولم يرجم للجهالة.
10- تخنث نصر بن الحجاج وتشبيبه بالنساء (في خلافة عمر)، العقوبة: حلق شعره ثم نفيه من المدينة.