رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب: لغز الشوارع الصامتة.. كيف أنهت الصين فوضى اعلانات الشوارع؟؟

النبأ

في شوارع بكين الواسعة، تمتد السماء فوق الطريق بلا لوحات إعلانية؛ مشهد يصعب تخيله لمن اعتاد شوارع مدن أو عواصم أخرى تتراص الإعلانات على جانبي الطرق فيها وتطل من فوق المباني. تلاحظ من الوهلة الأولى اتساع المشهد البصري وندرة في اللافتات التجارية.
ما يطرح السؤال: هل منعت الصين الإعلانات واللافتات الخارجية تمامًا؟ أين ذهبت؟ كيف تسوّق الشركات منتجاتها في بلد يضم ثاني أكبر اقتصاد في العالم ويحتدم فيه التنافس على جذب المستهلكين؟
الحقيقة أن الصين لم تمنع الإعلانات الخارجية تمامًا، بل أخضعتها لقواعد هي الأكثر صرامة ربما في العالم، تنظم أماكن ظهورها وأحجامها ومحتواها، فيما توسعت المنافسة التجارية في فضاء آخر غير الشوارع والطرق وواجهات المباني.

أولمبياد بكين وإعادة رسم المشهد

مثّلت الاستعدادات لدورة الألعاب الأولمبية في بكين عام 2008 محطة بارزة في إعادة تنظيم المظهر العام للعاصمة، مع حملات لإزالة اللوحات المخالفة وتحسين واجهات المباني والطرق.
لم يكن الهدف من هذه الإجراءات مجرد تحسين الصورة الجمالية للعاصمة، بل جاء في إطار رؤية أوسع لتنظيم الفضاء العام. فمن الناحية العمرانية، سعت السلطات إلى الحد من التكدس البصري الذي تسببه المنافسة التجارية على واجهات المباني والطرق، والحفاظ على الطابع المعماري للمدينة، خصوصًا في المناطق التي تتجاور فيها المعالم التاريخية مع المنشآت الحديثة.
واجتماعيًا، ارتبط تنظيم الإعلانات بمحاولة الحد من المظاهر الاستهلاكية الصارخة في المجال العام، ولا سيما الإعلانات التي تروج لأنماط الحياة الفاخرة والسيارات باهظة الثمن والعقارات الفارهة، بما قد تثيره من مقارنات اجتماعية وتباينات في مجتمع تؤكد الدولة فيه أهمية التوازن والاستقرار الاجتماعي.
أما على المستوى الرمزي، فقد عكست القيود المفروضة على الإعلانات في محيط المؤسسات الحكومية والمقار الدبلوماسية والمعالم التاريخية حرصًا على إبقاء هذه المساحات بعيدة عن الرسائل التجارية، وإفساح المجال للرموز الوطنية والهوية الثقافية للمدينة.
ولم تكن اعتبارات السلامة أقل أهمية؛ إذ يمكن للوحات الكبيرة أن تحجب إشارات المرور أو تشتت انتباه السائقين، فضلًا عن المخاطر التي قد تنجم عن سوء تثبيت هياكلها أو استخدام إضاءة شديدة في الطرق والمناطق السكنية.
ومن هنا، نشأت منظومة من القواعد الوطنية واللوائح المحلية التي تنظم الإعلان الخارجي، وتحدد شروط الترخيص ومواقع العرض وأحجام اللوحات، وتفرض قيودًا إضافية في مناطق معينة. وتختلف هذه الاشتراطات من مدينة إلى أخرى، ومن موقع إلى آخر.
وفقًا لقانون الإعلانات الصيني المعدل في عام 2015 ولوائح إدارة الإعلانات الخارجية، يُمنع منعًا باتًا استغلال واجهات أو أسطح المباني السكنية للإعلانات التجارية، وذلك لحماية المشهد الجمالي للمدن. وتتعامل السلطات الصينية، عبر جهاز الإدارة الحضرية، بيد من حديد مع أي مخالفة. فإقامة لوحة إعلانية دون الحصول على شبكة معقدة من التراخيص الحكومية تعني الهدم الفوري والجبري للوحة على نفقة الشركة المخالفة، بالإضافة إلى فرض غرامات مالية باهظة.
ولكن العقوبة الأشد لا تقتصر على المال، بل تمتد إلى نظام الائتمان الاجتماعي للشركات، إذ يؤدي ذلك فورًا إلى خفض تصنيف الشركة الائتماني. ويترتب على هذا الخفض عقوبات تشمل إدراج الشركة في القائمة السوداء العلنية، وحرمانها من الحصول على قروض بنكية أو تسهيلات حكومية، وفرض قيود مشددة على المؤسسين والمديرين التنفيذيين تمنعهم من التوسع التجاري، وزيادة وتيرة التفتيش الضريبي والحكومي المفاجئ على المقار الإدارية.

مدن مختلفة.. وقواعد لا تتشابه

رغم الغياب العام للوحات الطرقية تمامًا، لا تقدم الصين نموذجًا بصريًا واحدًا في جميع مدنها. فبكين، بما تمثله من مركز سياسي وثقافي وتاريخي، تميل إلى فرض ضوابط مشددة تحافظ على انتظام المشهد العام. وتوضح خطط بكين الخاصة بتقسيم مناطق الإعلانات الخارجية أن السماح بالإعلانات يتركز في مناطق تجارية محددة، بينما تُفرض قيود أشد في المناطق المركزية والتاريخية وحول المحاور والمعالم المهمة.
أما شنغهاي، بوصفها مركزًا ماليًا وتجاريًا عالميًا، فتجمع بين تنظيم المساحات العامة والسماح بحضور إعلاني واضح في مناطق تجارية محددة، حيث تصبح الشاشات والواجهات المضيئة جزءًا من هوية المكان، لا ظاهرة تنتشر بلا تمييز. وتقدم منطقة البوند، واجهة المدينة الشهيرة بناطحات السحاب، وشارع نانجينغ مثالًا على هذا النموذج؛ فالإعلانات الرقمية والواجهات المضيئة حاضرة في قلب النشاط التجاري، لكنها تخضع لقواعد تتعلق بالسطوع والحجم والتوقيت وحماية المباني التاريخية.
وفي تشونغتشينغ، المدينة الجبلية التي تتداخل فيها الجسور والأنفاق والطرق المرتفعة مع نسيج عمراني شديد التعقيد، تفرض طبيعة التضاريس اعتبارات خاصة للسلامة على الطرق، بينما تستوعب بعض المراكز التجارية شاشات رقمية ضخمة وعروضًا بصرية ثلاثية الأبعاد.
وتشير قواعد إدارة الإعلانات الخارجية في المدن الصينية إلى أن الاختلاف لا يرتبط بالذوق المحلي وحده، بل أيضًا بالبنية العمرانية، وتصنيف المنطقة، وحماية المعالم، وكثافة المرور، وخطط استخدام الأراضي. لذلك قد تكون الشاشة العملاقة مقبولة في واجهة تجارية محددة، لكنها غير قانونية على مبنى سكني أو قرب موقع تاريخي أو حكومي.

الإعلان لم يمت

إذا كان المشهد العام يوحي بانحسار الإعلان، فإن ما يحدث على الهواتف يقدم صورة مغايرة. ففي الصين، باتت منصات التواصل والتجارة الإلكترونية والفيديو القصير أدوات رئيسة للوصول إلى المستهلك، مستفيدة من انتشار الهواتف الذكية وارتباط المحتوى بالتسوق والدفع الإلكتروني.
وتؤكد تقارير أن الإنفاق الإعلاني الرقمي في الصين أصبح يمثل الحصة الأكبر من إجمالي الإنفاق الإعلاني، متجاوزًا الإعلانات التقليدية في السنوات الأخيرة. وبحلول عام 2026، استحوذت الإعلانات الرقمية على أكثر من 82% من إجمالي الإنفاق الإعلاني في الصين، مدفوعة بالإنفاق الضخم للشركات على منصات الفيديو القصير والتجارة الإلكترونية. ولا تشكل الإعلانات الخارجية التقليدية سوى نسبة ضئيلة جدًا لا تتعدى 5% إلى 7%، وغالبيتها العظمى تتركز في شاشات المترو الرقمية والمصاعد والمجمعات التجارية الكبرى، بينما اختفت اللوحات الطرقية تمامًا.
على تطبيق ويتشات مثلًا، يمكن للشركات نشر إعلاناتها عبر مساحات المحتوى والحسابات الرسمية، وربطها بمتاجر وخدمات داخل التطبيق. وعلى دووين، النسخة الصينية من تيك توك، تتداخل مقاطع الفيديو القصيرة والبث المباشر مع عمليات الشراء، بحيث ينتقل المستخدم من مشاهدة المنتج إلى الاطلاع على تفاصيله وطلبه دون الحاجة إلى البحث عنه في مكان آخر.

من الشارع إلى الهاتف

وتكشف المقارنة بين أسواق الصين والدول الأخرى، وخاصة الغربية، عن هذا التكيف. فشركة مثل «نايكي»، التي تملأ لوحات الطرق السريعة ومحطات الحافلات في مدن دول أخرى بصور كبار الرياضيين لربط علامتها التجارية بالثقافة الحركية، تعتمد في الصين بالكامل على منظومة البث المباشر وجيوش المؤثرين؛ حيث لا يرى المستهلك الصيني حذاء نايكي على لافتة في الشارع، بل يراه في قدم مدرب لياقة بدنية شهير يستعرض الحذاء ويتيح شراءه في اللحظة نفسها.
أما آبل، التي تعتمد بشكل شبه مطلق على اللوحات الإعلانية العملاقة على ناطحات السحاب ومحطات المترو في نيويورك ولندن، فتحولت في الصين إلى ويتشات وبرامجه المصغرة، حيث تطلق متاجر افتراضية متكاملة.
والأمر لا يقتصر على الشركات العالمية. فالمؤثرون وقادة الرأي والمستهلكون الذين ينشرون مراجعاتهم وتجاربهم أصبحوا جزءًا من منظومة الترويج، إذ قد يكتسب المنتج انتشاره من تجربة مصورة حية (البث المباشر) أو توصية متداولة أكثر مما يكتسبه من إعلان ثابت يمر به آلاف السائقين يوميًا.
وتنظم الصين هذا المجال عبر قواعد تفرض على المؤثرين والمنصات الإفصاح عن المحتوى الإعلاني، وتحظر الترويج المضلل أو تقديم الادعاءات غير المثبتة، خصوصًا في مجالات مثل الصحة والتعليم والمنتجات المالية. وقد شددت إدارة الدولة لتنظيم السوق، في إرشاداتها الخاصة بالتسويق عبر البث المباشر، على مسؤولية المنصات والمعلنين عن التحقق من المعلومات وحماية حقوق المستهلك.
ومع ذلك، لا ينبغي تصور أن الشركات نقلت كل ميزانياتها إلى الإنترنت أو أن اللوحات اختفت تمامًا من جميع المدن الصينية. فالإعلانات الخارجية، كما قلت، لا تزال حاضرة في المترو والمصاعد والمجمعات التجارية والمناطق المخصصة لها، كما تختلف الاستراتيجيات حسب القطاع والجمهور والمدينة.
لكن الاتجاه الأوسع يشير إلى انتقال مركز الثقل الإعلاني نحو البيئة الرقمية، حيث يسهل الربط بين الترويج والتفاعل والشراء.
لقد نجحت الصين في حل معادلة صعبة؛ فبينما حافظت على نظافة وهدوء شوارعها من التلوث البصري والاندفاع الرأسمالي الفج، خلقت في المقابل بيئة تسويقية رقمية هي الأكثر ديناميكية وتطورًا في العالم. وقد أثبتت التجربة الصينية أن اختفاء الإعلان من الشارع لا يعني موته، بل يعني أنه انتقل إلى مكان أكثر دقة، وأعلى كفاءة، وأقرب إلى جيب المستهلك.