محمد مازن يكتب من بكين: نشر الثقافة بلغة العصر
نشر الثقافة بلغة العصر
محمد مازن
في منطقة سانليتون ببكين، قد تدخل المكان من أجل شراء حذاء، فتجد نفسك بعد دقائق واقفا أمام معرض لفنان شاب. وربما تجلس في مقهى لمقابلة صديق، فتسمع موسيقى لم تكن تعرفها، أو تمر بساحة فتجد فعالية تجمع بين الطعام والفن، أو تكتشف متجرا مؤقتا يعرض تصميمات جديدة. وعلى مقربة منك، يتحرك جمهور ذاهب إلى مباراة أو حفل، بينما يجلس آخرون في الساحات بلا هدف واضح سوى أن يكونوا هناك.
في مثل هذا المكان يصعب أن تعرف أين تنتهي التجارة وتبدأ الثقافة، أو أين تنتهي الرياضة ويبدأ الترفيه. كل شيء يتداخل مع كل شيء، والناس أنفسهم يصبحون جزءا من المشهد. هنا يتحرك ما يمكن أن أطلق عليه «السائل الثقافي». واقصد به الثقافة عندما لا تبقى محصورة في متحف أو مسرح أو مهرجان، وإنما تتحرك في المدينة، وتتسلل إلى المتجر والمقهى والساحة والملعب، وتصبح جزءا من الحياة اليومية.
أتذكر أنني ذهبت إلى هذه المنطقة للمرة الأولى بعد قدومي إلى بكين قبل أكثر من خمسة عشر عاما، وكانت آنذاك منطقة تجارية عادية تضم مطاعم وأنشطة مختلفة عربية وأجنبية. لكن قربها من الحي الدبلوماسي منحها منذ البداية فرصة للتفاعل مع الأجانب وثقافاتهم، ثم توسعت التجارة، وظهرت المطاعم والحياة الليلية، فتحول المكان تدريجيا من منطقة يذهب إليها الناس للشراء إلى منطقة يذهبون إليها للقاء والوجود واكتشاف شيء جديد.
وجاءت مرحلة جديدة مع افتتاح «سانليتون فيليج» عام 2008، بالتزامن مع أولمبياد بكين، حيث صمم المكان ليكون تجربة مفتوحة، مبان متباعدة متصلة ومنفصلة، بمساحات للمشاة والجلوس والفعاليات، وليس مجرد مبان تجارية. ومع الوقت أصبحت الثقافة جزءا من المشهد اليومي.. معرض مؤقت، فعالية موسيقية، مصمم شاب، متجر مؤقت، نشاط رياضي أو تجربة تجمع الطعام بالفن والتكنولوجيا.
وهنا الفكرة، لا تجعل الناس يذهبون إلى الثقافة، اجعل الثقافة تذهب إلى الناس.
الشخص الذي جاء لشراء حذاء قد يشاهد معرضا، والذي جاء لمقابلة صديق قد يستمع إلى موسيقى، والذي جاء لمباراة قد يكتشف فنانا جديدا. هكذا تصبح الثقافة جزءا من الحياة اليومية، لا نشاطا منفصلا داخل متحف أو مسرح أو مهرجان موسمي.
وعندما أرى كيف يتداخل ستاد العمال الذي جرى إعادة إنشائه مع الحياة التجارية والثقافية في المنطقة، أفكر في المدينة بوصفها كنظام متكامل، الرياضة تجذب الناس، والناس تنشط التجارة، والتجارة تمول الإبداع، والإبداع يمنح المكان شخصية، والثقافة تجعل الناس يرغبون في العودة.
ومن هنا أعود إلى مصر.
نحن لا نعاني من نقص الثقافة، بل ربما نعاني من ثروة ثقافية هائلة لا نعرف كيف نطلقها. لدينا التاريخ، والسينما، والموسيقى، والمسرح، والشعر، والأدب، والحرف، والعمارة، والمطبخ، والنيل، والشوارع القديمة، والفنون الشعبية، ولدينا قبل ذلك كله روح مصرية يعرفها العالم حتى قبل أن يأتي إلى مصر.
لكن السؤال: ماذا نفعل بما نملك؟
هل نترك هذه الثروة داخل المتاحف والمهرجانات والمناسبات، أم نحولها إلى جزء من الحياة اليومية والاقتصاد والإبداع؟
في كثير من مدننا، يتحول المشهد سريعا إلى مطعم، ثم مقهى، ثم مطعم آخر، ثم متجر. وكأن أقصى ما نستطيع تقديمه للإنسان في المدينة الحديثة هو أن يأكل ويشرب ويشتري. لسنا ضد المطاعم والمقاهي، فهي جزء مهم من الاقتصاد والحياة الاجتماعية. لكن المدينة التي تقدم الاستهلاك وحده تظل مدينة استهلاك. أما عندما تضيف إليه الفن والمعرفة والإبداع والرياضة والتفاعل الإنساني، فإنها تبدأ في صناعة الحياة.
أتخيل لذلك منطقة في وسط القاهرة أو المدن الجديدة، لا تكون مجرد تجمع تجاري، بل أشبه بصالة معيشة مفتوحة للمدينة. معرض لفنانين شباب في الصباح، ورشة تصميم للأطفال بعد الظهر، عرض موسيقي في المساء، سوق للحرف المصرية في نهاية الأسبوع، مسرح مفتوح، سينما في الهواء الطلق، كتب ونقاشات، ومصممون شباب يعرضون منتجاتهم، وحرفيون من الصعيد والنوبة وسيناء والدلتا، وموسيقيون يقدمون أشكالا جديدة من الموسيقى الشعبية.
مكان يلتقي فيه التراث بالتكنولوجيا، والمصري بالعالمي، والتجارة بالإبداع.
لا يتعلق الأمر بجذب الثقافة العالمية إلى مصر فقط، وإنما بإطلاق الثقافة المصرية إلى العالم. فرقة موسيقية صينية أو إيطالية أو إفريقية يمكن أن تعمل مع فنانين مصريين لإنتاج عرض جديد. مصمم ياباني يمكن أن يتعاون مع حرفيين مصريين. مصمم أزياء مصري يمكن أن يعمل مع فنان أفريقي. الطعام المصري يمكن أن يصبح مدخلا إلى قصة أوسع عن مصر، والحرف المصرية يمكن أن تتحول إلى علامات تجارية معاصرة.
هنا لا تصبح الثقافة محاضرة نذهب إليها، بل تجربة نعيشها.
هناك مصر غير الأثر والبحر تستطيع أن تحكي نفسها من خلال السينما والموسيقى والأزياء والتصميم والحرف والطعام واللغة والأدب والعمارة وروح الشارع.
نحتاج إلى أماكن تقول للعالم: تعال وانظر كيف يعيش المصري اليوم، لا كيف عاش المصري قبل خمسة آلاف عام فقط.
ولا أعتقد أننا نحتاج إلى بناء «سانليتون مصرية». مصر ليست الصين. ما يمكن أن نتعلمه هو طريقة التفكير أن التجارة لا تعادي الثقافة، وأن الثقافة يمكن أن تكون محركا للاقتصاد، وأن الرياضة والفن والفضاء العام يمكن أن تعمل معا.
والبداية يمكن أن تبدأ من الأماكن الموجودة بالفعل. ساحة مهملة يمكن أن تصبح مسرحا، ومساحة فارغة يمكن أن تتحول إلى معرض، ومتجر مؤقت يمكن أن يمنح مصمما شابا فرصته الأولى، ومركز تجاري يمكن أن يتحول تدريجيا من مكان للاستهلاك إلى مكان للإنتاج الثقافي والاجتماعي.
هكذا تتسرب الثقافة إلى التجارة، وتساعد التجارة في تمويل الإبداع، ويجذب الإبداع الناس، ويصنع الناس حياة جديدة في المكان.
وهذا هو «السائل الثقافي» كما أفهمه هو أن نجعل الثقافة تتحرك من مبانيها، ونحولها إلى سائل يتحرك في شوارعنا، ويتداخل مع اقتصادنا، ويمنح مدننا حياة.