فوضى التسعير ونقص قطع الغيار..
هل تواكب الرقابة توسع سوق السيارات في مصر؟
يواجه سوق السيارات في مصر تحديات متزايدة، لا تقتصر على ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير بعض قطع الغيار، وإنما تمتد إلى شكاوى بشأن تعامل عدد من التوكيلات مع العملاء، وسط مطالب بتشديد الرقابة على خدمات ما بعد البيع وضمان حقوق المستهلكين.
وفي الوقت نفسه، تلقي تحركات سعر الدولار بظلالها على حركة البيع، بعدما تجاوز مستوى 56 جنيهًا، ما دفع بعض التجار إلى الترقب خشية تكبد خسائر نتيجة تغيرات الأسعار.
وتأتي هذه التطورات في ظل اتساع سوق السيارات وتعدد العلامات التجارية، خاصة مع دخول شركات جديدة، من بينها علامات صينية، إلى جانب التوكيلات التابعة لشركات أوروبية وآسيوية موجودة منذ سنوات، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة منظومة الرقابة على مواكبة تطورات السوق وضمان التزام الشركات بتعهداتها تجاه العملاء.
أبرز تحديات ملاك السيارات وغياب الرقابة
وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه ملاك السيارات في شكاوى تتعلق بعدم توافر بعض قطع الغيار وصعوبة الحصول عليها في توقيت مناسب، فضلًا عن مطالب بإلزام التوكيلات بتنفيذ التزامات الضمان وعدم ترك العملاء دون حلول واضحة عند حدوث أعطال.
وتشمل هذه الشكاوى علامات تجارية مختلفة، سواء أوروبية أو آسيوية، بما فيها بعض العلامات الصينية الجديدة التي توسعت في السوق المصرية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يجعل ملف خدمات ما بعد البيع عنصرًا أساسيًا في تقييم تجربة المستهلك، وليس سعر السيارة وقت الشراء فقط.
كما تبرز أهمية وجود آلية واضحة لتلقي شكاوى المستهلكين ومتابعتها، مع تحديد مسؤوليات التوكيلات والموزعين، وضمان عدم تحميل المالك أعباء إضافية نتيجة عدم توافر قطع الغيار أو تعثر تنفيذ الالتزامات المقررة.
ولا تتوقف التحديات عند خدمات ما بعد البيع، إذ تمتد إلى طريقة تداول السيارات داخل السوق، في ظل تعدد حلقات البيع بين التوكيلات والموزعين والتجار، بما يؤثر على السعر النهائي الذي يتحمله المستهلك.
ومع ارتفاع سعر الدولار إلى مستوى يتجاوز 56 جنيهًا، ترددت أنباء عن ترقب بعض التجار لعمليات البيع، خشية التعرض لخسائر مع احتمالات تغير تكلفة شراء السيارات وإعادة تسعيرها.
وتأتي هذه الأنباء في وقت يرى فيه بعض المتعاملين أن تقلبات سعر الصرف تجعل تحديد السعر المناسب للبيع أكثر صعوبة، خاصة بالنسبة للتجار الذين اشتروا السيارات بتكلفة سابقة ويخشون عدم قدرتهم على تعويض قيمة المخزون عند شراء دفعات جديدة.
فبيع السيارات بأسعار لا تتناسب مع تكلفة إحلالها يعرض التجار لخسائر عند إعادة تكوين المخزون، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى التريث في إتمام الصفقات لحين اتضاح اتجاهات سعر الصرف والأسعار الجديدة.
وتعيد هذه التطورات فتح ملف دور الدولة في تنظيم سوق السيارات، سواء من زاوية حماية المستهلكين من مشكلات التوكيلات وخدمات ما بعد البيع، أو من ناحية تعزيز الشفافية في التسعير ومتابعة الممارسات التجارية.
وتبرز أهمية متابعة التزام التوكيلات بتوفير قطع الغيار وتنفيذ الضمانات، وتيسير إجراءات تقديم الشكاوى، إلى جانب مراقبة الإعلانات والأسعار وشروط الحجز والتسليم، بما يضمن حصول المستهلك على حقوقه وفقًا للقواعد المنظمة.

غياب الرقابة يفاقم أزمات سوق السيارات
وفي هذا السياق، قال عصام غنايم، الخبير في سوق السيارات، إن انتشار التوكيلات الجديدة أمر طبيعي في ظل دخول عدد كبير من الشركات الصينية إلى السوق المصرية، وسعيها إلى التوسع من خلال زيادة عدد التوكيلات، موضحًا أن المنافسة بين العلامات التجارية من المفترض أن تصب في مصلحة المستهلك، لكنها في المقابل تؤدي إلى توزيع الطلب على عدد أكبر من الشركات، بما قد يقلل حجم المبيعات لكل وكيل ويؤثر على جدوى توفير مخزون كافٍ من قطع الغيار.
وأضاف غنايم، في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن محدودية القوة الشرائية في السوق المصرية، مقارنة بعدد العلامات التجارية والتوكيلات الموجودة، تؤدي إلى توزيع الطلب على عدد كبير من الشركات، وهو ما يقلل الحافز الاقتصادي لدى بعض التوكيلات للاحتفاظ بمخزون كبير من قطع الغيار.
وأوضح أن الأمر يمكن توضيحه من خلال مثال افتراضي، فإذا كان حجم الطلب في السوق يبلغ ألف سيارة شهريًا، وتتوزع المبيعات على 3 أو 4 علامات تجارية، فقد تتمكن كل علامة من بيع نحو 250 إلى 350 سيارة شهريًا، وفقًا لحجم الطلب عليها، وهو ما يجعل الاستثمار في توفير قطع الغيار أكثر جدوى، نظرًا إلى إمكانية بيعها واسترداد تكلفتها خلال فترة زمنية أقصر.
وأشار إلى أنه في حال توزيع حجم الطلب على 10 توكيلات، وبيع كل توكيل 10 سيارات فقط، فإن محدودية المبيعات قد تجعل بعض التوكيلات أقل استعدادًا لاستيراد قطع غيار بملايين الجنيهات، في ظل انخفاض عدد السيارات التي سيخدمها هذا المخزون، بما يقلل الجدوى الاقتصادية من الاحتفاظ بكميات كبيرة من قطع الغيار.
وتابع أن انخفاض حجم المبيعات قد يدفع بعض التوكيلات إلى الانتظار لحين ظهور أعطال تحتاج إلى قطع غيار محددة، ثم استيراد القطع المطلوبة بدلًا من الاحتفاظ بمخزون متنوع وكافٍ، بما يؤدي إلى تأخر توفير بعض القطع وصعوبة إصلاح السيارات في التوقيت المناسب.
وأكد غنايم أن المشكلة، من وجهة نظره، لا ترتبط بمجرد زيادة عدد التوكيلات، وإنما بعدم التناسب بين عددها وحجم الطلب المتاح لكل منها، موضحًا أن انخفاض المبيعات قد يقلل الجدوى الاقتصادية من الاستثمار في قطع الغيار، وهو ما ينعكس على خدمات ما بعد البيع التي يحتاج إليها مالكو السيارات.
وفيما يتعلق بدور الموزعين في سوق السيارات، قال غنايم إن السوق تشهد، حسب تقديره، ممارسات تجارية تحتاج إلى مزيد من الرقابة، موضحًا أن الوكيل قد يطرح السيارة بسعر منخفض نسبيًا حتى يتمكن من منافسة العلامات التجارية الأخرى، وهو ما يقلص هامش الربح المتاح له.
وأضاف أن بعض الوكلاء يعتمدون على الموزعين في توفير السيولة اللازمة لشراء السيارات، في ظل احتياجهم إلى تمويل عمليات الاستيراد والتوزيع، مشيرًا إلى أن الموزع الذي يوفر التمويل أو يشتري كميات من السيارات قد يحصل على أولوية في المعروض المتاح.
وأوضح أن بعض العملاء يُبلَّغون بعدم توافر السيارات لدى الوكيل، مع توجيههم إلى الموزعين للحصول عليها، لافتًا إلى أن بعض الممارسات قد تؤدي إلى بيع السيارة بسعر أعلى من السعر المعلن، وإضافة ما يُعرف بـ«الأوفر برايس»، الذي يصل إلى 100 ألف جنيه في بعض الحالات، وفقًا لما ذكره.
وأشار إلى أن الزيادة السعرية الإضافية قد ترتبط، في بعض الحالات التي تحدث عنها، بترتيبات بين أطراف عملية البيع، بما يشمل تقاسم العائد الناتج عن البيع بسعر أعلى، وهو ما يستدعي تعزيز الرقابة على آليات التسعير والتوزيع، والتحقق من مدى الالتزام بالأسعار المعلنة وحماية حقوق المشترين.
وحول الرقابة على سوق السيارات، أوضح غنايم أن جهاز حماية المستهلك هو الجهة المعنية بحماية حقوق المشترين والتعامل مع الشكاوى المرتبطة بالممارسات التجارية، لكنه يرى أن دور الجهاز في ضبط بعض ممارسات السوق ليس بالفاعلية الكافية، في ظل ما وصفه بعدم كفاية القواعد الرادعة لوقف التجاوزات.
وأكد أن ضبط السوق يتطلب رقابة أكثر فاعلية على عمليات البيع والتوزيع، بما يضمن وضوح الأسعار المعلنة ويحد من الممارسات التي تؤدي إلى تحميل المستهلك أعباء إضافية، إلى جانب متابعة التزام التوكيلات بتوفير قطع الغيار وتنفيذ الضمانات وتقديم خدمات ما بعد البيع.
ارتفاع الدولار يضغط على أسعار السيارات
وفيما يتعلق بتأثير ارتفاع سعر الدولار على سوق السيارات، قال غنايم إن حركة البيع والشراء تسير بصورة منتظمة، موضحًا أن توقعات ارتفاع سعر العملة الأمريكية دفعت بعض العملاء إلى التعجيل بالشراء، خشية ارتفاع أسعار السيارات خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن ارتفاع الدولار بنحو 3 جنيهات خلال شهر، وفقًا لما أشار إليه، يزيد الضغوط على تكلفة الاستيراد، لكنه أوضح أن بعض الوكلاء قد يرفعون أسعار السيارات بنسب تتجاوز الزيادة في تكلفة الاستيراد المتوقعة، تحسبًا لارتفاع تكلفة شراء الدفعات الجديدة.
وأشار إلى أنه يمكن توضيح ذلك من خلال مثال افتراضي، إذ قد يلجأ أحد الوكلاء إلى زيادة سعر السيارة بنسبة 10% تحسبًا لارتفاع تكاليف الاستيراد مستقبلًا، حتى إذا كانت الزيادة في سعر الدولار أقل من ذلك، موضحًا أن هذه الزيادة تمثل سياسة تسعير احترازية من وجهة نظره، وليست بالضرورة انعكاسًا مباشرًا لنسبة ارتفاع سعر الصرف وحدها.
وضرب مثالًا آخر بمستورد يستورد 100 سيارة تمثل جزءًا من رأس ماله، موضحًا أنه إذا ارتفعت تكلفة الاستيراد، فقد لا تكفي حصيلة بيع السيارات بالسعر السابق لشراء العدد نفسه مجددًا، ما يضطره إلى خفض الكمية التي يستطيع استيرادها إلى 90 سيارة بدلًا من 100، إذا لم تتوافر لديه سيولة إضافية.
وأكد أن هذه الحسابات توضح، حسب رؤيته، سبب اتجاه بعض الوكلاء إلى وضع زيادات احترازية في الأسعار بهدف الحفاظ على قدرتهم على تمويل دورة الاستيراد التالية، إلا أن انعكاس هذه السياسات على المستهلك يظل مرتبطًا بالتكلفة الفعلية للاستيراد وسياسة التسعير لدى كل شركة.

