رئيس التحرير
خالد مهران

«نازا».. شهادات من داخل جيش الاحتلال تفتح ملف الجرائم في غزة وسط غياب الإنتاج عربي

النبأ

24 شهادة من داخل جيش الاحتلال.. اعترافات عن الاستهداف والقصف وسقوط المدنيين في غزة تتحول إلى فيلم يهز مهرجان فينيسيا ويشعل غضبا داخل إسرائيل.

"نازا" ليس مجرد فيلم وثائقي عن الحرب لكنه محاولة للدخول إلى ما وراء مشاهد القصف والدمار والبحث عن إجابات داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية نفسها عبر شهادات أشخاص شاركوا أو عملوا داخل المنظومة التي تدير عمليات الاستهداف في القطاع.

الفيلم من إخراج الصحفيين والمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور ومن إنتاج صحيفة "الجارديان" وJW Films وتبلغ مدته 80 دقيقة.

وشارك "نازا "في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي وكان الفيلم الوثائقي الوحيد المنافس على جائزة الأسد الذهبي قبل أن يفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة وسط تصفيق وقوف استمر نحو 25 دقيقة.

نازا.. كيف يتناول الفيلم جرائم الاحتلال في غزة؟

يتناول الفيلم شهادات 24 من العسكريين وعناصر الاستخبارات الإسرائيلية جرى تصوير مقابلاتهم سرا ليلا فوق أسطح مباني في تل أبيب على مدار نحو 3 سنوات مع إخفاء هوياتهم وتعديل أصواتهم وصورهم.

ويكشف العمل من خلال هذه الشهادات تفاصيل عن أنظمة المراقبة وتحديد الأهداف واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات القصف إلى جانب الطريقة التي يجري بها تقدير أعداد المدنيين المتوقع مقتلهم قبل تنفيذ بعض الضربات

ويحمل الفيلم اسم "نازا "وهو مصطلح تستخدمه الاستخبارات الإسرائيلية للدلالة على عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة جوية

ومن بين أكثر الشهادات إثارة للجدل ما ذكره أحد المصادر من أن الموافقة صدرت على قتل حوالي 500 مدني فلسطيني مقابل استهداف عنصر واحد من حركة حماس فيما يعرض الفيلم شهادات أخرى عن قصف منازل وأحياء مع معرفة مسبقة بوجود مدنيين وأطفال داخلها.

أبراهام: «إنها دولتنا التي ترتكب هذه الجرائم»

وخلال كلمة تسلمه جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا تحدث يوفال أبراهام عن غزة وما كشفه الفيلم من شهادات مؤكدا أهمية أن يشاهد الإسرائيليون العمل وقال 'إنها دولتنا التي ترتكب هذه الجرائم" كما تحدث عن قتل الأطفال الفلسطينيين والصحفيين الذين وثقوا ما يحدث في القطاع ودعا الجمهور في أوروبا والولايات المتحدة إلى مشاهدة الفيلم.

وتأتي كلمة أبراهام امتدادا لفكرة الفيلم الأساسية وهي الانتقال من الحديث عن نتائج الحرب إلى البحث في الأنظمة والأوامر والممارسات التي تقف خلف عمليات القصف والاستهداف وهو ما قال المخرجان إنهما أرادا توثيقه من خلال شهادات العاملين داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.

هجوم إسرائيلي على الفيلم

وأثار "نازا "هجوم واسعا داخل إسرائيل حيث اتهم وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهر المخرجين بالخيانة ودعا إلى التحرك لسحب جنسيتهما بينما هاجم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير العمل أيضا.

كما انتقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الفيلم فيما وجه رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير بدراسة الإجراءات القانونية والتحقيق في المعلومات التي ظهرت في الفيلم

وفي المقابل رفض جيش الاحتلال اتهامات أساسية وردت في 'نازا" وشكك في بعض الشهادات مؤكدا أن قرارات اختيار الأهداف والموافقة على الضربات لا يتخذها الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة.

حماس تطالب بالتحقيق في شهادات “نازا"

ومن جانبها اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن فيلم "نازا" كشف شهادات إسرائيلية مباشرة من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية حول آليات الاستهداف والقصف في قطاع غزة وما وصفته بإقرارات بشأن قتل المدنيين مؤكدة أن أهمية هذه الشهادات تنبع من صدورها عن عناصر وضباط شاركوا في منظومات المراقبة والاستهداف.

وطالبت الحركة بتوثيق ما ورد في الفيلم وإخضاعه للتحقيق داعية المحكمة الجنائية الدولية والهيئات الأممية والمؤسسات الحقوقية إلى الاستفادة من هذه الشهادات في مسارات التحقيق والمساءلة.

بين السردية الإسرائيلية والمصداقية

وعلى منصات التواصل الاجتماعي انقسمت الآراء حول الفيلم بين من رأى أن "نازا" رغم كشفه شهادات من داخل جيش الاحتلال يظل في النهاية سردية إسرائيلية وأن غياب الصوت الفلسطيني المباشر عن العمل يترك مساحة كبيرة للرواية الإسرائيلية خاصة أن الضحايا وأهالي غزة لا يقدمون باعتبارهم أصحاب الرواية الأساسية لما جرى.

وفي المقابل رأى آخرون أن أهمية الفيلم تأتي تحديدا من شهاداته الداخلية معتبرين أن خروج هذه الروايات على لسان أشخاص عملوا داخل جيش الاحتلال والاستخبارات الإسرائيلية يمنحها أهمية إضافية ويكشف للجمهور جانبا من آليات الحرب من داخل المؤسسة نفسها.

كما تلقى المخرجان إشادات من شخصيات إسرائيلية وعربية من بينها النائب العربي في الكنيست أيمن عودة الذي هنأ أبراهام وراشيل زور بالفوز وأشاد بتسليط الفيلم الضوء على ما وصفه بالجرائم المروعة والواقع الوحشي في غزة.

أين الوثائقي العربي؟

في العام الماضي قدمت المخرجة التونسية كوثر بن هنية فيلم “صوت هند رجب” الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي ونقل قصة الطفلة الفلسطينية التي حوصرت داخل سيارة عائلتها في غزة إلى الشاشة لتصل مأساتها إلى جمهور عالمي قبل أن يأتي “نازا” من زاوية مختلفة مستندا إلى شهادات من داخل جيش الاحتلال حول الحرب وآليات الاستهداف في القطاع.

وبين حكاية طفلة فلسطينية وشهادات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تواصل غزة حضورها على شاشات السينما العالمية لكن عبر كاميرات لا تنتمي إلى الإنتاج الوثائقي العربي.

وهنا يبرز السؤال أين الأفلام الوثائقية العربية التي توثق الإبادة في غزة وتصل إلى المحافل السينمائية العالمية أين الكاميرا العربية التي تجمع شهادات الناجين والضحايا والأطباء والصحفيين وتحول هذه الشهادات إلى أعمال قادرة على الوصول إلى المهرجانات الكبرى، لتروي ما جرى في القطاع بصوت أصحابه؟
عماد يسري: إمكانيات مصرية وشهادات فلسطينية.. فأين الفيلم؟

وفي هذا السياق قال الناقد الفني عماد يسري إن مصر لديها إنتاج غزير من الأفلام الوثائقية ومخرجون يتنافسون على تقديم هذا النوع من الأعمال مؤكدا أن وجود فلسطينيين اضطرتهم الظروف إلى المجيء والعيش والعلاج في مصر يوفر مادة وشهادات يمكن أن تكون أساسا لفيلم وثائقي كبير.

وأضاف في تصريحات خاصة لـ "النبأ": عندنا شهادات كثيرة والجانب الفلسطيني بيرحب بده وكان ممكن يكون فيه تعاون مع السفارة الفلسطينية في مصر لعمل فيلم وثائقي كبير يجوب المهرجانات السينمائية ويتم الترويج ليه ويكون له عرض حقيقي".

وأشار إلى أنه شاهد تجارب لطلاب جامعات قدموا أعمالا عن القضية الفلسطينية بإمكانيات بسيطة بينما لم تظهر هذه الفكرة بالقدر نفسه على مستوى المحترفين قائلا: "لكن على مستوى المحترفين هم ليه مش بيقدموا ده؟ بصراحة أنا في حالة تعجب".

واختتم يسري حديثه بالإشارة إلى توافر جهات إنتاج وإمكانات للتعاون مع الجانب الفلسطيني قائلا: "عندنا إمكانيات وجهات إنتاج متعددة وعندنا تعاون من السفارة والدولة الفلسطينية.. طيب ليه مبيحصلش ده؟ لماذا يغيب الفيلم المصري عن المهرجانات العالمية للحديث عن القضية الفلسطينية؟"