على الهواري يكتب: عضوية الحزب.. هل تحولت إلى وسيلة للبحث عن المكانة والنفوذ والمصالح؟
من أغرب الظواهر التي بدأت تفرض نفسها على المشهد العام خلال الفترة الأخيرة، أن مجرد انضمام شخص إلى حزب سياسي أصبح مناسبة للاحتفال والتهنئة، وكأنه حصل على منصب رفيع أو ترقية في وظيفة مرموقة، أو أصبح بين ليلة وضحاها من أصحاب النفوذ والسلطة.
صور على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنشورات احتفالية، وعبارات من نوع: «ألف مبروك الانضمام للحزب» و«خطوة موفقة»، وكأن بطاقة العضوية شهادة وجاهة اجتماعية أو «كارت توصية» يفتح الأبواب المغلقة.
والحقيقة أن المشكلة ليست في التهنئة ذاتها، وإنما في المعنى الذي بدأت تحمله هذه المظاهر؛ حين يتحول الانضمام إلى حزب من قناعة سياسية ورغبة في المشاركة والعمل العام، إلى وسيلة للاستعراض أو البحث عن المكانة والنفوذ والمصالح.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا ونسأل: ماذا حدث لفكرة العمل الحزبي؟ ومتى أصبحت العضوية هدفًا في حد ذاتها، بدلًا من أن تكون وسيلة للمشاركة السياسية وخدمة المجتمع؟
الحزب السياسي ليس ناديًا اجتماعيًا، ولا تجمعًا للوجاهة، ولا شركة لتوزيع المناصب والمكاسب، ولا بوابة مختصرة إلى أصحاب القرار، وإنما يفترض أن يكون مؤسسة سياسية منظمة، لها رؤية وبرنامج، وتعمل على تأهيل الكوادر، وبناء الوعي، والتعبير عن قضايا المواطنين، وطرح الحلول والبدائل، والمشاركة في صناعة السياسات العامة.
ومن هنا، فإن العضوية الحزبية الحقيقية تبدأ من القناعة، لا من المصلحة؛ ومن الإيمان بفكرة أو برنامج، لا من الرغبة في الحصول على نفوذ أو امتياز.
فالسياسة لا تبدأ بالسؤال: «ماذا سيعطيني الحزب؟» وإنما تبدأ بسؤال أكثر أهمية: «ماذا سأقدم أنا للحزب وللمجتمع؟».
هل لديك فكرة يمكن أن تضيفها؟
هل لديك رؤية تستطيع من خلالها المساهمة في حل مشكلة من مشكلات الناس؟
هل تستطيع أن تستمع إلى المواطنين وتتعرف على احتياجاتهم؟
هل لديك استعداد للعمل والتعلم وتحمل النقد والاختلاف؟
وهل تستطيع أن تخدم الناس دون أن تجعل الخدمة وسيلة للحصول على مصالح أو أصوات؟
إذا كانت الإجابة نعم، فأنت تقترب من المعنى الحقيقي للعمل الحزبي.
أما أن تكون العضوية مجرد صورة مع أحد قيادات الحزب، أو بطاقة تعلق على مواقع التواصل، أو وسيلة لإنهاء المصالح، أو طريقًا إلى المال والنفوذ، فهنا يتحول العمل السياسي من رسالة عامة إلى مصلحة خاصة.
وهذه هي المشكلة الحقيقية؛ لأن السياسة عندما تصبح وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية تفقد جوهرها، والحياة الحزبية عندما تتحول إلى سباق على المواقع والنفوذ تفقد قدرتها على إنتاج كوادر سياسية حقيقية.
والعضوية الحزبية لا تجعل صاحبها أكبر من الناس، بل تجعله أكثر مسؤولية أمامهم، لا تمنحه حصانة من النقد، ولا حق التعالي على الآخرين، ولا سلطة لمجرد حمله بطاقة عضوية، بل العكس تمامًا؛ فكلما زادت مشاركة الإنسان في العمل العام، أصبح مطالبًا بمزيد من التواضع والانضباط واحترام القانون والاستماع إلى الآخرين.
والعضو الحزبي الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور التي نشرها، ولا بعدد التهاني التي تلقاها، ولا بالموقع التنظيمي الذي حصل عليه، وإنما بما يتركه من أثر في المجتمع.
فليس المهم أن تكون حاضرًا في كل مناسبة حزبية، وإنما أن تكون حاضرًا عندما يحتاجك الناس.
وليس المهم أن تتحدث كثيرًا عن الحزب، وإنما أن تمتلك القدرة على تقديم فكرة أو مبادرة أو حل.
وليس المهم أن تسعى إلى موقع داخل التنظيم، وإنما أن تثبت أولًا أنك جدير بالمسؤولية.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهوم قوة الأحزاب؛ فالحزب القوي ليس بالضرورة الحزب الذي يمتلك أكبر عدد من الأعضاء، وإنما الحزب الذي يمتلك أعضاء فاعلين، ويمتلك برامج واقعية، ويستطيع إعداد كوادر سياسية مؤهلة، والتواصل مع المواطنين، والمشاركة الجادة في الحياة العامة.
كما أن الدور الحقيقي للأحزاب لا يجب أن يختزل في الانتخابات أو الحصول على مقاعد في المجالس النيابية. فالانتخابات إحدى أدوات العمل السياسي وليست غايته الوحيدة.
أما الدور الأوسع فيتمثل في صناعة الوعي السياسي، وتأهيل الشباب، واكتشاف القيادات، وطرح الرؤى والبدائل، ومناقشة السياسات العامة، ونقل نبض الشارع إلى مؤسسات الدولة، وتشجيع المواطنين على المشاركة الإيجابية في الشأن العام.
والحياة الحزبية الصحية هي التي تسمح بالاختلاف في الرؤى، وتقبل النقد، وتحترم التعدد، وتضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية والتنظيمية الضيقة.
كما أن الحزب الحقيقي لا يظهر فقط في مواسم الانتخابات، ثم يختفي بعد انتهاء المنافسة؛ وإنما يكون موجودًا بين المواطنين طوال الوقت، يستمع إلى مشكلاتهم، ويتابع قضاياهم، ويقدم رؤى ومبادرات، ويسعى إلى تحويل احتياجات المجتمع إلى برامج وسياسات قابلة للنقاش والتنفيذ.
نحن في حاجة إلى الانتقال من عضوية الأعداد إلى عضوية الأفعال، ومن الاحتفاء بالانضمام إلى تقييم ما يقدمه العضو بعد الانضمام، ومن البحث عن الشكل إلى الاهتمام بالمضمون.
فلا قيمة لآلاف البطاقات الحزبية إذا لم تتحول إلى آلاف العقول الواعية، والكوادر المؤهلة، والمبادرات الجادة، والمشاركة الفاعلة.
ولذلك، ربما يكون من الأفضل عندما ينضم شخص إلى حزب سياسي ألا نقول له فقط: «ألف مبروك»، وإنما نقول له أيضًا: «ألف مسؤولية».
لأن دخولك إلى العمل العام ليس امتيازًا فوق الآخرين، وإنما التزام أمامهم.
إذا كنت تبحث عن الوجاهة، فأنت لم تفهم معنى السياسة.
وإذا كنت تبحث عن المال والمكاسب، فأنت لم تفهم معنى الحزب.
وإذا كنت تبحث عن النفوذ وحده، فأنت لم تفهم معنى العمل العام.
أما إذا كنت تبحث عن دور حقيقي في خدمة الناس، وصناعة الوعي، وتقديم الأفكار، وتحمل المسؤولية، والمشاركة في بناء مستقبل أفضل لبلدك، فهنا فقط تصبح عضويتك الحزبية إضافة حقيقية لك وللحزب وللحياة السياسية.
فالسياسة ليست «شو».. والحزب ليس «كارت توصية».. والعضوية ليست تشريفًا.
إنها مسؤولية، والعمل العام أمانة، وقيمة السياسي الحقيقية لا يصنعها ما يحمله في يده من بطاقة، وإنما ما يحمله في عقله من فكر، وفي قلبه من مسؤولية، وفي عمله من أثر.
في النهاية.. أود أن أوضح أن ما أطرحه في هذا المقال لا يمثل رفضًا للانضمام إلى الأحزاب، ولا انتقادًا لحزب بعينه أو للأشخاص الذين اختاروا ممارسة العمل الحزبي، فاختيار الانضمام إلى حزب هو حق لكل مواطن وقناعة يحترمها الجميع.
وإنما ما أقدمه هو قراءة وتحليل لواقع أراه وأرصده في المشهد العام، من واقع مسؤوليتي ككاتب صحفي وباحث سياسي، أؤمن بأن من مهام الصحافة والبحث السياسي التنوير والتثقيف ونشر الوعي، وطرح الأسئلة التي قد تساعد على فهم الظواهر بعيدًا عن الشخصنة أو سوء التأويل.
ولذلك فإن الحديث عن ظاهرة «الشو» المصاحب أحيانًا للانضمام إلى الأحزاب لا يستهدف أشخاصًا بعينهم، ولا ينتقص من قيمة العمل الحزبي، وإنما يستهدف مناقشة الممارسة نفسها، والبحث عن المعنى الحقيقي للعضوية السياسية، وكيف يمكن أن تتحول من مجرد مظهر أو انتماء شكلي إلى مشاركة واعية ومسؤولة تخدم المجتمع والدولة. فأنا لا أرفض الظاهرة ولا أهاجم أصحابها، وإنما أحللها وأطرحها للنقاش، لأن التنوير يبدأ أحيانا من سؤال، والوعي لا يبنى بالتصفيق الدائم، وإنما بالقدرة على قراءة الواقع ومناقشته بموضوعية.