رئيس التحرير
خالد مهران

«مرحبا بكم في مطعم التنين» ينقل التعاون السينمائي المصري الصيني إلى مستوى آخر

النبأ

لم يعد التعاون السينمائي بين مصر والصين مجرد تبادل للمهرجانات، أو عرض أفلام، أو مشاركة ممثلين في أعمال ينتجها أحد الطرفين. فيلم «مرحبًا بكم في مطعم التنين» يقدّم نموذجًا مختلفًا؛ نموذجًا يقترب فيه الطرفان من صناعة عمل واحد، تتداخل فيه المواهب واللغات والثقافات ومواقع التصوير والخبرات الفنية، لتصبح المشاركة المصرية جزءًا من بنية الفيلم، لا مجرد حضور على هامشه، وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة.

فالنجاح الجماهيري الذي يحققه الفيلم الصيني، من إخراج ون مويي وبطولة شن تنغ، لا يُقاس فقط بأرقامه في شباك التذاكر، وإنما بما يكشفه عن تطور طبيعة العلاقة الفنية بين مصر والصين. فحين يظهر أكثر من 22 ممثلًا عربيًا، غالبيتهم من مصر، إلى جانب نجوم السينما الصينية، وحين تحضر اللهجة المصرية والموسيقى والأغنية المصرية، وتدخل أماكن مصرية حقيقية في تكوين الصورة، فإننا لا نكون أمام «مشاركة مصرية» بالمعنى التقليدي، وإنما أمام تعاون في صناعة عالم الفيلم نفسه.

على مدى سنوات، بنت مصر والصين جسورًا ثقافية متدرجة عبر المهرجانات والسينما والأدب والفنون، وكان تبادل الأفلام والوفود والمشاركات في الفعاليات السينمائية يمثل أحد أهم أدوات التعارف بين الجمهورين. لكن «مرحبًا بكم في مطعم التنين» يذهب خطوة أبعد.

المصري هنا لا يأتي إلى الفيلم باعتباره ضيفًا، وإنما يدخل في تفاصيله،وفقا لما ذكره محمد أسامة، رئيس شركة دراجون بريدج ميديا الني نسقت الاخبار الممثلين العرب واللوجيستيات وأماكن التصوير في مصر.

وقال أسامة للنبأ إن " كل ممثل حمل لغته ولهجته وطريقته في التعبير، والاماكن المصرية التي صور فيها الفيلم كانت جزءًا من السرد البصري، بينما تداخلت الخبرات العربية والمصرية مع رؤية فريق العمل الصيني".

ومن بين الوجوه المصرية شاركت في الفيلم الذي يكتسح شباك التذاكر الصيني حاليا، شريف صبحي، وعمر شريف، وفاروق محمد، وأحمد سليم، ونيرة، إلى جانب عدد من الفنانين الاخرين والأطفال. وكل منهم يقدم شخصية تنتمي إلى عالم الفيلم وتخدم حكايته، وليس مجرد ظهور عابر لإثبات التنوع.

ويقول أسامة "هذا فارق مهم؛ لأن الشراكة الحقيقية في السينما لا تبدأ عندما يظهر اسم بلد آخر في قائمة المشاركين، وإنما عندما يصبح هذا البلد جزءا من عملية صناعة الحكاية".

وربما تكون إحدى أهم الرسائل التي تحملها التجربة أن مصر  انتقلت من كونها موقعًا لتصوير بعض المشاهد إلى كونها شريكا في صناعة الصورة.
ففي الفيلم، تظهر القاهرة القديمة والحطابة والصحراء البيضاء وغيرها من المواقع المصرية، إلى جانب حضور الصوت المصري والموسيقى والفنانين المصريين.

ويرى المحللون أن هذا يمكن أن يفتح بابًا أوسع أمام التعاون المستقبلي. فمصر تمتلك واحدة من أقدم الصناعات السينمائية في المنطقة، وتملك رصيدًا هائلًا من الخبرات الفنية والبشرية والمواقع التاريخية والثقافية، بينما تمتلك الصين سوقًا سينمائية ضخمة، وقدرات إنتاجية وتكنولوجية متقدمة، وصناعة تتوسع عالميًا عامًا بعد آخر، وعندما تجتمع هذه العناصر، فإن الإمكانات لا تتوقف عند فيلم واحد.

والأهم أن التعاون لم يأتِ على حساب الحكاية. «مرحبًا بكم في مطعم التنين» ليس فيلمًا عن التعاون المصري الصيني، وإنما فيلم إنساني تدور أحداثه في منطقة شرق أوسطية خلال أجواء حرب عام 2003، من خلال طاهٍ صيني يسافر بحثًا عن الرزق، قبل أن يجد نفسه في مواجهة واقع يتجاوز حساباته الشخصية.

ومن هنا يصبح المطعم أكثر من مكان للطعام. إنه مساحة صغيرة يحاول فيها الإنسان أن يستعيد حياته الطبيعية وسط عالم فقد طبيعته.

الطعام هنا لغة لا تحتاج إلى ترجمة. الجائع لا يحتاج إلى معرفة جنسية من يجلس إلى جواره، والطفل الذي يبحث عن الأمان لا يسأل عن هوية من يمد إليه يده.

وهذه واحدة من نقاط القوة الأساسية في الفيلم: أنه يستخدم قضية محلية وجغرافيا محددة للوصول إلى معنى إنساني عالمي.

ويرى لي تنغ، وهو خبير صيني في الشؤون العرببة، أن التجارب المشتركة تفتح مفهومًا أكثر تطورًا: القوة الناعمة المشتركة. فحين يصنع صينيون ومصريون عملًا واحدًا، فإن كل طرف لا يقدّم ثقافته للآخر فحسب، وإنما يعيد اكتشافها من خلال عين الآخر، وهذا تحديدًا ما يجعل السينما أداة شديدة القوة في العلاقات بين الشعوب، حسب قوله.

وأضاف أن الفيلم يستطيع خلال ساعتين أن يفعل ما قد تعجز عنه سنوات من الخطابات الرسمية والتقارير الثقافية؛ وأن يجعل المشاهد يرى إنسانًا من ثقافة أخرى، ويضحك معه، ويخاف عليه، وربما يبكي من أجله.

ومن هذه الزاوية، فإن «مطعم التنين» يمكن أن يكون نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه المرحلة المقبلة من التعاون المصري الصيني: الانتقال من التبادل الثقافي إلى الإنتاج الثقافي المشترك، وفقا لتنغ.

وإذا كان هذا الفيلم قد جمع ممثلين مصريين وعربًا مع نجوم صينيين، وصوّر أجزاء من حكايته في مصر، ودمج عناصر من الثقافتين داخل عمل واحد، فإن السؤال الطبيعي هو: لماذا لا تكون الخطوة التالية إنتاج أفلام مصرية صينية مشتركة بالكامل؟

هناك عشرات الحكايات التي يمكن أن تجمع البلدين دون افتعال.

الصين لديها قصص ضخمة عن التنمية والتحول الاجتماعي وانتشال الملايين من الفقر، ومصر لديها تجاربها الخاصة ايضا. وهناك قصص عن التعليم، والتكنولوجيا، والشباب، والهجرة، والأسرة، والقرى، والبحث عن حياة أفضل.

هذه ليست موضوعات حكومية أو اقتصادية فحسب؛ إنها مادة سينمائية شديدة الثراء إذا تحولت إلى شخصيات وحكايات وصراعات إنسانية.

من هنا، تبدو أهمية «مرحبًا بكم في مطعم التنين» أكبر من مجرد مشاركة مصرية لافتة في فيلم صيني ناجح. إنه مؤشر على أن التعاون السينمائي بين القاهرة وبكين يمكن أن ينتقل إلى مساحة أكثر نضجًا، حيث لا تكون مصر مجرد سوق للفيلم الصيني، ولا الصين مجرد سوق للفيلم المصري، وإنما يصبح البلدان شريكين في إنتاج الصورة والحكاية، فـ«مطعم التنين» لم يقرّب القاهرة وبكين جغرافيًا، لكنه فعل شيئًا ربما يكون أكثر أهمية؛ وضعهما، ولو مؤقتًا، أمام الكاميرا نفسها.