رئيس التحرير
خالد مهران

لمحات مجنونة من معرض بكين الدولي للسيارات 2026

معرض بكين الدولي
معرض بكين الدولي للسيارات

لم يعد معرض بكين الدولي للسيارات مجرد فعالية سنوية لعشاق السيارات أو منصة تقليدية لعرض الطرازات الجديدة، بل أصبح حدثا عالميا يكشف بوضوح عن التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل صناعة السيارات في العالم.

وفي نسخة عام 2026 من المعرض، بدا المشهد أكثر جنونا من أي وقت مضى يرسم مستقبلا عنوانه الكهرباء مع تصدر الصين هذا الاتجاه بثقة كاملة.

المعرض، الذي يعد اليوم الأكبر عالميا دون منازع، استضاف ما يقارب 1500 سيارة، بينها أكثر من 200 إطلاق عالمي جديد وسيارات اختبارية، موزعة على مساحة هائلة بلغت نحو 380 ألف متر مربع عبر مركزين ضخمين و17 قاعة عرض.

هذا الحجم الاستثنائي لا يعكس فقط قوة السوق الصينية، بل يعبر عن تحول جذري في فلسفة الصناعة نفسها، حيث أصبحت السيارات الكهربائية ليست مجرد خيار جديد، بل مركز الثقل الحقيقي لصناعة السيارات الحديثة.

اللافت هو عدد السيارات والشركات الصينية، وهو مؤشر بالغ الدلالة على الفجوة المتسعة بين الصين والغرب في هذا القطاع الحيوي.

ففي الوقت الذي لا تزال فيه بعض الأسواق الغربية تتعامل بحذر مع التحول الكهربائي، تخوض الشركات الصينية سباقا مفتوحا في الابتكار والتوسع والإنتاج، وكأنها تدرك أن من يتأخر اليوم قد لا يجد مكانا غدا.

الحضور الصيني كان كاسحا، من شركات مثل BYD وGeely وXPeng وDongfeng وGAC، التي عرضت سيارات تغطي جميع الفئات الممكنة، من السيارات الاقتصادية الصغيرة إلى السيارات الفاخرة فائقة الرفاهية، ومن مركبات الطرق الوعرة إلى الروبوتاكسي ذاتية القيادة، وصولا إلى السيارات الخارقة التي تنافس أشهر العلامات العالمية.

ومن أبرز النماذج التي خطفت الأنظار، سيارة Denza Z التابعة لمجموعة BYD، وهي سيارة كهربائية خارقة دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي بعد أن ظهرت سابقا كنموذج اختباري.

السيارة ستطرح بثلاث نسخ: كوبيه مغلقة، ومكشوفة بسقف قماشي، ونسخة مخصصة للحلبات عالية الأداء.

وتنتج أكثر من 1000 حصان، مع تسارع من صفر إلى 100 كيلومتر تقريبا في أقل من ثانيتين، إضافة إلى نظام توجيه إلكتروني بالكامل وتقنية شحن فائق السرعة تصل إلى 1500 كيلوواط، ما يجعلها واحدة من أكثر السيارات الكهربائية تطرفا في العالم اليوم.

ولم تكن هذه السيارة الوحيدة التي تعكس طموح الشركات الصينية في فئة الأداء العالي، فقد كشفت علامة Fangchengbao التابعة أيضا لـBYD عن سيارة Formula X، وهي سيارة رياضية مكشوفة تعتمد على ثلاثة محركات كهربائية بقوة تقارب 1000 حصان، وهيكل مصنوع من ألياف الكربون، في رسالة واضحة بأن الصين لم تعد تنافس فقط في السيارات الاقتصادية، بل أصبحت تنافس أيضا في قمة الهرم الرياضي والفاخر.

بل إن بعض الشركات الصينية قدمت سيارات تستهدف مباشرة منافسة رولز رويس ومايباخ، مثل سيارة Maextro الفاخرة من هواوي، التي عرضت خلف حواجز مخملية وكأنها قطعة فنية داخل متحف، في إشارة رمزية إلى أن الطموح الصيني لم يعد يكتفي بالمشاركة، بل يسعى للهيمنة.

الأكثر إثارة أن شركات خارج قطاع السيارات دخلت المنافسة أيضا، فشركة "Dreame" المعروفة بإنتاج المكانس الذكية والروبوتات المنزلية عرضت سيارة رياضية كهربائية، في مشهد يعكس كيف تحولت صناعة السيارات الكهربائية إلى مساحة مفتوحة للاستثمار والتكنولوجيا، لا تقتصر على الشركات التقليدية فقط.

أما الشركات الغربية، فقد حضرت وهي تدرك حجم التحدي. أودي قدمت سيارة كهربائية مخصصة للسوق الصينية، وفولكس فاجن كشفت عن SUV كهربائية اقتصادية من موديلها جيتا، بينما حضرت تويوتا بسيارتها bZ5، في محاولة واضحة للحاق بموجة التحول التي ما دام تعاملت معها بحذر.

حتى العلامات الأوروبية مثل بيجو حاولت إعادة تقديم نفسها وفق الذوق الصيني الجديد، فكشفت عن مفهومي Peugeot 6 وPeugeot 8، وهما نموذجان لسيارات سيدان كبيرة وSUV فاخرة بتصميم هجومي جريء، يعكس فهما جديدا لحجم المنافسة داخل السوق الصينية، حيث لم يعد يكفي الاعتماد على الاسم التاريخي وحده.

لكن القصة الأهم في معرض بكين لم تكن السيارات وحدها، بل البطاريات.

فالصين لا تهيمن فقط على تصنيع السيارات الكهربائية، بل تسيطر على قلب هذه الصناعة الحقيقي: البطارية.

شركات مثل CATL وCALB وEVE Energy امتلكت أجنحة ضخمة تضاهي شركات السيارات نفسها، وقدمت تقنيات شحن فائق السرعة تعكس مدى التقدم الذي وصلت إليه.

شركة CATL، على سبيل المثال، عرضت الجيل الثالث من بطارية "Shenxing"، القادرة على الشحن من 10% إلى 98% خلال ست دقائق فقط، وهو رقم يوضح لماذا أصبحت الصين اللاعب الأقوى عالميا في هذا القطاع.

هذا التفوق لا يتعلق بالمنتج النهائي فقط، بل يشمل سلسلة الإمداد بالكامل، من المواد الخام إلى التصنيع وإعادة التدوير والبنية التحتية للشحن وتبديل البطاريات، وهي منظومة متكاملة تمنح الصين أفضلية استراتيجية يصعب منافستها سريعا.

ومن بين أكثر المشاهد دلالة في المعرض، كان الغياب الكامل لشركة تسلا للعام الثالث على التوالي، رغم أن الصين لا تزال واحدة من أهم أسواقها عالميا.

هذا الغياب بدا لافتا في ظل تصاعد المنافسة المحلية، خاصة مع إطلاق شركات مثل XPeng وBYD سيارات تتفوق في السعر والمدى والتقنيات الذكية.

بكين اوتو