رئيس التحرير
خالد مهران

عادل توماس يكتب: مطلوب قانون عاجل لمواجهة المراهنات الإلكترونية قبل ضياع جيل كامل

النبأ

لم تعد المراهنات الإلكترونية مجرد مواقع على شبكة الإنترنت أو تطبيقات ترفيهية عابرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أخطر الظواهر الرقمية التي تهدد الشباب والأسر والمجتمع بأكمله، فخلف الشعارات البراقة التي تروج للربح السريع والثراء السهل، تختبئ شبكة معقدة من الإدمان والاستغلال المالي والاحتيال الإلكتروني وغسل الأموال، مستفيدة من التطور التكنولوجي وسهولة الوصول إلى ملايين المستخدمين عبر الهواتف الذكية.

وتشير تقديرات دولية إلى أن حجم سوق المقامرة والمراهنات عبر الإنترنت بلغ نحو 86 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 120 مليار دولار بحلول عام 2029، كما تشير تقديرات متداولة إلى أن حجم الأموال المتداولة من مصر داخل هذا السوق العالمي يقترب من 1.7 مليار دولار، وهو رقم يثير الكثير من علامات الاستفهام حول حجم الظاهرة وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية.

خطر يتسلل إلى الشباب

تبدأ الحكاية غالبًا بإعلان بسيط على مواقع التواصل الاجتماعي أو مقطع فيديو قصير لشخص يدعي تحقيق أرباح يومية من رهانات كرة القدم أو الألعاب الإلكترونية، ثم يجد الشاب نفسه منجرفًا تدريجيًا إلى عالم واسع من التطبيقات والمنصات التي تقدم مراهنات رياضية وكازينوهات رقمية وتوقعات لأحداث مختلفة.

في البداية تبدو التجربة مسلية وغير مؤذية، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى سلوك إدماني يدفع صاحبه إلى المخاطرة بمزيد من الأموال أملًا في تعويض خسائره السابقة، ومع الوقت يصبح الهاتف المحمول بوابة يومية للقلق والتوتر والخسائر المالية والانهيار النفسي.

وقد كشفت دراسات وتقارير متخصصة عن ارتفاع معدلات الإدمان الإلكتروني بين الشباب، بينما تؤكد الوقائع اليومية أن عددًا من الضحايا خسروا مدخراتهم أو وظائفهم أو استقرارهم الأسري بسبب هذه التطبيقات التي تبيع الوهم وتصدّر الأحلام الكاذبة.

من شركات توظيف الأموال إلى القمار الرقمي

المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان ما شهدته مصر خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي من انتشار شركات توظيف الأموال والمستريحين، الفكرة لم تتغير كثيرًا، وإنما تغيرت الأدوات فقط.

في الماضي كانت الوعود تأتي في صورة أرباح خيالية وشيكات وضمانات ورقية، أما اليوم فتأتي عبر تطبيقات إلكترونية ونقاط رقمية ومكافآت افتراضية ورسائل دعائية مصممة بعناية لاستغلال طموح الشباب ورغبتهم في تحقيق الثراء السريع.

وإذا كانت أدوات الجريمة قد تطورت لتواكب العصر، فإن آليات الخداع ما زالت تعتمد على العنصر نفسه؛ إقناع الضحية بإمكانية تحقيق مكاسب كبيرة دون جهد حقيقي.

الذكاء الاصطناعي في خدمة الاستدراج

الأمر لم يعد مقتصرًا على الإعلانات التقليدية، فبعض المنصات باتت تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل السلوك الرقمي لرصد اهتمامات المستخدمين واستهداف الفئات الأكثر عرضة للتأثر، خاصة الشباب وعشاق الرياضة والألعاب الإلكترونية.

كما تستخدم بعض الشبكات تقنيات التزييف العميق "ديب فيك" لإنتاج مقاطع فيديو وصوتيات مزيفة لمشاهير وفنانين وشخصيات عامة، بهدف منح المنصة مصداقية زائفة وإقناع المستخدمين بإيداع أموالهم.

وتعتمد هذه المنصات على منح المستخدم أرباحًا محدودة في البداية لبناء الثقة، ثم تدفعه تدريجيًا إلى زيادة حجم الرهانات والمخاطرة بمبالغ أكبر حتى يصبح أسيرًا لدائرة الإدمان.

الأموال تتحرك في الظل

من أخطر ما يميز المراهنات الإلكترونية أنها تعتمد على منظومة مالية معقدة يصعب تتبعها، حيث تنتقل الأموال عبر محافظ إلكترونية وعملات رقمية وحسابات أجنبية ووسطاء غير معروفين.

ويرى متخصصون أن بعض هذه المنصات لا تمثل مجرد مواقع للمقامرة، بل قد تكون واجهات لأنشطة أكثر خطورة تتعلق بالاحتيال المنظم أو غسل الأموال، مستفيدة من الطبيعة العابرة للحدود للعالم الرقمي.

كما تطلب العديد من هذه التطبيقات بيانات حساسة للغاية مثل الرقم القومي وصور بطاقات الهوية وبيانات الحسابات البنكية، ما يعرض المستخدمين لمخاطر سرقة الهوية والابتزاز الإلكتروني وربما الزج بهم في معاملات مالية مشبوهة دون علمهم.

إدمان يغير كيمياء الدماغ

يحذر خبراء الصحة النفسية من أن المقامرة الإلكترونية لا تؤثر فقط على الجانب المالي، بل تمتد إلى التأثير على كيمياء الدماغ نفسها.

فالشخص المقامر يعيش حالة مستمرة من الترقب والإثارة والخوف والأمل، ما يؤدي إلى اضطرابات في إفراز مادة الدوبامين المرتبطة بالشعور بالمكافأة والسعادة.

ومع تكرار التجربة يتحول الأمر إلى سلوك إدماني يشبه في تأثيره بعض أنواع الإدمان السلوكي المعروفة.

وتظهر على الضحايا أعراض متعددة تشمل القلق والتوتر والاكتئاب والعزلة الاجتماعية واضطرابات النوم وضعف التركيز وتراجع الأداء الدراسي أو الوظيفي، فضلًا عن المشكلات الأسرية التي قد تصل إلى التفكك والانهيار.

فراغ تشريعي يستوجب التدخل

رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الأجهزة الأمنية في مواجهة المراهنات الإلكترونية وضبط المتورطين فيها، فإن المواجهة لا تزال بحاجة إلى غطاء تشريعي أكثر وضوحًا وحسمًا.

فالقانون المصري لا يتضمن حتى الآن نصًا تشريعيًا صريحًا ومباشرًا يجرم المراهنات الإلكترونية بصورتها الحديثة، رغم أنها أصبحت واحدة من أخطر الجرائم الرقمية المستحدثة.

كما أن طبيعة هذه المنصات تجعل من مكافحتها أمرًا معقدًا، حيث تدار من خارج البلاد وتستخدم خوادم أجنبية وعناوين إلكترونية متغيرة باستمرار، فضلًا عن اعتمادها على أدوات تقنية متطورة تساعدها على تفادي الحجب والملاحقة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إصدار قانون جديد وواضح يتعامل مع هذه الظاهرة بصورة مباشرة، ويجرم إنشاء أو تشغيل أو إدارة أو الترويج لأي منصة مراهنات إلكترونية، مع تشديد العقوبات على الممولين والوسطاء والمروجين وكل من يشارك في تسهيل هذه الأنشطة.

مشروع قانون للحماية لا للعقاب فقط

الهدف من التشريع المقترح لا يجب أن يقتصر على العقوبات وحدها، بل ينبغي أن يشمل جوانب الوقاية والحماية المجتمعية والعلاج.

ومن المهم أن يتضمن القانون تخصيص جزء من حصيلة الغرامات لدعم برامج مكافحة الإدمان وتوفير خدمات العلاج والتأهيل النفسي للضحايا، لأن كثيرًا من المستخدمين وقعوا في الفخ نتيجة حملات استدراج احترافية استهدفت نقاط الضعف النفسية لديهم.

كما يجب إطلاق حملات توعية واسعة داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب، وإدراج موضوعات التوعية الرقمية ضمن المناهج التعليمية، والاستفادة من دور المؤسسات الدينية والإعلامية في نشر الوعي بخطورة هذه الظاهرة.

مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل

المراهنات الإلكترونية لم تعد مجرد لعبة أو وسيلة للترفيه، بل أصبحت تهديدًا حقيقيًا للأمن الاجتماعي والاقتصادي والرقمي. وهي ظاهرة تتغذى على الطمع والجهل الرقمي وأحلام الثراء السريع، بينما تحصد في المقابل مزيدًا من الضحايا والخسائر والانهيارات الأسرية.

إن مواجهة هذا الخطر تتطلب تحركًا عاجلًا من البرلمان والحكومة والجهات المعنية كافة، لوضع تشريع حديث يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة، ويغلق الأبواب أمام شبكات القمار الرقمي التي تتسلل إلى المجتمع عبر الشاشات الصغيرة.

ولا يوجد رهان أخطر من الرهان على وعي المواطن. فإذا خسر المجتمع وعيه أمام إغراءات الربح السريع، فلن تكون الخسارة أموالًا فقط، بل جيلًا كاملًا قد يجد نفسه أسيرًا لوهم رقمي لا يعرف الرحمة.