رئيس التحرير
خالد مهران

القصة الكاملة لجريمة «بطن الجبانة» بحلوان بسبب الاعتراض على تجارة المخدرات

محكمة جنايات القاهرة
محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار جابر الجزار

في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها منطقة بطن الجبانة التابعة لدائرة قسم شرطة حلوان، تحولت خلافات جيرة بدأت باعتراض أحد أبناء المنطقة على ممارسات مرتبطة بتعاطي وترويج المواد المخدرة إلى جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، راح ضحيتها سائق أربعيني بعد تعرضه لهجوم دموي نفذته مجموعة من الأشخاص داخل أحد الجراجات، في واقعة وثقتها كاميرات المراقبة وأكدتها تحريات المباحث وتقارير الطب الشرعي، لتنتهي بإحالة ثمانية متهمين إلى محكمة الجنايات.

بداية الأزمة.. كلمة حق أشعلت نار الانتقام

تكشف أوراق القضية أن الخلاف بدأ عندما اعترض المجني عليه على قيام بعض الأشخاص بتعاطي وتجارة المواد المخدرة أسفل منزله وفي محيط المنطقة السكنية، الأمر الذي أدى إلى مشادة كلامية تدخل خلالها الأهالي وتم عقد جلسة صلح لإنهاء النزاع.

إلا أن ما بدا خلافًا عابرًا تحول في الخفاء إلى مشروع انتقام، حيث كشفت التحقيقات أن المتهمين لم ينسوا الواقعة، وعقدوا العزم على التخلص من المجني عليه، معتبرين موقفه تهديدًا لنفوذهم داخل المنطقة.

كمين داخل الجراج وترصد مسبق

وبحسب ما ورد بأمر الإحالة الصادر من نيابة حلوان الكلية، فإن المتهمين بيتوا النية وعقدوا العزم على قتل المجني عليه، وأعدوا لذلك مخططًا إجراميًا اعتمد على تتبع تحركاته اليومية ومعرفة موعد عودته من العمل.

وفي يوم الواقعة اختبأ المتهمون داخل جراج يقع بالشارع الذي يمر منه الضحية بصورة معتادة، حاملين أسلحة بيضاء وأدوات أعدت خصيصًا لتنفيذ الجريمة، منتظرين وصوله للانقضاض عليه في توقيت محدد سلفًا.

لحظات الرعب.. هجوم جماعي لإنهاء حياته

ما إن وصل المجني عليه إلى الجراج حتى فوجئ بمجموعة من الأشخاص يحيطون به من كل جانب، ويبدأون الاعتداء عليه بصورة وحشية مستخدمين مطاوي وسنجًا وكرباجًا وحجارة وأدوات أخرى.

وتشير التحقيقات إلى أن المتهمين تناوبوا الاعتداء عليه بصورة متواصلة، مركزين ضرباتهم على الرأس والوجه وأجزاء متفرقة من الجسد، حتى سقط أرضًا وسط بركة من الدماء، بينما استمر الاعتداء عليه رغم فقدانه القدرة على المقاومة.

الأشقاء يحاولون الإنقاذ فيتحولون إلى ضحايا

لم تمر دقائق على الواقعة حتى وصلت استغاثات الجيران إلى أسرة المجني عليه، فسارع شقيقاه إلى مكان الحادث في محاولة لإنقاذه.

إلا أن المتهمين لم يكتفوا بالاعتداء على الضحية، بل وسعوا دائرة العنف لتشمل كل من حاول التدخل، فتعدوا على شقيقه الأول محدثين به إصابات متعددة بالرأس والوجه والذراع، كما تعرض باقي أفراد الأسرة للاعتداء أثناء محاولاتهم تخليصه من أيدي الجناة.

دور المتهمة الرابعة في تسهيل الجريمة

كشفت التحقيقات عن دور محوري للمتهمة الرابعة، حيث نسبت إليها النيابة العامة الاشتراك في الجريمة من خلال إلقاء الحجارة على ذوي المجني عليه ومن حاولوا التدخل لإنقاذه، بما ساعد باقي المتهمين على الاستمرار في الاعتداء وإحكام السيطرة على مسرح الجريمة.

ورغم إنكارها تلك الاتهامات خلال التحقيقات، فإن أقوال الشهود وتحريات أجهزة البحث الجنائي أكدت مشاركتها الفعلية في الأحداث.

كاميرات المراقبة تحسم الجدل

ومن بين أبرز الأدلة التي استندت إليها النيابة العامة، مقاطع الفيديو الملتقطة بواسطة كاميرات المراقبة الموجودة بمحيط الجراج.

وأظهرت المقاطع المتهمين وهم يتجمعون حول المجني عليه ويعتدون عليه باستخدام الأسلحة البيضاء، قبل أن يسقط أرضًا متأثرًا بإصاباته، كما وثقت استمرار الاعتداء عليه لفترة من الوقت، الأمر الذي دعم رواية الشهود وتحريات المباحث.

الطب الشرعي يكشف حجم المأساة

وجاء تقرير الصفة التشريحية الصادر عن مصلحة الطب الشرعي ليؤكد بشاعة الاعتداء، حيث أثبت وجود جرح قطعي كبير خلف الأذن اليسرى، وإصابات قطعية متعددة بفروة الرأس، وجروح بالوجه والأنف والعين والأذن والكتف والذراع الأيسر.

كما أوضح التقرير أن الإصابات حدثت نتيجة المصادمة بأجسام صلبة ذات حافة حادة، وهي إصابات تتفق مع الأسلحة المضبوطة بحوزة المتهمين.

وأشار التقرير إلى أن الوفاة نتجت عن تورم شديد بالنسيج المخي، وما صاحبه من انضغاط بجذع المخ نتيجة الإصابات الرضية العنيفة التي تعرض لها المجني عليه، ما أدى إلى هبوط حاد بالدورة الدموية والتنفسية وانتهى بالوفاة.

المتهمون بين الحبس والهروب

وكشفت أوراق أمر الإحالة أن قائمة المتهمين ضمت ثمانية أشخاص، بينهم أربعة متهمين محبوسين احتياطيًا على ذمة القضية وأربعة آخرون هاربون، ووفقًا للأوراق، فإن من بين المتهمين أحداثًا لم يبلغوا السن القانونية الكاملة وقت ارتكاب الواقعة، الأمر الذي استوجب تطبيق بعض أحكام قانون الطفل إلى جانب مواد قانون العقوبات.

وأسندت النيابة العامة إلى المتهمين اتهامات القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وإحراز وحيازة أسلحة بيضاء وأدوات تستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون مسوغ قانوني، بعدما كشفت التحقيقات والتحريات أنهم أعدوا مخططًا إجراميًا متكاملًا للتخلص من المجني عليه انتقامًا منه.

تقرير اجتماعي يكشف بيئة منحرفة

وفيما يخص المتهم الحدث، أعدت الخبيرة الاجتماعية المنتدبة تقريرًا بحثيًا انتهى إلى أن المتهم نشأ في بيئة أسرية واجتماعية غير مستقرة، ساهمت في اكتسابه أنماطًا سلوكية منحرفة ودفعت به إلى طريق الجريمة.

وأشار التقرير إلى أن المناخ الأسري والبيئي الذي نشأ فيه كان غير ملائم للتنشئة السوية، وأنه اكتسب من محيطه العديد من السلوكيات السلبية التي أثرت على تكوينه الشخصي، موصيًا بإيداعه إحدى جهات الرعاية والتأهيل الاجتماعي لإعادة تقويم سلوكه وإبعاده عن البيئة التي ساهمت في انحرافه.

أبو سمرة يقود الدفاع المدني عن أسرة الضحية

وخلال جلسات المحاكمة، حضر محامي النقض عصام علي أبو سمرة وكيلًا عن زوجة المجني عليه ووالدته بموجب إعلام الوراثة الرسمي، وأعلن ادعاءهما مدنيًا قبل المتهمين.

وتمسك أبو سمرة بكامل طلبات النيابة العامة، مطالبًا بتوقيع أقصى عقوبة مقررة قانونًا على المتهمين، مؤكدًا أمام المحكمة أن الواقعة تجاوزت حدود جريمة القتل التقليدية لتصبح نموذجًا خطيرًا للعنف المرتبط بانتشار تجارة المواد المخدرة وفرض النفوذ داخل المناطق السكنية.

وأضاف أن الجناة تعمدوا إرهاب أهالي المنطقة كافة، وأن الضحية دفع حياته ثمنًا لاعتراضه على ممارسات أضرت بالمجتمع وسلامة المواطنين، مطالبًا بتوقيع عقوبة الإعدام على المتهمين، كما أقام دعوى مدنية مؤقتة بمبلغ 100 ألف وواحد جنيه تعويضًا مؤقتًا عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بأسرة المجني عليه.

الجنايات تؤجل القضية إلى يوليو

وأمام محكمة جنايات القاهرة الدائرة الرابعة، قررت هيئة المحكمة تأجيل نظر القضية إلى جلسة 14 يوليو المقبل لاستكمال المرافعات والإجراءات القانونية.

وصدر القرار برئاسة المستشار جابر الجزار، وعضوية المستشارين محمد خيري ومحمد سليمان ومحمد عبد المقصود، وبأمانة سر مصطفى حسن.

وتترقب أسرة المجني عليه وأهالي منطقة بطن الجبانة بحلوان ما ستسفر عنه الجلسات المقبلة، في قضية تحولت من خلاف جيرة إلى جريمة قتل مروعة شغلت الرأي العام المحلي، بينما يبقى الحكم المنتظر كلمة العدالة الأخيرة في دماء سالت على أسفلت حلوان، وسط مطالبات واسعة بتوقيع أقصى العقوبات لردع جرائم العنف المرتبطة بتجارة وتعاطي المخدرات.

345040