رئيس التحرير
خالد مهران

سقوط عصابة التنقيب عن الآثار في القاهرة التاريخية

التنقيب عن الآثار
التنقيب عن الآثار بمنطقة الدرب الأحمر

في واحدة من القضايا التي تعكس استمرار محاولات العبث بالتراث المصري والتنقيب غير المشروع عن الآثار، نجحت أجهزة الأمن بالقاهرة في ضبط ستة أشخاص أثناء قيامهم بأعمال حفر وتنقيب داخل شقة سكنية بمنطقة الدرب الأحمر، في محاولة للوصول إلى قطع أثرية مدفونة أسفل العقار الواقع داخل نطاق القاهرة التاريخية.

القضية بدأت بمحض الصدفة أثناء مرور قوة أمنية بدائرة القسم، قبل أن تتكشف خيوط شبكة كاملة تستعين بعمال وأدوات متخصصة للحفر داخل منطقة أثرية شديدة الحساسية، الأمر الذي دفع جهات التحقيق لتشكيل لجنة أثرية لفحص الموقع وبيان طبيعة الأعمال التي تمت داخله.

اشتباه أمني يكشف بداية الخيط

أثناء مرور الرائد عبد الرحمن عاشور لتفقد الحالة الأمنية، لفت انتباهه أحد الأشخاص يسير بسرعة وعليه علامات الارتباك، بينما كانت ملابسه مغطاة بالأتربة بصورة أثارت الشكوك.

وباستيقافه وسؤاله عن سبب وجوده في المنطقة، تبين أنه من محافظة الإسماعيلية، ولم يتمكن من تقديم تفسير واضح لتواجده في ذلك التوقيت، الأمر الذي دفع القوة الأمنية إلى التوسع في مناقشته.

وخلال فحص الحقيبة التي كانت بحوزته عقب فتحها طواعية، عُثر بداخلها على أدوات غير معتادة، تضمنت قناع غطس وقناعًا واقيًا من الأتربة، إلى جانب عدد من الأزاميل الحجرية المستخدمة في أعمال الحفر والتكسير، وهو ما زاد من الشكوك حول تورطه في نشاط غير مشروع.

اعتراف يقود إلى وكر التنقيب

ومع تضييق الخناق عليه، بدأ المتهم في الإدلاء باعترافات تفصيلية، مؤكدًا أنه حضر إلى القاهرة بناءً على اتفاق مع شخص آخر يمتلك شقة بمنطقة الدرب الأحمر، وأنه تم الاستعانة به برفقة آخرين للمشاركة في أعمال التنقيب عن الآثار داخل العقار.

الاعترافات دفعت قوة من رجال المباحث إلى الانتقال الفوري لمحل الواقعة، حيث فوجئت القوة بباقي المتهمين داخل الشقة وهم يباشرون أعمال الحفر بالفعل مستخدمين أدوات ومعدات مختلفة.

كما تم العثور على معدات الحفر والتكسير المستخدمة في الواقعة، وبمواجهة المتهمين أقروا جميعًا بقيامهم بالتنقيب بحثًا عن الآثار أملًا في العثور على قطع أثرية أو كنوز مدفونة أسفل العقار.

تحريات المباحث تؤكد الواقعة

وأجرى النقيب محمد أشرف تحريات موسعة حول الواقعة، أكدت صحة المعلومات والاعترافات التي أدلى بها المتهمون، كما كشفت أن العقار يقع داخل نطاق القاهرة التاريخية، وهي منطقة تخضع لرقابة أثرية خاصة نظرًا لقيمتها التاريخية الكبيرة.

وأكدت التحريات أن أعمال الحفر كانت تتم بصورة سرية داخل الشقة الأرضية، بعيدًا عن أعين الأهالي، وأن المتهمين استعانوا بأدوات تساعدهم على العمل لفترات طويلة داخل الحفرة العميقة، وهو ما يفسر وجود أقنعة الغطس وأدوات الوقاية من الأتربة.

لجنة الآثار تكشف خطورة الموقع

وخلال التحقيقات، استعانت النيابة العامة بلجنة أثرية متخصصة لفحص موقع الحفر وبيان مدى تأثيره على المنطقة التاريخية المحيطة.

وقال كرم البدري أحمد مسعود إن اللجنة انتهت إلى أن العقار يقع بالفعل داخل نطاق القاهرة التاريخية، وأن طبيعة الحفر والأدوات المستخدمة تؤكد أن الغرض من الأعمال كان التنقيب عن الآثار.

كما أثبت التقرير الفني للجنة أن الحفرة المضبوطة تم إعدادها بطريقة احترافية نسبيًا، بما يشير إلى استمرار العمل بها لفترة زمنية ليست قصيرة، وهو ما يثير المخاوف من تعرض العقار أو العقارات المجاورة لخطر الانهيار.

حفرة ضخمة داخل دورة المياه

وكشفت معاينة النيابة العامة تفاصيل صادمة داخل الشقة محل الواقعة، حيث تبين أن العقار يتكون من غرفتين ودورة مياه وممر داخلي، بينما ظهرت آثار إهمال واضحة ووجود بعض المنقولات القديمة والتشوينات داخل المكان.

وتبين أن أعمال الحفر تركزت داخل دورة المياه، حيث عثرت النيابة على حفرة بقطر يقارب مترًا واحدًا، بينما تراوح عمقها ما بين أربعة وسبعة أمتار تقريبًا.

كما قامت النيابة العامة بإجراء معاينة تصويرية كاملة لمحل الواقعة، مع توثيق الحفرة والأدوات المضبوطة، والتحفظ عليها ضمن أدلة القضية.

القاهرة التاريخية في مواجهة خطر التنقيب العشوائي

وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة خطورة عمليات التنقيب غير المشروع عن الآثار داخل المناطق القديمة والتاريخية، خاصة في الأحياء التي يعتقد البعض أنها تخفي أسفلها آثارًا أو مقتنيات تاريخية نادرة.

وتكمن الخطورة الكبرى في أن تلك الأعمال لا تهدد فقط التراث الأثري، لكنها قد تتسبب أيضًا في انهيارات للعقارات القديمة نتيجة الحفر العشوائي أسفل المباني، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لحياة السكان.

وتواصل جهات التحقيق حاليًا استجواب المتهمين للوقوف على وجود أطراف أخرى شاركت في التخطيط أو التمويل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.