رئيس التحرير
خالد مهران

دالي الصينية.. مدينة فوق السحاب تسحر زائريها بالطبيعة والهدوء والمذاقات الفريدة

خالد مهران بمدينة
خالد مهران بمدينة دالي _ الصين

ليست هذه هي الزيارة الأولى إلى الصين، ولكن في كل مرة تتجدد فيها الرحلة، يتولد شعور مدهش ومثير بأنها المرة الأولى؛ فالصين بلد لا يتوقف عن التطور والتجدد، ويذخر بتنوع مذهل يكسر كل الأنماط.

غير أن الوجهة هذه المرة كانت استثنائية بكل المقاييس، حيث استقرت الرحلة في مدينة "دالي" الواقعة بمقاطعة "يونان" في الجنوب الغربي من البلاد.

وهي مدينة تملك سرًا خاصًا يمنح زائرها إحساسًا فوريًا منذ اللحظة الأولى بالراحة والسكينة والانتماء، وكأنها المكان والملاذ المختار الذي كان يبحث عنه المرء منذ زمن طويل.

تختلف "دالي" تمامًا عن المدن الصينية المعتادة والتقليدية التي يقصدها أغلب السائحين؛ فهي تجربة حية تدعو وافديها إلى إبطاء إيقاع الحياة المتسارع، والاتصال الحقيقي والعميق بالطبيعة من جديد. 

بحيرة "الأذن" أرخاي أو أرهاي، وجبال "كانغشان".. لوحة ربانية تعانق الغيوم تتمحور المدينة حول بحيرة ضخمة وساحرة تبلغ مساحتها 256 كيلومترًا مربعًا، ويصل طولها إلى نحو 40 كيلومترًا، بينما يتراوح عرضها بين 4 و9 كيلومترات.

بحيرة أرخاي أو أراهاي من الناحية الشرقية 
بحيرة أرخاي أو أراهاي من الناحية الغربية 

تُصنف بحيرة أرخاي أو أرهاي كـ سابع أكبر بحيرة للمياه العذبة في الصين، ونظرًا لأن شكلها يشبه الأذن البشرية، فقد أُطلق عليها اسم "بحيرة الأذن"، وتحيط بهذه البحيرة جبال شاهقة بديعة الجمال، تتميز بخضرتها وتضاريسها اللافتة والانسيابية، حيث يزيد ارتفاعها على 4000 متر عن سطح البحر، ما يجعل قممها تتهادى فوق السحاب في مناظر آسرة تخطف الأنفاس وتدفع المرء لترديد: "سبحان من أبدع".

 تنقسم "دالي" جغرافيًا إلى قسمين رئيسيين: شرقي وغربي، ولكل منهما هوية سياحية وتاريخية مستقلة: 

أولًا: القسم الشرقي.. طفرة الاستثمار وحلم المصورين والمؤثرين

يُعد القسم الشرقي هو الأصغر مساحة، وتبرز فيه ظاهرة لافتة تعكس الطفرة السياحية الهائلة التي تشهدها المدينة؛ حيث قام السكان باستغلال منازلهم المطلة على البحيرة وتحويلها إلى فنادق صغيرة(بوتيك) تمتد على طول الكورنيش وفوق الجبل الأصغر، محققين من وراء ذلك أرباحًا استثمارية كبيرة.

وفي هذه الجهة الشرقية أيضًا، توجد منتجعات سياحية رائعة ومبنية أعلى الجبل، توفر إطلالات بانورامية مذهلة على البحيرة والبيوت والجبال من ارتفاعات شاهقة.

كما تُقام فوق أسطح المباني عروض فنية مميزة، وتنتشر أماكن مجهزة لجلسات التصوير، ما جعل المدينة وجهة أولى وعاصمة لعشاق التصوير الفوتوغرافي.

 عروض فنية مميزة
 عروض فنية مميزة

 وما يلفت الأنظار ويثير الدهشة، الأعداد الغفيرة من الفتيات والنساء اللواتي يقصدن المدينة لالتقاط صور خاصة بهن وهن يتألقن بالملابس التراثية الصينية الرائعة التي تُؤجر في مختلف أنحاء المدينة.

حب التصوير بالملابس التراثية

كما باتت المدينة مقصدًا لآلاف المؤثرين (بلوجرز) على وسائل التواصل الاجتماعي لعرض لقطاتهم الفريدة، وسط تواجد ضخم لآلاف المصورين المحترفين الذين يعملون هناك دون مبالغة.

 ثلاث مدن قديمة.. حكايات التاريخ والتعايش الإنساني 

تضم "دالي" بين جنباتها ثلاث مدن قديمة مختلفة الطابع بشكل كلي: 

1. المدينة القديمة في الشرق: 

ويقبل عليها السياح بكثافة للتجول في شوارعها التاريخية، وتتميز بموقعها القريب والمباشر من ضفاف البحيرة.

المدينة القديمة الرئيسية
برج المدينة القديمة
شوارع المدينة القديمة 

2. مدينة "Shaxi" الغربية: 

تقع في الناحية الغربية وتختلف تمامًا عن المدينة الأولى "Xizhou"؛ حيث تنفرد بطراز معماري مغاير، ومساحات خضراء واسعة وممتدة، ومشاهد الخيول والطبيعة الريفية التي تقدم تجربة بصرية مغايرة تمامًا لما يراه السائح في الشرق.

 منطقة البلدة القديمة في الناحية الغربية shaxi

 3. المدينة القديمة الرئيسية (الوسط):

 وهي القلب النابض والأجمل في الرحلة؛ مدينة تاريخية مسورة بسور حجري ضخم ومهيب، وتحتاج من السائح تخصيص يوم كامل لاكتشاف تفاصيلها وعمارتها الفريدة، وشوارعها المرصوفة بالحجارة والحصى، والمكتظة بالمحلات التجارية والمطاعم. 

التنوع الديني والتعايش في قلب المدينة: 

من الملامح المدهشة داخل أسوار المدينة القديمة الرئيسية، وجود متحف "كونفوشيوس" إلى جانب كنيسة ومسجد تاريخي في مربع واحد، ويظل المسجد مفتوحًا طوال اليوم، حيث يشهد إقبالًا لافتًا من السائحين المسلمين -خاصة الوافدين من ماليزيا- إلى جانب المسلمين الصينيين من السياح وسكان دالي أنفسهم، حيث تعيش هناك تجمعات كبيرة من المسلمين في أجواء تقطر سلامًا وأمانًا وتسامحًا.

المسجد داخل المدينة القديمة
لقاء مع أسرة مسلمة داخل المسجد 

صعود فوق السحاب وتحدي الأكسجين

 تُعد جبال "كانغشان" من المزارات التي لا يمكن تفويتها؛ حيث يستقل الزوار "التلفريك" الذي يصعد بهم إلى ارتفاع 4000 متر وسط أحضان الجبل الأخضر، ليجد السائح نفسه فجأة يسير فوق السحاب، في مشهد يجمع البحيرة والجبل والغيوم الكثيفة بطريقة تعجز الكلمات عن وصفها. وفي قمة الجبل، تم تهيئة ممرات للمشي وأماكن مريحة للجلوس واستكشاف الطبيعة البكر، بجانب شلالات صغيرة للمياه العذبة وبحيرة مالونج الجبلية الرائعة في الأعلى.

رحلة صعود التلفريك إلى قمة الجبل
بحيرة مالونج

• تحدي الارتفاع:

 المفاجأة الحقيقية في هذه التجربة هي الشعور الفعلي بصعوبة مؤقتة في التنفس نتيجة الارتفاع الشاهق، خاصة وأن مدينة دالي نفسها مبنية على ارتفاع 2000 متر فوق سطح البحر.

 

انبوب اكسجين لاستخدامه اعلى قمة الجبل 
الجبل اعلي من السحاب في منظر جميل 

ولهذا السبب، يحمل الكثير من الزوار والسياح أنابيب أكسجين محمولة تساعدهم على تنظيم عملية التنفس أثناء تواجدهم في القمم المرتفعة. 

أبراج الباجودا الألفية ومعبد "تشيان شون" 

عند بداية صعود الجبل، تبرز أبراج الباجودا الثلاثة الشهيرة التي مازالت صامدة بقوة وتحدٍ منذ أكثر من ألف عام، وتتميز بدقة هندسية ومعمارية لافتة للأنظار.

ابراج باجودا الشهيرة عمرها الف عام

بينما يقع معبد "تشيان شون" البوذي على مصاطب جبلية متدرجة؛ حيث تضم كل مصطبة أو مستوى قاعة مخصصة تحتوي على تماثيل لآلهة في الديانة البوذية (مثل إله الثروة، وإله العلاج، وإله الحرب، وغيرها).

معبد "تشيان شون" البوذي 
إله الثروة والحرب وفقاً للمعتقدات البوذية 
إله الطب وفقاً للمعتقدات البوذية

وقد خضع المعبد لعملية إعادة بناء وتحديث شاملة عام 2002، ليتحول إلى قطعة فنية هندسية مدهشة ومبهرة. 

وعند الوصول إلى المستوي الأعلى، يستقر الزائر في "قاعة بوذا"، ومن شرفتها تنكشف لوحة بانورامية ساحرة تجمع في إطار واحد: البحيرة، وأبراج الباجود االثلاثة، والجبل المحيط.

أسبوع لا يكفي لفك أسرار "دالي" رغم أن التخطيط المبدئي للرحلة قد يوحي بأن 3 أيام ستكون كافية لزيارة المدينة، إلا أن الواقع يفرض نفسه؛ إذ يتفاجأ السائح بأن أسبوعًا كاملًا قد لا يكفي لاكتشاف تفاصيل "دالي" العميقة. 

فمناظر البحيرة وإطلالاتها تختلف وتتجدد من جانب إلى آخر، وكذلك تضاريس الجبال.

ويجد الزائر نفسه يقع في حب المدينة يومًا بعد يوم، مستمتعًا بحالة غير مسبوقة من الاسترخاء والراحة النفسية ناتجة عن الاتصال المباشر بالطبيعة، لا سيما مع حرص السلطات على غياب الأبراج الخرسانية الشاهقة أو الجسور والكباري الضخمة التي قد تشوه المشهد الطبيعي؛ حيث نجحوا في الحفاظ على السحر البكر الكامل للمدينة، لتصبح الإجازة هناك تجربة تستحق عناء السفر. 

مبني عتيق تراثي كان معبد وتحول إلى معرض

سياحة المذاق: طبق الـ 10 مشروم، كعك الورد، وثورة القهوة 

أثناء التجول في شوارع "دالي" الهادئة والجميلة، يلتقي السائح بباعة يقدمون منتجات ومأكولات متنوعة، ورغم الصعوبة الأولية في معرفة طبيعة ومكونات بعض الأكلات، إلا أنها غالبًا ما تنال إعجاب وتذوق السياح.

محل بيع كعك محشوة بالورد

• طبق المشروم الأسطوري:

 تشتهر المدينة بتنوع هائل وبيئة خصبة لنمو الفطريات والمشروم بأشكال وأحجام مختلفة. ويُعد طبق المشروم المحلي من أهم الأكلات الأساسية هناك، حيث يتم إعداد وطهي أكثرمن عشرة أنواع مختلفة من المشروم في طبق واحد يقدم مذاقًا ممتازًا ومبتكرًا.

طبق المشروم في أحد المطاعم

 • كعك الورد والمقرمشات:

 من أغرب المذاقات وألذها كعك الورد؛ إذ تمتاز دالي بصناعة كعك محشو ويدخل في تركيبه الورد الأحمر الطبيعي، إلى جانب تشكيلة واسعة من المقرمشات المحلية الخاصة بالمدينة.

اثناء تصنيع كعك الورد 
كعك الورد 
كعك الورد 
كعك الورد 

 

كعك الورد

• ثورة المقاهي الصاعدة:

 من الظواهر اللافتة في دالي كثرة المقاهي ومحال القهوة مقارنة بمحال الشاي، على عكس الصورة الذهنية النمطية المستقرة عالميًا بأن الصين بلد الشاي التاريخي. ويبدو أن هناك تحولًا ثقافيًا واجتماعيًا كبيرًا يحدث حاليًا، حيث تنتشر المقاهي بشكل متسارع، وتشتهر دالي تحديدًا بتقديم بعض من أفضل وأجود أنواع القهوة في الصين بأكملها.

محل للقهوة 

 ثقافة المطبخ الصيني:

شهي، ممتع، وصحي للغاية أثبتت التجربة السياحية في الصين أن لكل مقاطعة صينية هويتها ومطبخها الخاص، ولها طرقها المستقلة تمامًا في الطهي والبهارات والصلصات.

وفي الوقت الحالي، يفضل الكثير من الصينيين شراء الطعام الجاهز نظرًا لساعات العمل الطويلة والشاقة التي يقضيها الزوج والزوجة معًا خارج المنزل، وهو ما يفسر الازدهار والنمو الكبير لقطاع المطاعم هناك.

وفي دالي، تبرز الأسماك أيضًا كطبق رئيسي يُقدم بطرق متعددة ومميزة إلى جانب طبق المشروم.

وبشكل عام، فإن المطبخ الصيني غني ومبهر؛ فإذا كنت برفقة صديق صيني يدرك تفضيلاتك في الطعام وما تحبه أو تكرهه، فستتناول وجبات صينية شهية ولذيذة تفوق توقعاتك.

وتعتمد الكثير من المطاعم هناك على مفهوم طهي وإعداد الطعام مباشرة أمام الزبائن على الطاولة، وهي تجربة تفاعلية ممتعة تختلف تمامًا عن ثقافتنا العربية التقليدية في تقديم الطعام.

وإذا كان السائح منفتحًا على التجربة ومستعدًا لاكتشاف الجديد، سيكتشف أن الطعام الصيني لذيذ للغاية، بعيدًا عن الأفكار النمطية والمسبقة الناتجة عن شكل بعض الأكلات الغريبة أو أسمائها؛ فتناول بعض الصينيين لأطعمة غير مألوفة كالتمساح أو الضفادع أو الثعابين، لا يعني أبدًا خلو المطبخ الصيني من أطباق شهية وعالمية تستحق التجربة.

 • شهادة صحية من واقع التجربة:

 من خلال التجربة الشخصية (عبر طلب لحوم أو دجاج أو أسماك بمذاق غير حار)، جاءت الأطعمة مبتكرة ولذيذة.

 والأهم من ذلك هو التأكيد على سلامة وصحة الطعام الصيني؛ حيث لم تتسبب الوجبات في أي عوارض صحية مثل الانتفاخات، أو الغازات، أو آلام المعدة، أو ارتجاع المريء، مما يثبت بالدليل القاطع أن المطبخ الصيني ليس شهيًا فقط، بل هو مطبخ صحي بامتياز يعتمد على مكونات طازجة. 

الطعام الصيني
الطعام الصيني فبل طهيه في الصين
الطعام الصيني
الطعام الصيني

جودة الطقس، التنظيم الصارم، وغياب الإزعاج:

لم تتوقف الملاحظات الإيجابية عند جودة الغذاء، بل امتدت لتشمل الحالة الصحية العامة؛ حيث لوحظ اختفاء تام لأعراض الجيوب الأنفية طوال فترة الرحلة، وهو مؤشر واضح ودليل قاطع على جودة الهواء ونقاء الطقس في دالي، وخلو الأجواء من المؤثرات والمثيرات البيئية التي تسبب المتاعب لمرضى الحساسية والجيوب الأنفية.

ومع ذلك، وجب التنويه إلى أن ارتفاع المدينة الكبير عن سطح البحر يؤثر نسبيًا على القدرة التنفسية خلال أول يومين فقط من الزيارة، حتى يعتاد الجسم على الأجواء المرتفعة، وقد يشعر الزائر ببعض الإرهاق الطبيعي الناتجة عن المشي لمسافات طويلة أثناء استكشاف الشوارع الساحرة.

 • هدوء الليل وترشيد الطاقة:

 من الملاحظات الغريبة واللافتة في دالي،أن الظلام الدامس يخيّم على المدينة ليلًا، في خطوة تبدو وكأنها نوعمن ترشيد الطاقة المستدام؛ إذ يعتمد المشهد الليلي أساسًا على لوحات ومطالع المطاعم والإعلانات التجارية مع إضاءة خافتة جدًا للشوارع.

 ورغم وجود نشاط ترفيهي متاح لمحبي السهر، إلا أن المدينة تبدو وكأنها مصممة بشكل طبيعي لتنام مبكرًا، حتى يستيقظ الجميع بصحة حادة ونشاط لمواصلة الاستكشاف.

عاصمة الأمان والترحاب السياحي رغم أن المدينة تكون مكتظة ومزدحمة بالسياح من مختلف الجنسيات، إلا أنك لا ترى على الإطلاق أي مظاهر للمتسولين أو المشردين، وتختفي تمامًا محاولات النصب أو الإلحاح التجاري المضايق للبيع، بل على العكس؛ يجد السائح احترامًا شديدًا وتقديرًا ومعاملة راقية طوال فترة إقامته. وفي النهاية، يمكن القول إن "دالي" التي تتميز حتى في اسمها بسهولة وقصر ووقع جميل على الأذن بخلاف الأسماء الصينية المعقدة الأخرى- تنطلق اليوم بسرعة الصاروخ لتتبوأ مكانة الصدارة على خريطة السياحة الصينية والعالمية. إنها مدينة خُلقت خصيصًا لتمنح الإنسان سلامًا داخليًا ونفسيًا نادرًا، وفرصة مثالية للهروب من صخب الحياة الحديثة والعودة الحقيقية لأحضان الطبيعة والهدوء والجمال الشاعري.