رئيس التحرير
خالد مهران

بسبب زواج سري.. المؤبد لسفاح المشروع الأمريكي بحلوان

محكمة جنايات القاهرة
محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار جابر الجزار

لم تكن ليلة الثالث من يونيو 2025 عادية داخل منطقة المشروع الأمريكي بالمجاورة الثانية في حلوان، فالخلافات العائلية التي تراكمت لسنوات داخل إحدى الأسر انفجرت بصورة دامية، وانتهت بسقوط قتيلين في مشهد مأساوي تحول إلى واحدة من أبشع الجرائم الأسرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

القضية التي شغلت الرأي العام بحلوان انتهت بحكم قضائي بالسجن المؤبد ضد المتهم أيمن سعد أبو النور محمد، بعد إدانته بقتل شقيقة زوجته “أمنية محمود إبراهيم أبو علي”، وابنها “أيمن جمال رزق الشافعي”، باستخدام سلاح أبيض “مطواة قرن غزال”.

وأصدرت محكمة جنايات القاهرة الدائرة الرابعة حلوان حكمها برئاسة المستشار جابر الجزار، وعضوية المستشارين محمد خيري، ومحمد سليمان، ومحمد عبد المقصود، وأمانة سر مصطفى حسن، بعد جلسات استمعت خلالها المحكمة إلى اعترافات المتهم وتحريات المباحث وشهادات الشهود وتقارير الطب الشرعي.

من بني سويف إلى حلوان.. رحلة حياة انتهت بجريمة

خلال التحقيقات التي أجراها المستشار حسام الدين عمر وكيل النائب العام بحلوان، كشف المتهم تفاصيل حياته الاجتماعية والأسرية، محاولًا تفسير الطريق الذي قاده إلى ارتكاب الجريمة.

وقال المتهم إنه من مواليد محافظة بني سويف، وتحديدًا قرية ميدوم التابعة لمركز الواسطى، حيث عاش طفولته حتى المرحلة الإعدادية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة بناءً على رغبة والده الذي كان يعمل بشركة أسمنت طرة.

وأوضح أن أسرته انتقلت بالكامل إلى القاهرة، وهناك بدأ حياته العملية، قبل أن يتزوج من “زينب” بناءً على اختيار والده لها باعتبارها من الجيران، وأنجب منها أربعة أبناء هم عبير، وآية، وكريم، وآدم.

وأكد المتهم أن حياته الأسرية كانت مستقرة نسبيًا في البداية، لكن الخلافات بدأت تتفاقم مع مرور السنوات بسبب تدخل أهل زوجته في تفاصيل حياته الخاصة، على حد قوله.

الابنة الكبرى.. بداية الأزمة الحقيقية

حسب اعترافات المتهم، فإن جذور الانفجار الأسري بدأت مع ابنته الكبرى “عبير”، التي قال إنها كانت تقيم أغلب الوقت لدى جدتها، والدة زوجته، منذ سنوات الدراسة الإعدادية.

وأوضح أن إقامتها المستمرة مع أسرة والدتها جعلتها تتأثر بآرائهم ومواقفهم ضده، مؤكدًا أن العلاقة بينه وبين ابنته بدأت في التدهور تدريجيًا حتى شعر بأنه “مهمش” داخل أسرته.

وقال المتهم إن أهل زوجته كانوا ينقلون لابنته صورة سلبية عنه باستمرار، وهو ما خلق فجوة نفسية وعاطفية بينه وبينها.

خطوبة تحولت إلى معركة عائلية

الخلاف تصاعد بصورة أكبر عندما تقدم “علاء”، نجل شقيقة المتهم، لخطبة عبير قبل نحو عامين.

في البداية وافق الأب على الخطبة، وتم الاتفاق على الزواج، لكن الأمور تغيرت لاحقًا مع استمرار إقامة ابنته لدى جدتها وازدياد الخلافات العائلية.

وأشار المتهم إلى أن ابنته تعرفت خلال تلك الفترة على فتاة ، كانت تقيم مع الأسرة بعد طردها من منزل أهلها، معتبرًا أن وجودها ساهم في زيادة تمرد ابنته عليه.

ومع تصاعد الأزمة، قرر المتهم فسخ الخطوبة بشكل نهائي، وأبلغ شقيقته بإعادة الشبكة وإنهاء مشروع الزواج، مؤكدًا أنه لم يعد موافقًا على زواج ابنته من نجل شقيقته.

“اتجوزت من ورايا”.. لحظة الانفجار

الشرارة الكبرى جاءت عندما اكتشف المتهم أن أسرته أخفت عنه ترتيبات زواج ابنته.

وقال في اعترافاته إنه ذهب إلى منزل حماته بحثًا عن زوجته وأبنائه فلم يجد أحدًا، وعلم من الجيران أن سيارات جاءت واصطحبتهم، فبدأ يشك في أن الزواج يتم دون علمه.

وتوجه فورًا إلى محافظة بني سويف حيث يقيم العريس وأسرته، ليكتشف أن حفل الزفاف أُقيم بالفعل.

وأوضح أنه حاول مقابلة العريس وطرق باب شقته مرارًا دون استجابة، كما حاول الاستعانة بأقاربه لكنه شعر بالعزلة والخذلان، قائلًا في التحقيقات:
“خدت بعضي ومشيت وأنا مكسور”.

تراكم الغضب داخل المنزل

اعترف المتهم بأن شعوره بفقدان السيطرة على أسرته كان يتزايد يومًا بعد يوم، خاصة مع انحياز الأبناء لوالدتهم ووقوف أهل الزوجة ضدّه في أغلب الخلافات.

وقال إن كل ذلك خلق بداخله حالة من الغضب والاحتقان النفسي، جعلت أي احتكاك جديد مرشحًا للانفجار.

يوم الدم.. كيف بدأت الجريمة؟

في يوم الواقعة، عاد المتهم من عمله حوالي السابعة مساءً، وتوجه إلى محل الألبان الذي يعمل فيه نجله “كريم” لشراء بعض احتياجات المنزل.

وهناك دار حديث بين الأب والابن، أخبر خلاله كريم والده بأنه يخشاه بسبب اعتدائه المتكرر على والدته وإخوته.

واعترف المتهم بأنه صفع نجله على وجهه، ما دفع الأخير للهرب إلى منزل جدته.

عاد المتهم بعد ذلك إلى شقته وجلس بمفرده، قبل أن يفاجأ بعد نحو نصف ساعة بطرق عنيف على الباب.

مواجهة داخل الشقة

عند فتح الباب، فوجئ المتهم بالمجني عليه “أيمن جمال رزق الشافعي”، نجل شقيقة زوجته، يقف أمامه في حالة غضب شديد بسبب اعتدائه على “كريم”.

وبحسب الاعترافات، قال المتهم لابن شقيقة زوجته: “كريم ابني وأنا حر فيه”.

لكن الحوار تحول سريعًا إلى اشتباك بالأيدي، أكد المتهم خلاله أن المجني عليه اعتدى عليه وضربه في الوجه، ثم حاول طعنه بمطواة.

وقال إنه دخل معه في حالة شد وجذب عنيفة، أصيب خلالها بجرح في يده، قبل أن يتمكن من انتزاع المطواة من يد المجني عليه.

طعنات قاتلة

أوضح المتهم أنه بعدما سيطر على السلاح الأبيض، حاول المجني عليه مهاجمته مرة أخرى، فقام بطعنه أولًا في الكتف الأيسر.

وأضاف أنه عندما لم يتراجع، سدد له طعنتين أخريين في الصدر، ما تسبب في نزيف حاد وانهياره.

وأكد تقرير الطب الشرعي أن الإصابات أحدثت قطعًا بالرئة اليمنى والوسطى ونزيفًا دمويًا بالتجويف الصدري، ما أدى إلى وفاة المجني عليه.

الجريمة الثانية في الشارع

بعد الواقعة الأولى، أغلق المتهم باب الشقة ونزل إلى الشارع وسط تجمع الجيران.

وهناك ظهرت المجني عليها “أمنية محمود إبراهيم”، شقيقة زوجته، وبرفقتها والدتها “محاسن”، وكانت تحمل حزامًا وتحاول الاعتداء عليه، حسب روايته.

وقال المتهم إنه حاول إبعادها وضربها على الكتف بالمطواة، لكنه وجه إليها ضربتين في الرقبة تسببتا في سقوطها أرضًا غارقة في دمائها.

وأكد تقرير الطب الشرعي أن الطعنتين أحدثتا قطعًا بالشريان السباتي الأيسر ونزيفًا دمويًا غزيرًا أدى إلى وفاتها.

شهادات الجيران.. “خرج ممسكًا بالمطواة”

الشاهد أحمد سيد محمد سعد، أحد سكان العقار، أكد أمام المحكمة أنه سمع صرخات واستغاثات، وعندما خرج شاهد المجني عليه ينزف أثناء خروجه من العقار، بينما كان المتهم يخرج خلفه ممسكًا بمطواة قرن غزال.

وأضاف أن المتهم أخبره بأن المجني عليه حضر لمنزله حاملًا سلاحًا أبيض، فانتزعه منه وطعنه.

كما أكد الشاهد أن المجني عليها “أمنية” حضرت بعد ذلك برفقة والدتها، ووقعت مشادة جديدة انتهت بقيام المتهم بطعنها.

فيديو وتحريات واعترافات

اعتمدت المحكمة في إدانة المتهم على اعترافاته التفصيلية، وتحريات مباحث قسم شرطة حلوان، وتقارير الطب الشرعي، والمعاينة التصويرية، وأقوال الشهود، ومقطع فيديو وثق جزءًا من الواقعة.


وأكدت التحريات أن المتهم كان يقصد إزهاق روح المجني عليهما، وأنه استخدم مطواة دون أي مسوغ قانوني.

المحكمة: الجريمتان ارتبطتا بهدف واحد

في حيثيات الحكم، أكدت المحكمة أن الجريمتين ارتبطتا ببعضهما ارتباطًا لا يقبل التجزئة، ووقعتا لغرض جنائي واحد، ما استوجب تطبيق المادة 32 من قانون العقوبات.

ورغم بشاعة الواقعة، استخدمت المحكمة الرأفة مع المتهم وفق المادة 17 من قانون العقوبات، واستبعدت عقوبة الإعدام، مكتفية بالسجن المؤبد.

كما قررت إحالة الدعوى المدنية الخاصة بالتعويضات إلى المحكمة المدنية المختصة.

جريمة تكشف خطورة الانفجار الأسري

القضية أعادت فتح ملف العنف الأسري والخلافات الممتدة داخل بعض العائلات، وكيف يمكن لتراكم الأزمات النفسية والعائلية أن يتحول في لحظات إلى نزيف دم.

ويرى متابعون أن ما حدث في المشروع الأمريكي بحلوان لم يكن مجرد مشاجرة عابرة، بل نتيجة سنوات من الاحتقان والخلافات والتدخلات العائلية، انتهت بجريمة مأساوية دفعت ثمنها أسرة كاملة.