رئيس التحرير
خالد مهران

بعد الضربات الرقابية الحاسمة من «المركزى»..

هل تتهرب البنوك من تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟

البنوك المصرية
البنوك المصرية

في وقت تسعى فيه الدولة إلى توجيه السيولة نحو القطاعات الإنتاجية، يبرز سلوك بعض البنوك بالتحايل أو التباطؤ في الالتزام بالنسب التي قررها البنك المركزي المصري لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كأحد التحديات التي تهدد كفاءة السياسة النقدية وأهداف التنمية، وهو ما ينعكس سلبًا على معدلات النمو والشمول المالي ويؤخر دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية.

ويفرض البنك المركزي على جميع البنوك التي تعمل في السوق المحلية، تخصيص ما لا يقل عن 25% من محافظها الائتمانية لتمويل قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع اشتراط تخصيص 10% من هذه النسبة للمشروعات الصغيرة تحديدًا لضمان وصول السيولة إلى الفئات الأكثر احتياجًا للتمويل، ولا تقتصر التعليمات على الجانب التمويلي فحسب، بل تمتد لتلزم المؤسسات المصرفية بإنشاء إدارات متخصصة وتأهيل كوادر بشرية قادرة على دراسة احتياجات هذه المشروعات وتقديم الدعم الفني اللازم لها بدلًا من الاكتفاء بمنح القروض.

إجراءات تصحيحية قاسية

وفي إطار تفعيل هذه السياسات، بدأت السلطات الرقابية -خلال الأيام القليلة الماضية- تطبيق غرامات مالية مؤثرة وإجراءات تصحيحية قاسية على البنوك التي أثبتت التقارير الدورية عدم وفائها بالنسب المطلوبة، حيث تضمنت هذه الإجراءات إلزام البنوك الكبرى المخالفة بغرامات أو إيداع مبالغ ضخمة كودائع دون عائد لدى البنك المركزي، مما يمثل ضغطًا على هوامش ربحية تلك البنوك ويدفعها إلى إعادة النظر في سياساتها الائتمانية بشكل عاجل.

طموح تنظيمي لدعم الشمول المالي

وفي هذا السياق، قال هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، إن ضوابط البنك المركزي بشأن إلزام البنوك بتخصيص 25% من محافظها الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر تمثل طموحًا تنظيميًا مهمًا لدعم الشمول المالي، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بتحديات تشغيلية واقتصادية معقدة داخل القطاع المصرفي.

وأضاف «أبو الفتوح» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن البنك أصبح بين تكلفة إيداع تصل إلى 19%، وبين إلزامية تمويل مشروعات ناشئة بفائدة مدعومة «5% أو 8%» تتحمل وزارة المالية فرق تكلفتها، بينما تظل مخاطر التعثر وكلفة التشغيل بالكامل على عاتق ميزانية البنك.

وتابع: «تجميد السيولة لدى البنك المركزي بلا عائد يظل أهون الشرين بالنسبة للبنوك، فخسارة الفرصة البديلة أقل كلفة من الدخول في مخاطر ائتمان مرتفع التعثر وتكاليف تشغيل ضخمة في بيئة أسعار فائدة مرتفعة تضغط على هوامش الربحية».

وأوضح «أبو الفتوح»، أن البنك يجرى معادلة بسيطة، حول ضخ أموالًا في قطاع يتطلب بنية استعلام ميدانية وتكاليف تشغيل باهظة للوصول لعملاء أغلبهم خارج السجلات الائتمانية الرسمية، أم يتقبل تجميد السيولة لدى المركزي ككلفة عدم التزام ثابتة؛ لذلك في كثير من الأحيان يظل التجميد ــ رغم قسوته ــ خيارًا آمنًا للميزانيات مقارنة بضخ سيولة في ائتمان مرتفع المخاطر لا يغطيه نظام الاستعلام المركزي وحده.

وأشار إلى أن الأزمة ليست في النسبة إنما في منافسة أذون الخزانة لسيولة البنوك بعائد يقترب من 29%؛ فالبنوك تختار أمان وسهولة الاستثمار في أدوات الدين المحلية على تعقيدات ومخاطر تمويل المشروع الصغير.

وواصل: «هنا يصبح العزوف عن الإقراض سلوكًا منطقيًا لإدارة المخاطر وحماية المودعين وليس تقاعسًا عن الدور التنموي، ولتحويل هذا الإلزام التنظيمي إلى واقع، تبرز ضرورة تبني حلول جذرية، تبدأ بتحويل حصيلة السيولة المجمدة لدى المركزي إلى صناديق ضمان ائتماني بدلًا من بقائها أرصدة معطلة لا يستفيد منها الاقتصاد، مع ضرورة تفعيل دور وزارة المالية في سرعة سداد فروق التكلفة لضمان سيولة البنوك وتقليل الأعباء الإدارية للوصول للفئات المهمشة».

واختتم الخبير المصرفي، قائلًا إن نسبة الـ25% تظل هدفًا تنمويًا مهمًا، لكن نجاحها يتوقف على قدرة السياسة النقدية على التحول من دور رقابي تقليدي إلى دور تحفيزي يضمن تدفق الائتمان دون الإضرار بتوازن وربحية القطاع المصرفي حتى يجد أصحاب المشروعات الصغيرة البنك شريكًا حقيقًا بدلًا من وضعهم في قوائم الاعتذار.