بسبب الحرب.. أزمة ارتفاع أسعار الأسمدة تهدد بخراب بيوت الفلاحين
في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط على المزارعين، لم تعد أزمة ارتفاع أسعار الأسمدة مجرد أرقام تُتداول في التقارير، بل أصبحت واقعا يوميا يعيشه الفلاح في الحقل.
خلال الأيام الأخيرة، شهدت الأسواق زيادات حادة في أسعار بعض الأنواع الأساسية، حيث ارتفع طن اليوريا من نحو 23 ألف جنيه إلى قرابة 30 ألف جنيه، بينما قفزت أسعار الأسمدة البوتاسية بنسب متفاوتة وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 25%.
هذه القفزات السريعة لم تترك مجالا للتكيف، بل وضعت المزارعين أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في الزراعة أو تقليل المساحات المزروعة لتجنب الخسائر، وهو ما ينذر بتداعيات أوسع على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء في الفترة المقبلة.
في وقتٍ تعاني فيه الأسر المصرية بالفعل من ضغوط اقتصادية متزايدة، جاءت هذه الزيادات لتدق ناقوس خطر جديد يهدد استقرار أسعار الغذاء، فمع قفزة وصلت إلى نحو 30% في السوق المحلية، لم يعد الأمر مجرد تغير في تكلفة أحد مدخلات الإنتاج الزراعي، بل تحول إلى مؤشر مبكر على موجة تضخمية قد تمتد آثارها إلى كل مائدة مصرية.
هذه الزيادة التي جاءت مدفوعة بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المورد لمصانع الأسمدة، تكشف عن تعقيدات أعمق في بنية الاقتصاد الزراعي، حيث تتداخل عوامل محلية وعالمية لتشكّل في النهاية عبئا إضافيا على الفلاح والمستهلك على حد سواء.
ففي نهاية الأسبوع الماضي، قفزت أسعار الأسمدة في السوق الحرة من نحو 23 ألف جنيه للطن إلى ما يقارب 30 ألف جنيه، مدفوعة بزيادة تكلفة الغاز الطبيعي الذي يمثل نحو 55% من إجمالي تكلفة الإنتاج، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الطاقة عالميًا بسبب حرب التي تواجهها المنطقة.
ولم يكن هذا الارتفاع معزولا عن السياق الدولي، إذ شهدت أسعار اليوريا قفزات كبيرة في الأسواق العالمية لتتراوح بين نحو 694 و795 دولارا للطن، مقارنة بمستويات كانت تدور بين 400 و490 دولارا قبل التوترات الأخيرة.
كما ساهم اتجاه بعض الشركات إلى التصدير، في ظل ارتفاع الطلب العالمي وتعطل بعض الإمدادات، في تقليص المعروض داخل السوق المحلية، ما زاد من الضغوط على الأسعار.
ورغم استمرار توريد ما بين 20 إلى 25% من الإنتاج إلى الجمعيات الزراعية بأسعار مدعمة تصل إلى نحو 6 آلاف جنيه للطن، فإن محدودية هذه الكميات تدفع المزارعين إلى اللجوء للسوق الحرة لتغطية احتياجاتهم الفعلية، وهو ما يضاعف من أعبائهم المالية.
وتكمن خطورة هذه الزيادات في أنها لا تتوقف عند حدود الحقل، بل تمتد آثارها إلى كل مراحل الإنتاج الغذائي. فالسماد يمثل عنصرا أساسيا في الزراعة، وأي ارتفاع في تكلفته ينعكس مباشرة على تكلفة المحاصيل، ما يدفع الفلاح إلى رفع أسعار منتجاته لتعويض هذه الزيادة.
ومع انتقال هذه الزيادات عبر سلسلة الإنتاج، تبدأ أسعار الخضروات والفواكه في الارتفاع، ثم تمتد إلى الأعلاف، ومن ثم إلى الدواجن والبيض واللحوم، لتتشكل في النهاية موجة تضخمية شاملة يتحملها المستهلك النهائي.
شكاوى الفلاحين
وقال الحاج عبدالسلام، مزارع من محافظة المنيا، إن «اللي بناخده من الجمعية الزراعية ما بيكفيش نص الأرض، والباقي بنجيبه من السوق الحر بأسعار غالية جدا، وده بيخلينا نزرع وإحنا مش ضامنين نكسب ولا نخسر».
وأضاف أن تكلفة الفدان ارتفعت هذا الموسم بشكل غير مسبوق، خاصة مع ارتفاع أسعار السولار والنقل إلى جانب الأسمدة.
أما «محمود»، مزارع من محافظة البحيرة، فيصف الوضع بأنه «بقى صعب جدًا»، موضحا أن «سعر الشيكارة زاد فجأة، وإحنا مش بنعرف نحسب تكاليفنا من الأول، كل يوم في سعر جديد، وفي الآخر التاجر هو اللي بيكسب والفلاح بيتعب وخلاص».
وأضاف أن بعض المزارعين بدأوا بالفعل في تقليل المساحات المزروعة أو الاتجاه لمحاصيل أقل تكلفة، حتى لو كانت أقل ربحية.
تضخم غذائي ممتد
وفي هذا السياق، أكد الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع أسعار الأسمدة هو أحد أخطر المؤشرات المبكرة على تضخم غذائي ممتد، موضحا أن الزراعة قطاع حساس يعتمد بشكل كبير على مدخلات مستوردة أو مرتبطة بأسعار عالمية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي.
وأشار إلى أن أي زيادة في هذه المدخلات تنتقل تدريجيا عبر سلاسل الإنتاج لتصل في النهاية إلى المستهلك، وهو ما يفسر العلاقة المباشرة بين أسعار الطاقة والغذاء.
وأضاف «خضر»، أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل بقدرة السوق على امتصاص هذه الصدمات، مشيرا إلى أن تراجع القوة الشرائية للمواطنين يجعل أي زيادة لو كانت محدودة ذات تأثير مضاعف.
احتياجات السوق المحلية
من جانبه، أكد الخبير في الاقتصاد الزراعي الدكتور محمود عبدالعزيز، أن الدولة تواجه تحديًا حقيقيًا في تحقيق التوازن بين تأمين احتياجات السوق المحلية والحفاظ على موارد النقد الأجنبي.
وأوضح أن قطاع الأسمدة يمثل فرصة مهمة لجلب العملة الصعبة في ظل الطلب العالمي المرتفع، لكن الاعتماد المفرط على التصدير دون ضبط السوق المحلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة معدلات التضخم.
وأشار إلى أن الحل لا يكمن في إيقاف التصدير بشكل كامل، بل في إدارة ذكية للموارد، من خلال زيادة الكميات المخصصة للسوق المحلية، وتحسين منظومة التوزيع لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، إلى جانب فرض رقابة صارمة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.


