الدكتور أحمد على عثمان يكتب: سيناء.. في الفكر الموسوعي
سيناء آية من القرآن، وفقرة من التوراة والإنجيل، وصفحة من التاريخ والكون، وقطرة من دم شهيد.
من فرط في حبة رمل من سيناء، فرط في آية ربانية كونية، وصفحة من التاريخ، وقطرة من دم الشهيد.
سيناء في الفكر الموسوعي من الدين والتاريخ والجغرافيا والطب والسياحة والجهاد.. أرض الفيروز جمعت المجد من كل أطرافه.
لماذا نبدأ بالدين قبل الجغرافيا؟
في فكر موسوعتي، لا تُقاس الأوطان بالكيلومترات، بل بالقداسة، وسيناء قبل أن تكون بوابة مصر الشرقية، كانت بوابة السماء إلى الأرض. لذلك نبدأ بالجانب الديني، لأن كل ما بعده من تاريخ وجغرافيا وعلم إنما هو تفسير لهذا الشرف من الله سبحانه وتعالى لسيناء.
أولًا: سيناء من الجانب الديني.. الأرض المقدسة
سيناء هي الأرض الوحيدة التي تجلى الله عليها بنوره، وذكرها القرآن صراحة 18 مرة، وذكرت في التوراة والإنجيل باسم برية سين.
مهبط الوحي: كلم الله موسى تكليمًا على جبل الطور
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم:52]
الوادي المقدس طوى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:12]
مرور العائلة المقدسة: عبرت السيدة مريم والمسيح عليه السلام سيناء في رحلتهم إلى مصر.
طريق الحج القديم: مر بها الأنبياء والحجاج من الشام إلى مكة.
شجرة الزيتون المباركة: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون:20]
سيناء وجبل الطور في القرآن الكريم
سيناء هي البقعة الوحيدة على الأرض التي أقسم الله بها مرتين، وذكرها باسمها الصريح، وهذا شرف لم تنله بقعة أخرى.
الآية السورة الدلالة
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾
التين: 1-2
قسمٌ إلهي بجبل الطور "سينين" أي المبارك، وقرن بالتين والزيتون لشرف البقعة
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾
المؤمنون: 20
ذكر "طور سيناء" صراحة. والشجرة المباركة معجزة إلهية، زيتها صبغ ونور ودواء، تحتاج إلى بحث علمي موسوعي
﴿وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾
التين: 2-3
ربط الله بين الطور ومكة المكرمة، فكلاهما أرض وحي ومقدسات
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾
مريم: 52
تكليم الله لموسى عليه السلام على الطور
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾
طه: 12
الوادي المقدس طوى في سيناء، وهو أول أمر إلهي لموسى
﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾
القصص: 44
الجانب الغربي هو جبل الطور في سيناء
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾
البقرة: 63
معجزة رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل
﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾
الطور: 1-2
سورة كاملة باسم "الطور" بدأت بقسم
إلهي بالجبل
جبل الطور ملاذ المؤمنين آخر الزمان.
وقد أجاز بعض السلف من العلماء شد الرحال إلى طور سيناء للتبرك بمكان كلم الله فيه موسى. قال كعب الأحبار: أحب البقاع إلى الله طور سيناء
حديث تجلي الله للجبل:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قرأ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:143] قال: هكذا ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل
[رواه أحمد: 12555، والترمذي].
والجبل هو جبل الطور في سيناء.
حديث الأربعين يومًا:
قال ﷺ: “واعد الله موسى أربعين ليلة، فتم ميقات ربه أربعين ليلة”، وكان ذلك على جبل الطور حيث أنزلت التوراة
[البخاري: 3398]
وسيناء بوابة الشام المباركة، ومدخل مصر الآمنة.
لماذا أقسم الله بطور سيناء؟
قال الإمام القرطبي: "أقسم الله بالطور لأنه الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وناجاه، وأوحى إليه، فهو أشرف الجبال".
وقال ابن كثير: "طور سينين هو طور سيناء، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون".
سيناء أرضٌ لها خصوصية دينية لا تضاهيها بقعة أخرى إلا مكة والمدينة والقدس. فهي:
أرض كلام الله
أرض التجلي
أرض المواثيق
أرض مقسم بها
فمن دنسها خائن، ومن حررها مجاهد، ومن عمرها مؤمن بقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:99]
ثانيًا: سيناء في الجغرافيا والمكان
سيناء هي بوابة مصر الشرقية، وجسر التواصل بين قارتي آسيا وإفريقيا. تبلغ مساحتها 61 ألف كم²، أي 6% من مساحة مصر. يحدها شرقًا خليج العقبة وإسرائيل، وغربًا خليج السويس وقناة السويس، وشمالًا البحر المتوسط، وجنوبًا البحر الأحمر.
تضاريسها معجزة ربانية:
شمالًا: سهول رملية خصبة صالحة للزراعة.
وسطًا: هضاب جيرية وجبال الطور.
جنوبًا: سلاسل جبلية جرانيتية شاهقة، فيها جبل كاترين 2642م أعلى قمة في مصر، وجبل موسى 2285م مهبط الوحي.
ثالثًا: سيناء في التاريخ.. أرض الحروب والبطولات
العصر الحدث الأبرز
مصر القديمة مناجم الفيروز والنحاس في سرابيط الخادم ووادي المغارة. طريق حورس الحربي
الروماني دير سانت كاترين 337م، أقدم دير عامل في العالم
الإسلامي فتحها عمرو بن العاص 640م. طريق الحج المصري. قلعة صلاح الدين في طابا
الحديث 1956: العدوان الثلاثي. 1967: الاحتلال الإسرائيلي. 1973: حرب أكتوبر وعبور القناة. 1979: معاهدة السلام. 25 أبريل 1982: تحرير سيناء كاملة عدا طابا. 19 مارس 1989: عودة طابا بالتحكيم الدولي
24 أبريل: هو يوم استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982 تمهيدًا لرفع العلم المصري على رفح والعريش يوم 25 أبريل، عيد تحرير سيناء.
رابعًا: سيناء في الجانب العلمي والجيولوجي
كنز المعادن: الفيروز، النحاس، المنغنيز، الفحم، الرخام، الرمال البيضاء لصناعة الزجاج والرقائق الإلكترونية.
ثروة بترولية: حقول بلاعيم وأبو رديس تنتج 25% من بترول مصر.
التنوع البيولوجي: محميات رأس محمد، نبق، أبو جالوم، سانت كاترين. تضم 472 نوع نباتي، 19 منها لا توجد إلا في سيناء.
فلكيًا: أنقى سماء في مصر لرصد النجوم. مرصد القطامية الفلكي كان مخططًا له في سانت كاترين.
خامسًا: سيناء من الجانب الطبي والصحي
عيون موسى: مياه كبريتية ساخنة 70°م تعالج الروماتيزم والأمراض الجلدية.
رمال سيناء العلاجية: الدفن في رمال سفاجا ووادي عسل يعالج الروماتويد والصدفية.
أعشاب سيناء الطبية: 47 نوع نبات طبي، أشهرها: الشيح، الزعتر الجبلي، السموة، العاذر. يستخدمها بدو سيناء منذ آلاف السنين.
المناخ الجاف: علاج طبيعي لأمراض الجهاز التنفسي والحساسية. نسبة الرطوبة في سانت كاترين 15% فقط.
سادسًا: سيناء في السياحة.. متحف مفتوح
النوع أبرز المعالم
دينية جبل موسى، دير سانت كاترين، عيون موسى، جبل التجلي
شاطئية شرم الشيخ، دهب، نويبع، طابا، رأس سدر. أفضل شواطئ غطس في العالم
علاجية حمام فرعون، حمام موسى، الرمال الساخنة بوادي عسل
سفاري الوادي الملون، الوايت كانيون، جبل كاترين، محمية أبو جالوم
أثرية قلعة صلاح الدين، قلعة نويبع، سرابيط الخادم، آثار طريق حورس
شرم الشيخ وحدها تستقبل 4 مليون سائح سنويًا، وحصلت على جائزة أفضل مدينة سياحية للسلام 2015.
سابعًا: معركة التحرير.. 24 أبريل والدرس الخالد
24 أبريل 1982 لم يكن يومًا عاديًا. هو اليوم الذي بدأ فيه العد التنازلي لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء تنفيذًا لمعاهدة السلام. في هذا اليوم انسحبت القوات الإسرائيلية من مناطق المرحلة الثانية تمهيدًا لتسليم رفح والعريش يوم 25 أبريل.
ثامنًا: الدروس المستفادة من تحرير سيناء
لا يضيع حق وراءه مطالب: من 1967 إلى 1989، 22 سنة كفاح عسكري ودبلوماسي.
قوة الإرادة: حرب أكتوبر 1973 حطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر في 6 ساعات.
التحكيم الدولي: معركة طابا أثبتت أن الوثائق والتاريخ أقوى من القوة العسكرية.
التنمية تحمي التحرير: تعمير سيناء بـ 600 مليار جنيه مشروعات هو الضمان الحقيقي لبقائها مصرية.
تاسعًا: سيناء المستقبل.. رؤية 2030
زراعيًا: مشروع استصلاح 400 ألف فدان بمياه ترعة السلام.
صناعيًا: منطقة الرخام والجرانيت في جفجافة، ومصانع الأسمنت والزجاج.
سياحيًا: مدينة شرم الشيخ الجديدة، ومتحف شرم الشيخ، وتطوير دير سانت كاترين "التجلي الأعظم".
سكنيًا: مدن جديدة: سلام مصر، بئر العبد الجديدة، رفح الجديدة.
أنفاق قناة السويس: 5 أنفاق تربط سيناء بالدلتا في 15 دقيقة بعد أن كانت 6 ساعات.
عاشرًا: سيناء عقيدة
الخاتمة موسوعتي: سيناء عقيدة قبل أن تكون جغرافيا
في الفكر الموسوعي نرتب الأولويات:
الدين: لأنها أرض الوحي والتجلي.
التاريخ: لأن الدم حفظ الدين.
العلم: لأن بركة الدين ظهرت في الحجر والشجر.
الاقتصاد: لأن تعمير المقدس فريضة.
من فرط في شبر منها، فرط في ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. ومن حررها، أحيا سنة الأنبياء. ومن عمرها، صدق قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:55].
سيناء ليست مجرد رمال وجبال. هي قطعة من جسد مصر، وصفحة من مصحفها، وسطر من إنجيلها، وتاريخ من توراتها. سالت عليها دماء 120 ألف شهيد من 1948 إلى 1973.
من فرط في حبة رمل منها، فرط في آية من القرآن، وصفحة من التاريخ، وقطرة من دم الشهيد.
﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:99] ومدخل مصر الآمن هو سيناء.
رؤية الموسوعة الإنسانية العالمية لتعمير سيناء المقدسة:
تبنى فيها:
مدينة الله: عاصمة روحية للعبادة والتجلي.
مدينة كتب الله: مركز عالمي للمخطوطات السماوية الثلاث.
مدينة رسل الله: ملتقى سير الأنبياء الذين مروا بها.
مدينة خلق الله: محميات التنوع الحيوي الفريد.
مدينة الأسرة والتراحم العاطفي: نموذج للمجتمع الآمن.
مدينة الصحة: مستشفيات الاستشفاء البيئي والعلاجي.
مدينة الفكر الموسوعي: جامعات ومراكز بحث في قداسة المكان.
مدينة الموسوعة الإنسانية العالمية: منارة تجمع علوم الدين والدنيا.
كل عام ومصر وسيناء في عزة ونصر
تحية لأرواح الشهداء.. وتحية لكل يد تعمر سيناء