رئيس التحرير
خالد مهران

هل ستنخفض أسعار المحروقات فى مصر عند تراجعها عالميًا؟

الدكتور مصطفى مدبولي
الدكتور مصطفى مدبولي

شهدت أسعار المحروقات في مصر، ارتفاعات جديدة خلال الأيام الماضية، في ظل اضطرابات غير مسبوقة في سوق الطاقة العالمي نتيجة الحرب الدائرة في ‎إيران والتوترات الإقليمية التي أثّرت على إنتاج وتصدير النفط والغاز، مما دفع الحكومة إلى تعديل الأسعار المحلية استجابة للتقلبات الدولية في أسواق النفط والغاز. 

وأكد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، أن الظروف الاستثنائية التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية كانت عاملًا رئيسيًا في قرار رفع أسعار البنزين والمنتجات البترولية في مصر، مشيرًا إلى أن الحكومة تراقب عن كثب تطورات الأسواق العالمية وتواصل متابعة تداعياتها على الاقتصاد المصري. 

وأشار «مدبولي» إلى أن الحكومة ستُعيد النظر في أسعار الوقود وقد تعيد خفضها في حال انخفض سعر برميل النفط عالميًا إلى مستويات أدنى، أو بعد زوال الظروف الاستثنائية في أسواق الطاقة التي فرضتها الحرب والأزمات. 

هذا الوضع يعيد طرح تساؤل حاسم لدى المواطن المصري الذي يعاني بالفعل من ضغوط معيشية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه والسلع الأساسية: هل ستنعكس أي انخفاضات في الأسعار العالمية على الأسعار المحلية في مصر بنفس السرعة التي تُرفع بها؟ أم أن آلية التسعير الحالية في مصر تقترن أكثر بالظروف الاقتصادية والالتزامات الدولية للحكومة؟

زيادة أسعار السلع

وتسببت ارتفاعات أسعار البنزين والسولار في موجة زيادات في أسعار السلع الغذائية، وتقدم النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التموين والتجارة الداخلية، بشأن الارتفاعات المفاجئة وغير المنضبطة في أسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية خلال الأسابيع الأخيرة، وما صاحبها من تباين واضح بين الأسعار المعلنة والواقعية في الأسواق.

وأوضح النائب حسام حسن، أن الأسواق المصرية شهدت موجة ملحوظة من ارتفاع الأسعار بالتزامن مع التطورات الجيوسياسية في المنطقة، مشيرًا إلى أن هذه الزيادات اتسمت بدرجة من العشوائية في تحديد نسب الارتفاع، إلى جانب وجود فجوة واضحة بين البيانات الرسمية ومتوسطات الأسعار التي يتحملها المواطن فعليًا في الأسواق.

وأشار «حسن»، إلى بيانات بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمجلس الوزراء، والتي أظهرت ارتفاع متوسط سعر كيلو الدواجن الطازجة خلال شهر مارس إلى نحو 120.7 جنيه مقارنة بنحو 108.7 جنيه في فبراير، بينما تشير جولات الرصد الميداني في بعض الأسواق بمحافظتي القاهرة والجيزة إلى وصول السعر الفعلي إلى نحو 145 جنيهًا للكيلو.

كما لفت إلى ارتفاعات حادة في بعض الخضروات الأساسية، حيث ارتفع متوسط سعر الباذنجان الأبيض بنحو 79% مقارنة بالشهر الماضي، في حين تراوحت أسعار الطماطم في الأسواق بين 35 و40 جنيهًا للكيلو في عدد من المحافظات، رغم أن البيانات الرسمية تشير إلى متوسط سعر يبلغ نحو 19 جنيهًا فقط.

وأضاف أن تقارير صحفية نقلت عن مصادر بالسوق اتجاه بعض الشركات والتجار إلى تقليص الكميات المعروضة بنسبة كبيرة انتظارًا لإعادة تسعير المنتجات، وهو ما قد يعكس حالة من عدم اليقين في الأسواق واحتمالات وجود ممارسات احتكارية أو سلوكيات تخزينية تؤثر على توافر السلع ومستويات الأسعار.

وطالب حسام حسن بإحالة طلب الإحاطة إلى لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب لمناقشة أبعاد هذه التطورات، وبيان السياسات والإجراءات الحكومية المتخذة لضبط الأسواق ومنع الزيادات غير المبررة في أسعار السلع الغذائية الأساسية.

وتقدمت النائبة سحر عتمان عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزيري التموين والتجارة الداخلية والعمل، بشأن الآثار الاقتصادية والاجتماعية لزيادة أسعار الطاقة ومدى كفاية الإجراءات الحكومية المعلنة للتخفيف من آثارها على المواطنين.

وأوضحت أن القرارات الأخيرة برفع أسعار البنزين والسولار والغاز تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة المعيشة، سواء عبر ارتفاع تكاليف النقل أو زيادة أسعار السلع والخدمات، مشيرة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي أظهرت ارتفاع معدل التضخم في المدن إلى 13.4% خلال شهر فبراير مقارنة بـ11.9% في يناير، بما يشير إلى بداية موجة تضخمية قد تتضح آثارها بصورة أكبر مع انتقال تأثير زيادة أسعار الطاقة إلى مختلف قطاعات الاقتصاد.

وأضافت «عتمان» أن الأسواق شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعات متتالية في أسعار السلع الغذائية الأساسية، حيث وصلت أسعار بعض الخضروات في عدد من المناطق إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين وتيرة ارتفاع الأسعار ومستويات الدخول.

وأشارت إلى أن الحكومة أعلنت عن عدد من الإجراءات الاجتماعية المصاحبة، من بينها مد صرف المنحة التموينية بقيمة 400 جنيه لبعض الفئات، إلا أن شكاوى عديدة من المواطنين كشفت عن صعوبات في صرف السلع المرتبطة بالمنحة الأولى في بعض المحافظات، ما يثير تساؤلات حول كفاءة آليات التنفيذ وقدرة منظومة الدعم التمويني على استيعاب هذه التدخلات بالشكل المطلوب.

كما لفتت إلى أن زيادة الحد الأدنى للأجور التي أعلنتها الحكومة تظل في معظمها مرتبطة بالعاملين بالجهاز الإداري للدولة، بينما يظل جزء كبير من سوق العمل، خاصة في القطاع الخاص وغير الرسمي، دون آليات واضحة لضمان تطبيق زيادات مماثلة، الأمر الذي قد يوسع الفجوة بين ارتفاع الأسعار وقدرة الدخول على التكيف معها.

وطالبت النائبة سحر عتمان، بإحالة طلب الإحاطة إلى لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب لمناقشة السياسات الحكومية المتعلقة بإدارة آثار زيادة أسعار الطاقة، وبيان مدى كفاية الإجراءات الاجتماعية المعلنة لحماية المواطنين من تداعيات الموجة التضخمية المتوقعة.

الأعباء الاقتصادية

وفي السياق تقدم المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة، ببيان عاجل إلى الحكومة بسبب قرار زيادة أسعار المحروقات، مطالبًا باستدعاء رئيس مجلس الوزراء لمناقشة آثار القرار على المواطنين.

وقال «منصور» إن استمرار الحكومة في زيادة الأسعار يمثل عبئًا إضافيًا على المواطنين، خاصة بعد موجة الغلاء الأخيرة التي طالت الكهرباء والمياه والسلع الأساسية.

وأضاف أن الزيادة الأخيرة تراوحت بين 14% و30%، وكان النصيب الأكبر منها للسولار، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النقل والسلع والخدمات المختلفة، إضافة إلى زيادة أسعار أسطوانات الغاز والغاز المنزلي.

وتساءل «منصور» عن من يدرس هذه القرارات وآثارها، مؤكدًا أن المواطن لم يشهد أي تخفيض مماثل عند انخفاض الأسعار العالمية سابقًا، متسائلًا: إذا انخفضت الأسعار عالميًا، هل ستخفض الحكومة الأسعار محليًا؟ أم أن الزيادة الأخيرة جاءت في توقيت مرتبط بالالتزامات الاقتصادية.

وأشار إلى أن الأعباء الاقتصادية لم تعد تقتصر على الفئات الأكثر احتياجًا، بل امتدت لتشمل الطبقة المتوسطة، محذرًا من استمرار السياسات الاقتصادية التي ترفع الدعم عن السلع الأساسية دون وجود سياسات حماية اجتماعية حقيقية، مما يزيد العبء على المواطنين.

وطالب «منصور» الحكومة بإعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة للعام المالي 2026–2027 وزيادة مخصصات الحماية الاجتماعية والدعم السلعي، بما يخفف آثار التضخم ويحد من تداعيات الأزمة الاقتصادية.

إمكانية انخفاض الأسعار

وفي السياق ذاته، قال الخبير الاقتصادي الدكتور السيد خضر، إن المواطن يتابع تحركات الأسعار ويشعر أحيانًا بأنها تسير في مسار غير واضح، معقبا: «فحين ترتفع الأسعار، يجد تفسيرًا منطقيًا، أما عند الانخفاض، فلا يبدو أن الانعكاس يحدث بنفس السرعة، ما يترك شعورًا بالغموض والترقب المستمر».

وأضاف «خضر» أن التساؤلات حول آلية التسعير وطبيعة القرارات تظل معلقة، والواقع يُظهر أن الأسعار غالبًا تبقى مستقرة، دون تفسير مباشر، وهو ما يضع المواطنين في حالة انتظار دائم، لكن هذا لا يعني أن الحكومة لا تتخذ حساباتها، فهناك دائمًا عناصر متابعة وتحليل للظروف الاقتصادية العالمية والمحلية، وهو ما قد يُمكّن من اتخاذ إجراءات مستقبلية أكثر وضوحًا.

وعن إمكانية انخفاض الأسعار حال تراجع الأسعار العالمية، اكتفى خضر بالقول: «الأمر ليس دائمًا كما يتوقعه المواطن، والقواعد تبدو أحيانًا غير مرئية، لكن هناك مؤشرات على أن أي انخفاض مستمر في الأسواق العالمية قد يُؤخذ بعين الاعتبار، ما يترك مساحة للتفاؤل بأن المواطن قد يستفيد من بعض التعديلات مستقبلًا».

وأوضح «خضر» أن السياسات الاقتصادية تحتاج إلى توازن دقيق بين الإصلاح المالي وحماية القدرة الشرائية للمواطن، مشيرًا إلى أن متابعة الأسواق العالمية، وتحسين الشفافية في آليات التسعير، وتقديم إشارات واضحة للمواطن، كلها أمور يمكن أن تقلل حالة القلق وتوفر نوعًا من الاطمئنان، حتى لو كانت النتائج الفعلية تتحرك تدريجيًا.

واختتم الخبير ملاحظته بالقول: «الضبابية الحالية لا تعني غياب الحلول، فهناك دومًا فرص لإعادة النظر في السياسات، وإيجاد طرق للتخفيف من الأعباء الاقتصادية على المواطنين، وهو ما يمكن أن يكون نقطة إيجابية في المستقبل القريب إذا ما تم استثمارها بحكمة».