جحيم الأسعار..
ارتفاعات جنونية بأسواق المواد الغذائية والسيارات والمحمول بسبب الحرب الإيرانية
مع تصاعد وتيرة الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، في المنطقة وامتدادها لدول الخليج وما تحمله من تداعيات اقتصادية واسعة، بدأت الأسواق المصرية تشهد حالة من الارتباك وعدم الاستقرار، ولا سيما عقب لجوء الحكومة إلى ارتفاع أسعار البنزين والسولار 3 جنيهات في اللتر الواحد، ارتفاع سعر الدولار لتخطي حاجر الـ52 جنيهًا في البنوك، وهو سرعان ما انعكس على عدد من القطاعات الحيوية في البلاد.
وشهد أسعار النفط عالميًا، قفزة ملحوظة، مع اتساع رقعة الحرب، حيث ارتفع خام برنت بنحو 11% في جلسة واحدة واقترب من 110 دولارًا للبرميل، بينما صعد الخام الأمريكي بأكثر من 15%، وسط مخاوف من تعطل إمدادات الطاقة في المنطقة، خاصة عبر مضيق هرمز.
فيما حذر بنك جولدمان ساكس، من أن أسعار النفط العالمية قد تتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل خلال الأيام القليلة المقبلة، مع احتمال وصولها إلى 150 دولارًا للبرميل بحلول نهاية شهر مارس، فى حال استمرار الأزمة الراهنة وتعطل تدفقات النفط الخام عبر مضيق هرمز دون التوصل إلى حل سريع.
وارتفعت تكاليف شحن الحاويات خلال الأيام القليلة الماضية، لتتراوح الزيادة بين 2500 و3000 دولار لكل حاوية عشرين قدمًا، مقارنة بالأسعار السابقة، وهو ما يعادل زيادة تقارب 300% في بعض المسارات.
وخلال الأيام القليلة الماضية، بدأت عدد من الأسواق تشهد حالة من الارتفاعات وخاصة في المواد الغذائية، حيث أسعار الأعلاف زادت بنسبة تصل إلى 15% مما رفع أسعار الدواجن واللحوم، رغم توافر مخزون استراتيجي من الخامات يكفي لمدة تصل إلى 9 أشهر، نتيجة الضغوط على سلاسل الإمداد وزيادة تكلفة الاستيراد.
وسجلت أسعار الذرة قفزت إلى 13700 جنيه للطن (قبل احتساب تكلفة النقل)، بزيادة يومية تقدر بنحو 700 جنيه، وأسعار الصويا بقيمة 2000 جنيه خلال يومين فقط، بينما قفز طن الجلوتين من 36 ألف جنيه ليصل إلى 50 ألف جنيه مع ندرة حادة في توفره بالأسواق.
وشهدت أسعار اللحوم ارتفاعات أيضًا، حيث وصل سعر «العجل» إلى 100 ألف جنيه، وذلك بعد أن كان سعره 90 ألف جنيه قبل عشرة أيام، مع توقعات باستمرار الزيادة في حالة طول أمد الحرب الحالية، وخاصة مع أن مصر تستورد 40% من احتياجاتها من اللحوم، وحوالي 50% من مستلزمات الأعلاف من الخارج.
ولم يقف الأمر فقط على الدواجن واللحوم، وأمتد إلى سوق السيارات والمحمول، حيث شهدت قطاع السيارات حالة من الارتباك وتوقفت حجوزات وبيع المركبات الفترة الحالية، وزادت الأسعار بقيمة تتراوح بين 50 إلى 70 ألف جنيه للفئات الاقتصادية، بالإضافة إلى عودة ظاهرة «الأوفر برايس»، بينما أسعار الهواتف المحمولة المصنعة محليًا ارتفعت بنحو 10% خلال الأيام الأخيرة.
وعلق رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، على تداعيات الحرب الحالية، قائلًا إنه فى حالة استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، وطول أمدها وارتفاع الأسعار العالمية للنفط والغاز، فالدولة مضطرة لأخذ بعض الإجراءات الاستثنائية المؤقتة فى بعض الأسعار، بهدف توفير السلع داخل الدولة.
وأكد رئيس الوزراء، أن الحكومة لن تسمح بأي ممارسة احتكارية أو زيادة فى الأسعار، ومن يحاول أن يقوم باي ممارسات احتكارية أو زيادة فى الأسعار سنتعامل معه بما ينص عليه القانون.
ويرى خبراء أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يضاعف الضغوط التضخمية على الأسواق المحلية، مع توقعات بموجة زيادات جديدة في أسعار السلع والخدمات خلال الفترة المقبلة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل عالميًا.
الجشع والرقابة الرخوة
وفي هذا السياق، قال الدكتور نادر نور الدين، الخبير الدولي في الحبوب والغذاء، ومستشار وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، إن أحد تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، ارتفاع أسعار البترول وذلك بسبب اغلاق مضيق هرمز والتي تخرج منه 20% من تجارة البترول في العالم، بجانب كبرى شركات الشحن أعلنت تحويل رحلاتها البحرية إلى رأس الرجاء الصالح بعيداعن قناة السويس وأيضًا إلغاء مئات وآلاف من الرحلات الجوية من وإلى مصر وجميعها ستؤثر على الاقتصاد المصري.
وأضاف «نور الدين»، أن هناك ارتباط وثيق بين أسعار البترول وأسعار الغذاء ونحن نستورد نحو 65% من غذائنا بتكاليف تجاوزت 17 مليار دولار في العام الماضي، كما وأن ارتفاع أسعار البترول يتسبب في ارتفاع أسعار الشحن البحرى والجوى ومعها ارتفاع أسعار التأمين على شحنات الغذاء؛ لأننا أصبحنا منطقة مخاطر الحروب وبدأت فعلا أسعار زيوت الطعام في الارتفاع بعد عدة أشهر من الانخفاض لصلاحيتها في استخدامها كوقود في حال نقص إمدادات البترول (السولار يتكون من 80-90% زيت + 10-20% كحول)، وبالتالي سيحدث ارتفاعات في أسعار الغذاء العالمي خلال هذا الشهر وهو ارتفاع له أسبابه على عكس ارتفاع أسعار الدواجن في مصر بسبب استغلال شهر رمضان.
وتابع: «منطقة الحرب الحالية بين إيران من جهة وأمريكا والكيان من جهة ليست منطقة تصدير أي نوع من أنواع الغذاء كما أن مخزون مصر من الغذاء والأعلاف يتراوح بين 3 إلى 6 أشهر، وبالتالي فإن رفع التجار لأسعار الأعلاف وما تبعه من ارتفاع جديد في أسعار الدواجن رغم الوعد بأن الأسعار ستنخفض مع حلول منتصف شهر رمضان ولكن ماحدث هو العكس وارتفعت الأسعار مجددا مع حلول منتصف رمضان بسبب الجشع والرقابة الرخوة».
وواصل: «أن أي ارتفاع في أسعار الأعلاف مرتبط بوصول الشحنات الجديدة منها والمشتراه بالأسعار الجديدة والتي ارتفعت قليلا بسبب ارتفاع أسعار البترول والغاز الطبيعي ولا تنطبق على الموجود حاليا في المخازن والمشتراه بالأسعار القديمة، هذا دور التدخل الحكومى الحاسم وعدم السماح للتجار بزيادة رأس مالهم من جيوب المواطن في سلع احتكارية ولها أسعار إذعان ولا ينطبق عليها قواعد العرض والطلب»
وأشار الخبير الدولي في الحبوب والغذاء، إلى أن الدول المتضررة بشكل مباشرة من الحرب في كل دول الخليج لم ترتفع بها الأسعار، ولكن في المقابل تجار الأعلاف رفعوا الأسعار بنسبة كبيرة وأغلبهم ممتنع عن البيع انتظارا لمزيد من ارتفاع الاسعار».
إفلاس اقتصادي شامل
ومن ناحيته، قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي ومدير عام مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، إن الأحداث في الشرق الأوسط، تؤثر بشكل مباشر على سلاسل الإمداد وخطوط الملاحة سواء البحرية أو الجوية.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن مصر تستورد ما يقرب من 75% من احتياجات من الغذاء سنويا، وهو ما يعني زيادة في الشحن والتأمين أو تغيير في خطوط الملاحة في البحر الأحمر أو المتوسط، يرفع تكلفة المنتج ويزيد أسعار السلع في البلاد، وهو ما حدث في الأعلاف وانتقل إلى الدواجن واللحوم.
وأشار «عامر»، إلى أن الحكومة تعمل على تأمين الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية لمدة تزيد عن 6 أشهر، لمثل هذه الأزمات العالمية وتخرج قيمته بنسب محدد وفقًا للرؤية حول مدي استمرار الحرب.
توقع الخبير الاقتصادي، حدوث موجة ارتفاع في أسعار جميع السلع الغذائية، وزيادة معدلات التضخم وإفلاس اقتصادي شامل، مع استمرار الحرب وخاصة مع حدوث نقص في المعروض وزيادة الاستهلاك، لافتًا إلى أن الأزمات الحالية التي يمر بها أطراف النزاع، لن تتحمل استمرار الحرب على مدي طويل.
تابع: «الارتفاع في سوق السيارات والهواتف المحمولة يرجع إلى استيراد الخامات بنسبة 100% من الخارج، ويتم تجميعه في مصر وتكميلات فقط، وأي أحداث سواء في ارتفاع أسعار الخامات عالميًا أو نقصها وخاصة بعد زيادة سعر الدولار في البنوك ليصل إلى 52 جنيهًا».
وحول الإجراءات الاستثنائية للحكومة لضبط الأسعار، أكد أن الدولة ستدخل في توزيع السلع وتحديد الأسعار؛ لمنع الممارسات الاحتكارية، وتشديد الحملات الرقابية على الأسواق.

