رئيس التحرير
خالد مهران

بعد إثارته للجدل.. تحديات تطبيق قانون التبرع بالجلد والأعضاء البشرية بعد الوفاة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

أثار مقترح النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، بتأسيس بنك وطني للأنسجة الوطنية، جدلا واسعا، بعدما طالبت بالتوسع في التبرع بالجلد بعد الوفاة لحالات الحروق من الدرجات المتقدمة وتسهيل إجراءات التبرع.

وأشارت النائبة إلى أن ذلك يهدف إلى إنقاذ مئات الآلاف من المصابين بالحروق الشديدة ووقف الاعتماد على استيراد الأنسجة الذي تصل كلفته إلى مليون جنيه (نحو 21 ألف دولار أمريكي) للحالة الواحدة، حسب الصحف المحلية.

أعاد المقترح الجدل بشأن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، الذي أجازته مصر عام 2010 وأصدرت قانونًا لتنظيمه، لكنه لم يُفعّل منذ ذاك.

وبينما يرى الأطباء أن التبرع بالجلد قد يُحدث فارقًا حاسمًا في فرص نجاة المرضى، واجه الطرح موجة من التساؤلات والاعتراضات المجتمعية، بعضها بدوافع دينية تتعلق بحرمة الجسد بعد الوفاة، وأخرى قانونية مرتبطة بضمانات التطبيق ومنع أي تجاوزات أو استغلال.

هذا الجدل أعاد فتح ملف التبرع بالأنسجة البشرية بشكل عام، ومدى جاهزية الدولة والمجتمع لتقبّل هذا النوع من التبرع الحساس.

الناحية الطبية

من الناحية الطبية، أكد المتخصصون أن الجلد يُعد خط الدفاع الأول للجسم، وأن فقدانه في حالات الحروق العميقة يعرّض المريض لخطر العدوى الشديدة وفقدان السوائل، وقد يؤدي إلى الوفاة خلال أيام إذا لم يتم التدخل السريع. 

في هذا السياق، قالت شيماء يسري، طبيبة أمراض جلدية وتعمل بأحد مستشفيات الحروق، -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، إن التبرع بالجلد بعد الوفاة يمثل «حلًا طبيًا وإنسانيًا بالغ الأهمية»، مؤكدة أن المستشفى يستقبل يوميًا حالات حروق حرجة تحتاج إلى تغطية جلدية عاجلة.

وأضافت أن الجلد المتبرع به يُستخدم غالبًا كغطاء مؤقت يحمي المصاب من العدوى ويمنح الأطباء فرصة لإنقاذ حياته، مشيرة إلى أن هذه الممارسة معمول بها في دول كثيرة حول العالم، وتتم وفق بروتوكولات دقيقة لا تمس كرامة المتوفى ولا تؤدي إلى تشويه الجثمان.

وأوضحت أن الاعتماد على استيراد الجلد من الخارج يفرض عبئًا ماليًا كبيرًا، ويؤخر التدخل الطبي في بعض الحالات الحرجة، مؤكدة أن وجود بنوك جلد محلية سيقلل نسب الوفاة بشكل واضح. 

وشددت على أن التخوفات المجتمعية مفهومة، لكنها ناتجة في كثير من الأحيان عن نقص المعلومات، لافتة إلى أن التبرع يتم بكميات محدودة جدًا من الجلد، وبطريقة طبية تحترم الجثمان بالكامل.

واعتبرت أن إنقاذ حياة طفل أو شاب يعاني من حروق مميتة يجب أن يكون أولوية إنسانية لا جدال حولها.

ضعف تفعيل النص

على الجانب القانوني، أكد النائب محمد البدري، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، أن الجدل الدائر لا يرتبط بفراغ تشريعي، موضحًا أن القانون المنظم لنقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية يجيز التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ومنها الجلد، بشرط توافر الموافقات القانونية اللازمة ومنع أي مقابل مادي.

وأشار إلى أن الجلد يُصنّف طبيًا كنسيج وليس عضوًا حيويًا، ما يجعله خاضعًا لنفس الضوابط القانونية المنظمة لنقل الأنسجة الأخرى.

وأضاف «البدري» أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف التفعيل، وليس في غياب النص القانوني، موضحًا أن تطبيق فكرة التبرع بالجلد يتطلب منظومة رقابية متكاملة تشمل توثيق الموافقات، وحصر الجهات المخولة بسحب الجلد، وإنشاء بنوك أنسجة خاضعة لإشراف الدولة.

وشدد على أن البرلمان يدعم أي إجراء يساهم في إنقاذ الأرواح، شريطة أن يتم في إطار قانوني صارم يمنع أي استغلال أو تجاوز، ويحافظ على كرامة المتوفى وحقوق أسرته، مؤكدًا أن الشفافية الكاملة هي الضمان الأساسي لكسب ثقة المجتمع في مثل هذه الملفات الحساسة.

من أعظم مقاصد الشريعة

ومن جانبه قال الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، إن التبرع بالجلد بعد الوفاة جائز شرعًا إذا كان القصد منه إنقاذ حياة إنسان أو تخفيف معاناته، ولا يترتب عليه امتهان لجسد المتوفى أو الاتجار في أعضائه.

وأوضح أن الشريعة الإسلامية جعلت حفظ النفس من أعظم المقاصد، وأن التبرع في هذه الحالة يُعد من أعمال البر والصدقة الجارية، متى التزم بالضوابط الطبية والقانونية.

وأكد مفتي الجمهورية أن جسد الإنسان محترم حيًا وميتًا، لكن هذا الاحترام لا يتعارض مع إنقاذ حياة الآخرين، بل يتكامل معه، مشددًا على أن الاعتراضات الدينية المتداولة في بعض النقاشات لا تستند إلى نصوص شرعية صحيحة، وإنما إلى مخاوف أو مفاهيم مغلوطة.

وأضاف أن الفقه الإسلامي أجاز التبرع بالأعضاء والأنسجة منذ سنوات طويلة، ما دام كان دون مقابل مادي، وبموافقة صريحة، وفي إطار طبي منضبط يحفظ كرامة الإنسان.