محمد كمال يكتب: عملية سفنكس الأسرار الكاملة لضرب المفاعل النووي العراقي.. الحلقة السابعة
كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية قبل انبثاق الثورة الإسلامية بقيادة الخميني شكلًا، وبعد قيام هذه الثورة وجلوس الخميني على رأس الدولة في إيران شكلًا آخر تمامًا.
على خلاف المنهج الذي كان يتخذه شاه إيران الأب رضا بهلوي من نهج سياسي ضد أمريكا ودول الحلفاء خلال الحرب العالمية ووقوفه ظهيرًا قويًا للألمان أثناء دوران طاحونة معاركها، فقد جاء الشاه الابن محمد رضا بهلوي ليغير اتجاه سياسة فارس الدولية ليصبح فيما بعد رجل أمريكا الأول في قلب الشرق. منذ يومه الأول وقد ظهرت عليه علامات الشغف بالغرب، حيث إنه كان طموحًا أن تكون إيران دولة عظمى، فارتمى رميًا في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية التي رحبت بذلك طبعًا ترحيبًا شديدًا وآزرته بشدة لتثبيت حكمه. لكن في المقابل لم ولن تقدم الولايات المتحدة دعمًا مجانيًا أبدًا، فكانت المكاسب الأمريكية أكبر بكثير من مكاسب محمد رضا بهلوي.
اكتسبت أمريكا امتيازًا لقواعد عسكرية أمريكية على أرض فارس لم تكن تحلم بها أبدًا يومًا في ظل حكم شاه الأب... استطاعت بامتياز تلك القواعد العسكرية أن تقترب جدًا من الجنوب السوفيتي، ليسمح لها ذلك بمراقبة روسيا من زاوية جديدة كانت مغلقة الأبواب من قبل. هذا الامتياز وحده في ظل صراع الحرب الباردة التي كانت دائرة بين قطبي القوة في العالم كان كفيلًا بتقديم أي دعم يحتاجه الشاه الابن.
كان حادث رئيس الوزراء محمد مصدق كفيلًا لأن يؤكد على الدعم الغربي المطلق لحكم الشاه، فعلى الرغم من أن محمد مصدق يُحسب له الكثير من الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه وأول ما حاول أن يخطو خطوة واحدة في اتجاه الإصلاح الاقتصادي بما يمس بمصالح بريطانيا الاقتصادية، كان الرد عنيفًا من أمريكا وإنجلترا سويًا عليه هو شخصيًا وليس على إيران الصديقة.
محمد مصدق هو في الأصل محامٍ ومؤلف وبرلماني بارز قبل أن يصل إلى رئاسة الوزراء في عام 1951، في 1917 اختير وزيرًا ضمن وزارة الديوان العام الفارسي، وفي سنة 1944 أسس حزب الجبهة الوطنية وأصبح هو رئيسًا للحزب.
وفي 1950 جلس مصدق على كرسي رئاسة الوزراء الإيراني وشهدت البلاد إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة مثل قانون الضمان الاجتماعي وقوانين تنظيم العلاقات الإيجارية، ولكن حينما فكر في تأميم النفط الإيراني كانت الكارثة التي أطاحت به فيما بعد.
ولكن يبقى تأميم صناعة النفط الإيرانية هي النقطة الأبرز في سياسة حكومته، حيث كان البريطانيون يسيطرون عليها منذ 1913 من خلال شركة النفط الأنجلو-إيرانية (APOC / AIOC) (وسميت لاحقًا باسم شركة النفط البريطانية أو بي بي). تسببت قراراته في تأميم شركات النفط في إزاحته في انقلاب عليه يوم 19 أغسطس 1953 بعد إجراء استفتاء مزور لحل البرلمان، ويعرف بالفارسية بانقلاب 28 مرداد 1332 (حسب التقويم الفارسي).
فقد طلبت المخابرات البريطانية مساعدة السي آي إيه في تنفيذ الانقلاب واختيار الجنرال فضل الله زاهدي ليخلف مصدق، فأسقطت حكومته وسجن مصدق ثلاث سنوات ثم أطلق سراحه، إلا أنه استمر رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته سنة 1967.
واقعة مصدق رئيس الوزراء والتي نفذت بأيدٍ غالبيتها تابعة للمخابرات المركزية الأمريكية سمحت بالتوغل أكثر، حتى إن اختيار أعضاء البرلمان الإيراني كان يتم بموافقة الحكومة الأمريكية الصديقة آنذاك. وصفت واقعة مصدق بالانقلاب على حكم شاه إيران الذي فر هاربًا خارج البلاد، إلا أن الولايات المتحدة أبت أن تفقد رجلها الأول في الشرق بهذه البساطة وأعادته مرة أخرى إلى كرسي العرش الفارسي، وتم القبض على مصدق والذي حوكم وقضي في حقه بعقوبة السجن ثلاث سنوات، وعلى الرغم من أن مصدق قضى العقوبة كاملة إلا أنه وبعد خروجه من السجن صدر قرار بإلزامه منزله إقامة جبرية حتى مات.
كانت عودة محمد رضا بهلوي بعد انقلاب مصدق عودة بيدٍ باطشة، ازداد بعدها النفوذ الأمريكي داخل إيران بشكل ملحوظ وفج، حتى أثر ذلك على المراكز القانونية والسياسية في المنطقة ومعادلات ميزان القوى.
فبخلاف التواجد العسكري الأمريكي في شمال إيران فإن المستشارين الأمريكيين سواء المدنيين أو العسكريين كانوا كثرًا، ولهم أدوار فعالة ومؤثرة في اتخاذ القرار الفارسي أكثر من نواب المجلس النيابي أو حتى وزراء الحكومة.
وما زاد الطين بلة ذلك القانون الذي صدر بعد واقعة مصدق والذي أطلق عليه قانون الحصانة القضائية للأجانب كابيتولاسيون، والذي بموجبه يُعفى الأجانب من المساءلة القضائية عن أي أفعال يقومون بها داخل إيران.
وكان رد الولايات المتحدة الأمريكية على إصدار هذا القانون هو تعاون المخابرات المركزية الأمريكية السي آي إيه، مع شاه إيران في إنشاء جهاز خاص تابع للشاه مباشرة السافاك، جهاز المخابرات الخاصة، والتعاون الدؤوب مع الموساد الإسرائيلي ما بين عامي 1957 حتى وصل بهذا الجهاز أنه أصبح العمود الفقري لحكم الشاه، والذي ثبت في حقه عمليات اختطاف واغتيال وتعذيب وسجن حتى عام 1970، في النهاية كُني الشاه بشرطي الخليج الأمريكي.
أمام التنازلات التي لم يتوانَ الشاه في تقديمها للولايات المتحدة الأمريكية فإن الأمريكيين لم يبخلوا عليه ببيع أي شيء كان يحتاجه، حتى إنه وفي عام 1978 وفي زيارة لشاه إيران بنيويورك التقى بالرئيس جيمي كارتر وطلب منه شراء عدد من الطائرات الحربية لتزويد القوات المسلحة الإيرانية بها.
كان في هذا التوقيت ما أعلنت عنه الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا الحربية هي الطائرة F16، والتي لم تكن قد سمحت ببيعها لأي دولة في العالم حتى هذا التاريخ، حتى إنها رفضت صفقة لبيع تلك الطائرات لإسرائيل نفسها.
في تلك الزيارة وقع الشاه عقدًا بشراء عدد مائتي طائرة نفاثة مع الرئيس الأمريكي من طراز F16 بأعلى المواصفات، وكان الاتفاق على تنفيذ تلك الصفقة في غضون عام.
في السادس عشر من يناير عام 1979 اضطر الإمبراطور الفارسي محمد رضا بهلوي إلى مغادرة إيران بمساعدة أمريكية في هروبه بعد نشوب الثورة الإسلامية في إيران وكف يد الولايات المتحدة الأمريكية عن مساندة الشاه في تلك الأزمة.
علقت أمريكا تنفيذ صفقة الطائرات الأمريكية والتي كان من المفترض أنه قد تزامن وقت التسليم مع الأزمة الإيرانية واندلاع الثورة الإسلامية.
بعد أقل من شهر، وتحديدًا فبراير 1979، عاد الزعيم الروحي للثورة الإسلامية آية الله خميني من منفاه في فرنسا، وفي أبريل استُفتي الشعب على جلوس آية الله خميني على رأس الدولة وقد كان.
اختفى شاه إيران ورجل أمريكا الأول من المشهد السياسي وأصبح آية الله خميني هو من يتصدر المشهد السياسي الفارسي، وهنا انقلبت العملة السياسية على وجهها الآخر، حيث إن الخميني يرى أن أمريكا هي الشيطان الأعظم في العالم، سارقة أموال الدول وراعية اللّا فضيلة والعدو الأول للمسلمين أجمعين.
تأزم الموقف السياسي في الشرق الأوسط بصعود آية الله خميني على رأس السلطة في فارس حتى انتهى الأمر بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، خاصة بعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران ومباركة رأس السلطة على هذا التصرف، بل كان رجال السفارة الأمريكية في إيران قد تم احتجازهم من قبل السلطات الإيرانية وبناءً على تعليمات من الخميني شخصيًا.
كان عدد المحتجزين الأمريكيين تحت يد السلطات الإيرانية اثنين وخمسين شخصًا كانوا رهائن، ولم يتم الإفراج عنهم وتسليمهم للسلطات الأمريكية إلا في يوم تولي الرئيس رونالد ريجان رأس السلطة الأمريكية في العشرين من يناير 1980.
طالبت فارس كثيرًا الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ صفقة الطائرات السابقة، إلا أن أمريكا في النهاية ألغت الصفقة تمامًا، لم يكن للثعلب الإسرائيلي في تل أبيب أن يضيع هذه الفرصة من بين أنيابه، فعرضت الحكومة الإسرائيلية شراء الصفقة كاملة بذات المواصفات التي تم الاتفاق عليها مع شاه إيران، ولكن هذه المرة كانت بتسهيلات في السداد لم يكن ليحلم بها الشاه ذاته أيام كان نائمًا على الفراش الأمريكي في طهران.