إلغاء مناصب مؤثرة.. أسرار قلق المستثمرين ورجال الأعمال من التغيير الوزاري في حكومة مدبولي
شهد المشهد السياسي -مؤخرا- تعديلا وزاريا أثار جدلا واسعا بين الأوساط السياسية والاقتصادية، ليس فقط بسبب أسماء الوزراء الذين الراحلين أو الجدد، ولكن أيضا بسبب غياب وضوح في فلسفة التعديل وأهدافه.
فالكثير من التغييرات جاءت بعد فترة شهدت فيها بعض الوزارات نجاحات ملموسة على صعيد برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي، ما يطرح تساؤلات حول الاستمرارية والتوجهات المستقبلية للحكومة.
ويبرز التعديل الأخير عدة نقاط مثيرة للجدل، أبرزها خروج رانيا المشاط من الحكومة، إلغاء منصب نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية، إلغاء منصب نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية، ومصير غامض لوزارة قطاع الأعمال العام بعد إعادة توزيع الحقائب.
جميع هذه التغييرات أثارت تساؤلات حول التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، خاصة في وقت تتطلب فيه المرحلة الحالية وضوحا واستقرارا في السياسات العامة.
من جانبه، شدد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في تصريحات عقب التعديل، على أن السياسات العامة للدولة لن تتغير، وأن التعديل يستهدف تعزيز الكفاءة التشغيلية وإدخال دماء جديدة على الفريق الحكومي، مؤكدا أن الحكومة ماضية في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، ودعم الاستثمار، وتحقيق معدلات نمو مستدامة.
خروج رانيا المشاط
يعتبر خروج رانيا المشاط أبرز التغييرات اللافتة، خاصة وأنها لعبت دورا محوريا في صياغة وترويج ما يُعرف بـ«السردية الوطنية للتنمية الشاملة»، والتي تربط بين الإصلاح الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والبيئية، وتستهدف استقطاب التمويل الدولي لمشروعات في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
ويرى الدكتور الدكتور محمد صادق، أستاذ الاقتصاد السياسي، أن المشاط نجحت في تحويل وزارة التعاون الدولي من جهة إدارية تقليدية لإدارة القروض إلى منصة تنسيق بين الوزارات المختلفة، وهو ما انعكس في حجم الاتفاقيات الموجهة للمشروعات التنموية الكبرى، مضيفا أن خروجها يطرح تساؤلا مشروعا حول ما إذا كانت الحكومة ستستمر في نفس النهج التنموي المتكامل، أم أن هناك إعادة ترتيب للأولويات بعيدا عن هذا الخطاب.
وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين يعتبرون أن التغيير لا يعني بالضرورة التخلي عن السردية الوطنية، فإن غياب توضيح رسمي حول الجهة التي ستتولى إدارة هذا الملف يزيد حالة الغموض بين المراقبين والمتابعين.
إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء
من التغييرات اللافتة الأخرى، إلغاء منصبي نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية ونائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية، وهما المناصب اللذان كانا يرمزان لأولوية الدولة في تطوير القطاع الصناعي وتحسين جودة الحياة والخدمات الاجتماعية.
ويقول المهندس هيثم خليفة، مستثمر في القطاع الصناعي: «وجود منصب سياسي رفيع مختص بالصناعة كان يعطي إشارات واضحة للمستثمرين بأن هذا الملف على رأس أولويات الدولة، وإلغاؤه دون بديل واضح يثير القلق ويخلق حالة من عدم اليقين».
وفيما يخص منصب التنمية البشرية، أشار الدكتور سامح مراد، أستاذ السياسات العامة، إلى أن إلغاء هذا المنصب قد يرسل رسائل متناقضة عن التزام الحكومة بتحسين الخدمات الاجتماعية، بالرغم من تأكيدات القيادة السياسية على أن التنمية البشرية لا تقل أهمية عن النمو الاقتصادي.
وأضاف أن دمج هذه الملفات في وزارات أخرى قد يخفف التركيز ويؤثر على سرعة اتخاذ القرارات.
قطاع الأعمال في مرحلة غامضة
على صعيد آخر، يظل مستقبل وزارة قطاع الأعمال العام بعد التعديل الوزاري غير واضح، في ظل غياب رؤية معلنة حول مستقبل الشركات التابعة لها، خصوصا بعد سنوات من الحديث عن إعادة الهيكلة، ودعوة الشراكة مع القطاع الخاص، وطرح بعض الشركات في البورصة.
ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور وليد جاب الله، إن وزارة قطاع الأعمال العام ظلت لعقود في منطقة رمادية بين دورين متناقضين: من جهة، لا هي خاضعة بالكامل لمنطق السوق، ومن جهة أخرى، لا هي مملوكة للدولة بوظيفة اجتماعية واضحة تحدد أولوياتها، هذا الوضع أدى إلى تشتت في إدارة الشركات التابعة، وعدم وضوح في سياسات الاستثمار والتوسع، كما أثر على قدرة الوزارة على المنافسة وجذب شركاء استراتيجيين من القطاع الخاص أو حتى تمويل دولي.
وأضاف: «التعديل الوزاري الأخير كان فرصة ذهبية للحكومة لإعادة رسم استراتيجية واضحة للوزارة، بما يشمل تحديد المهام والمسؤوليات وصلاحيات الإدارة العليا، وإعلان خطة واضحة للتطوير أو الهيكلة أو الشراكات مع القطاع الخاص، لكن ما حدث هو مزيد من الغموض، ما يترك المستثمرين ورجال الأعمال في حالة ترقب، ويثير تساؤلات حول مدى التزام الحكومة بخططها السابقة لإعادة هيكلة الشركات التابعة وضمان كفاءة الأداء وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية».




