رئيس التحرير
خالد مهران

على  الهواري يكتب: هل تحفر إيران قبرها بنفسها وترضخ لإملاءات ترامب؟

على  الهواري يكتب:
على  الهواري يكتب: 3 خيارات أمام إيران للرد على مطالب ترامب

ذكرت صحيفة معاريف العبرية، نقلًا عن مصدر إسرائيلي، أن الرئيس دونالد ترامب قدّم لإيران خمسة مطالب رئيسية، تتضمن تقديم حوالي 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب، تفكيك برنامجها النووي، إلغاء برنامج الصواريخ الباليستية، وقف تطوير الصواريخ وتخليها عن دعم الجماعات الوكيلة في كل من اليمن والعراق وسوريا ولبنان. 

وهنا يبرز السؤال: هل ستذعن إيران لمطالب ترامب؟

ثلاثة سيناريوهات للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران 

توجد ثلاثة سيناريوهات رئيسية أمام إيران فيما يتعلق بالتعامل مع هذه المطالب الأمريكية:

السيناريو الأول: الامتثال الكامل للمطالب 

من غير المرجح تحقق هذا السيناريو نظرًا لتداعياته الخطيرة على المستوى الداخلي والخارجي لإيران. القبول بهذه المطالب سيعني التخلي عن جوهر الدولة الإيرانية وليس فقط سياساتها الخارجية، وهو ما قد يهدد وجودها كقوة إقليمية ويحوّلها إلى دولة ضعيفة تحت السيطرة الخارجية. 

أولًا- على المستوى الداخلي: 

الامتثال سيؤدي إلى انهيار ثلاثية الردع الإيرانية المتمثلة في: البرنامج النووي، شبكة التحالفات والعملاء الإقليميين، وبرنامج الصواريخ الباليستية. التخلي عن هذه العناصر سيضعف إيران بشكل كبير أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، ممهدًا الطريق لها لتصبح دولة مكشوفة أمنيًا ومعرضة لضغوط كبيرة تهدد استقرارها.

إضافة إلى ذلك، النظام السياسي الإيراني قد يشهد أزمات داخلية حادة؛ فالرضوخ للشروط الأمريكية يتعارض مع الأسس التي يقوم عليها نظام المرشد الأعلى، القائم على مقاومة "الهيمنة الأمريكية" وحماية الثورة. الأمر الذي قد يؤدي إلى صدامات بين الحرس الثوري والمؤسسة السياسية، أو حتى إلى انقسامات خطيرة داخل النظام. 

كما يعتبر قبول المطالب تهديدًا للمشروع الإقليمي الإيراني، الذي يرتكز على نشر النفوذ عبر دعم الفصائل المسلحة وحماية المصالح الشيعية، ومناهضة النفوذ الإسرائيلي والغربي في المنطقة، بالإضافة إلى دعم القضية الفلسطينية. سقوط هذا المشروع يعني تغيرات شاملة في طبيعة النظام الإيراني.

ثانيًا- على المستوى الإقليمي: 

الالتزام بالمطالب الأمريكية سيؤدي إلى تفكيك محور المقاومة كليًا، حيث يعتمد كل من حزب الله في لبنان، الحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق وسوريا بشكل كبير على الدعمين المالي والعسكري من إيران. ومع تراجع الدعم الإيراني، قد تنهار هذه الجماعات أو تفقد تأثيرها الإقليمي. 

مثل هذه التطورات ستغير موازين القوى في المنطقة لصالح إسرائيل، مما يؤدي إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الأمني والسياسي في المنطقة، وإنشاء نظام أمني جديد سيعتمد على تفوق إسرائيل والتحالفات الغربية، وغياب إيران سيترك فراغًا إقليميًا قد تسعى دول إقليمية كبرى لملئه.

بالنسبة لإسرائيل، ستكون الرابح الأكبر في حال انهارت القوة الإيرانية الإقليمية. فاختفاء التهديد النووي والصاروخي الإيراني وشل قدرات حزب الله ستكون بمثابة انتصار استراتيجي لها.

ثالثًا- على المستوى الدولي: 

الرضوخ الإيراني لهذه المطالب سيشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. قبول إيران بإلغاء قدراتها السيادية نتيجة للضغوط الاقتصادية والسياسية سيعزز استخدام القوة كأداة أولى للضغط في العلاقات الدولية بدلًا من الالتزام بالقانون الدولي. 

كما سيؤثر بشكل سلبي على مصداقية روسيا والصين كحليفين استراتيجيين لإيران. عدم قدرة موسكو وبكين على حماية طهران من الهيمنة الأمريكية قد يُظهر عجزهما أمام النفوذ الأميركي المتزايد ويعزز من التفرد الأمريكي بإدارة النظام العالمي.

الخلاصة 

السيناريو الأول يبدو الأقل احتمالًا بالنظر إلى حجم مخاطره على كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.

السيناريو الثاني: الرفض الإيراني الكامل للمطالب الأمريكية 

تمسك إيران برفضها الكامل لمطالب إدارة ترامب يعكس إصرارها على الحفاظ على مكانتها كقوة إقليمية مستقلة، مع استعدادها لتحمل التكاليف الاقتصادية والسياسية الكبيرة لتجنب التخلي عن أدوات الردع واستمرار النظام الحاكم. 

في ظل الحشد العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة، فإن أي هجوم عسكري أمريكي على إيران سيكون مدمرًا وحاسمًا بحيث يؤدي إلى إسقاط النظام وإشاعة الفوضى داخليًا. وتعكس تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب توجيهاته لفريقه الأمني أن أي عمل عسكري ضد إيران يجب أن يكون سريعًا وحاسمًا دون التورط في حرب مستدامة طويلة الأمد. 

وفقًا لهذا السيناريو، تصبح الضربة العسكرية لإيران محتملة للغاية، حيث أن أي تنازل أمريكي سيعتبر فشلًا لسياسة "الضغط الأقصى" التي اعتمدها ترامب ووضعها كجزء محوري من سياسته الخارجية. ويضع هذا الإدارة الأمريكية أمام اختيارين لا ثالث لهما: تصعيد عسكري رغم كلفته العالية وتداعياته الإقليمية والعالمية الخطيرة، أو قبول تسوية تمنح الولايات المتحدة مكاسب جزئية وتتيح لإيران الخروج بدرجة مقبولة من الأزمة، ما قد يمهد لدمج إيران في النظام الإقليمي وربما إشراكها في مبادرات مثل الاتفاقيات الإبراهيمية ومشروع "الشرق الأوسط الجديد". 

السيناريو الثالث: الحل الوسط 

يُعد الحل الوسط الخيار الأكثر واقعية وترجيحًا، حيث يقضي على تقديم تنازلات محدودة من إيران دون التأثير بشكل جذري على جوهر نظامها. 

  • فيما يخص الملف النووي: قد يتضمن ذلك تسليم بعض مخزون اليورانيوم المخصب، تقليل نسبة التخصيب، نقل الكميات الزائدة إلى دولة ثالثة بإشراف دولي، أو تجميد أنشطة معينة بدل إيقاف البرنامج بالكامل. استراتيجيًا، تظل لإيران قدرة نووية كامنة دون الوصول إلى سلاح فعلي.
  • فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية: يمكن أن يشمل الحل تقييد مدى الصواريخ، وقف تطوير الصواريخ العابرة للقارات، والالتزام بعدم تصدير التكنولوجيا العسكرية للوكلاء، مما يحافظ على قدرة ردع محدودة دون تهديد بعيد المدى مباشِر.

المكاسب المحتملة لأطراف الصراع 

  • بالنسبة لإيران: تشمل المكاسب تخفيف العقوبات جزئيًا أو مرحليًا، اعترافًا ضمنيًا بدورها الإقليمي، وتقليل خطر الحرب المباشرة.
  • بالنسبة للولايات المتحدة: تحقيق إبطاء للبرنامج النووي الإيراني، تقليص التهديد الصاروخي المباشر، وخفض التوتر الإقليمي دون الحاجة إلى التورط في مواجهات شاملة.
  • بالنسبة لدول المنطقة: سينجم عن هذا السيناريو شرق أوسط أقل انفجارًا لكنه ليس أكثر استقرارًا، مع استمرار بؤر التوتر ولكن بضبط مستوى التصعيد.
  • بالنسبة لإسرائيل: تجد في ذلك استقرارًا مؤقتًا مع أمن أفضل ولكن دون إزالة كاملة للتهديد الإيراني.
  • بالنسبة لدول الخليج: يعني هذا انخفاض المخاطر المباشرة مقابل استمرار الهواجس المرتبطة بالمدى البعيد.

هذا السيناريو هو الأكثر احتمالية لعدة أسباب. فالولايات المتحدة لا ترغب بالتورط في حرب إقليمية واسعة وطويلة ومكلفة كتلك التي جرت في العراق وأفغانستان، ولا تريد تحويل إيران إلى دولة فاشلة قد تزيد من اضطرابات المنطقة. كما أن النتائج المحتملة لأي عمل عسكري ضد إيران تظل غير مضمونة العواقب ويمكن أن تؤدي إلى صراع أوسع يشمل قوى كبرى مثل الصين وروسيا اللتان لن ترضيا بالتخلي عن مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية الكبيرة في إيران بسهولة. 

من ناحية أخرى، تدرك إيران أن تحمل ضربات أمريكية كارثية قد يؤدي إلى إسقاط النظام وسقوط البلاد في حالة من الفوضى الداخلية المدمرة، لتلقى مصير مشابه لدول الربيع العربي. 

الخلاصة: الحل الوسط يمثل معادلة معقدة تحفظ لإيران مكانتها كقوة إقليمية لكن "مقيّدة"، وللولايات المتحدة القدرة على احتواء طهران دون تفكيكها، أما منطقة الشرق الأوسط فستبقى ضمن توازُن هش؛ لا سلام شامل ولا حرب شاملة. 

ورغم ذلك تظل كل السيناريوهات مفتوحة وممكنة.