عادل توماس يكتب: منظومة الصحة في حلوان وضواحيها.. موت بالإهمال والحكومة تتفرج
في حلوان والمعصرة والتبين، لا نتحدث عن أزمة عابرة في قطاع الصحة، بل عن نزيف يومي في أرواح البشر، سببه منظومة طبية عاجزة، مهملة، ومفصولة تمامًا عن حجم الكتلة السكانية التي من المفترض أن تخدمها، نحن أمام ثلاثـة ملايين مواطن تُركوا عمليًا في مواجهة المرض والموت بلا ظهير صحي يحميهم.
الحديث عن تطوير الصحة يصبح بلا معنى حين نواجه أرقامًا صادمة، مستشفى حلوان العام، أكبر مستشفيات المنطقة، لا تمتلك سوى 18 سرير رعاية مركزة وثلاثة فقط للرعاية المتوسطة، هذه ليست مستشفى مدينة، بل أقرب إلى وحدة إسعاف موسعة، أما مستشفى التبين، فعدد أسرتها لا يتجاوز الخمسين، بينها خمسة أسرة عناية مركزة، بينما لا يوجد في المعصرة مستشفى عام من الأساس، وكأنها خارج الخريطة الصحية للدولة.
الأخطر من الأرقام هو غياب التخصصات القاتلة، لا أقسام مخ وأعصاب، لا أوعية دموية، لا أورام، لا حروق، لا مناعة، أي جلطة مخية تعني سباقًا مع الزمن ينتهي غالبًا قبل أن يبدأ، وأي حادث طريق يتحول إلى مأساة بسبب عدم وجود رعاية مركزة كافية، تقديرات الأطباء تؤكد أن المنطقة تحتاج لأكثر من 500 سرير رعاية مركزة، بينما الواقع الحالي لا يغطي حتى عُشر الاحتياج.
النتيجة واضحة ولا تحتاج إلى تقارير رسمية
وفيات يمكن إنقاذها، وأهالٍ يُمرمَطون بين المستشفيات، وأطباء يعملون بأيدي شبه عارية، البحث عن سرير أصبح رحلة إذلال، والبحث عن دواء مغامرة، والبحث عن جهاز يعمل مقامرة بحياة إنسان.
ولا يمكن فصل هذه الكارثة عن انهيار بيئة العمل الطبي، أجهزة متهالكة، صيانة غائبة، مستلزمات ناقصة، وأدوية عمليات غير متوفرة، الطبيب هنا مطالب بالمعجزة، ثم يُحاسب على الفشل، والتمريض يعمل تحت ضغط غير إنساني مقابل رواتب لا تليق، ثم نتعجب لماذا 70٪ من الأطباء المصريين يعملون بالخارج.
في المقابل، تقف مستشفى مايو – التابعة لوزارة الصحة – كنموذج يكشف الفارق بين الإهمال والإدارة الرشيدة، بعد اعتمادها من منظمة الصحة العالمية وإجرائها آلاف التدخلات الجراحية الناجحة، التجربة موجودة، والنجاح ممكن، لكن المشكلة أن الإرادة غائبة عن جنوب القاهرة.
أهالي حلوان لا يطلبون قصورًا علاجية، بل يطلبون الحد الأدنى من العدالة الصحية: مستشفى عام محترم، رعاية مركزة كافية، تخصصات أساسية، أجهزة تعمل، وطبيب لا يُهان ولا يُدفع للهجرة، الحل يبدأ بتخصيص أرض فورية لإنشاء مستشفى متخصص لحالات الحوادث والطوارئ، مع تطوير المستشفيات القائمة وزيادة الأسرة وتحسين أجور الأطقم الطبية.
الصحة ليست ملفًا ثانويًا، ولا رقمًا في الموازنة، كل يوم تأخير يعني مواطنًا جديدًا يُضاف لقائمة الضحايا، والسؤال الذي لم يعد يحتمل التجميل: هل أرواح سكان حلوان أقل قيمة؟ أم أن الموت بالإهمال أصبح سياسة غير معلنة؟







