المستشار وليد عز الدين يكتب: القانون الأصلح للمتهم في ضوء قضاء محكمة النقض المصرية
ليس كل قانونٍ جديدٍ أشدَّ من سابقه؛ فالتشريع الجنائي لا يسير دائمًا في اتجاه التغليظ، بل قد يحمل بين نصوصه طوق نجاةٍ لمتهمٍ حوكم في ظل قانونٍ تجاوزه الزمن. ومن هنا برز مبدأ القانون الأصلح للمتهم كإحدى أهم ضمانات العدالة الجنائية، باعتباره مبدأً يوازن بين استقرار القواعد القانونية وتحقيق الإنصاف.
فالقانون الأصلح للمتهم هو القانون الذي يُنشئ له مركزًا أو وضعًا قانونيًا يكون أصلح له من القانون القديم، وفق ما استقر عليه قضاء محكمة النقض المصرية، ولا تنص التشريعات العقابية عادةً صراحةً على كون القانون أصلح من عدمه، وإنما العبرة بحقيقة المركز القانوني الذي كان عليه المتهم وقت ارتكاب الفعل المسند إليه؛ فإن تبيَّن للقضاء أن مركزه القانوني سيتحسن بتطبيق القانون الجديد — متى توافرت شروطه — وجب تطبيقه باعتباره أصلح له. أما إذا اتضح أن مركزه سيكون أسوأ، امتنع القضاء عن تطبيقه دون حاجة إلى نص صريح.
والأصل في القواعد العقابية هو تطبيق القانون المعمول به وقت ارتكاب الجريمة إذا كان القانون الجديد أشد، وتطبيق القانون الجديد إذا كان أصلح للمتهم، اتساقًا مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وعدم رجعية القوانين الجنائية الأشد.
ويُستفاد من نص المادة الخامسة من قانون العقوبات أن المشرّع المصري أقام تفرقة دقيقة بين ثلاث حالات تشريعية:
الأولى: صدور قانون يُجرِّم الفعل لأول مرة، فلا يُطبَّق بأثرٍ رجعي.
الثانية: صدور قانون يُخفف العقوبة أو يُنشئ مركزًا قانونيًا أصلح للمتهم، فيُطبَّق على الوقائع السابقة.
الثالثة: صدور قانون يُلغي التجريم كليةً، فيترتب عليه وقف تنفيذ الأحكام وزوال آثارها الجنائية.
وهي تفرقة تعكس التوازن الدقيق بين استقرار المراكز القانونية ومقتضيات العدالة.
وقضت محكمة النقض بأن القانون رقم 91 لسنة 2005 بشأن الضرائب على الدخل — بإلغائه القانون رقم 157 لسنة 1981، وتقريره عقوبات أخف، وتجنيحه بعض أفعال التهرب وعدم الإخطار بعد أن كانت جنايات، وتخفيضه مقابل التصالح، وترتيبه انقضاء الدعوى الجنائية — يُعد قانونًا أصلح للمتهم، إذ أنشأ له مركزًا قانونيًا أفضل. كما أكدت المحكمة سلطتها في نقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها متى صدر — بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه بحكم بات — قانونٌ أصلح له، استنادًا إلى الفقرة الثانية من المادة (35) من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959.
واستقر قضاء النقض كذلك على أن صدور قانون جديد بعد وقوع الفعل وقبل الفصل في الدعوى بحكمٍ نهائي يبيح الفعل أو يرفعه عن دائرة التأثيم، يوجب تطبيقه باعتباره القانون الأصلح. وعلى العكس، إذا تعاقب قانونان ولم يكن الثاني أصلح للمتهم، وجب تطبيق القانون الأول على الأفعال التي وقعت قبل إلغائه، التزامًا بمبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية الأشد.
وقد تحوَّل المفهوم العقابي في التشريعات الحديثة — شأنه شأن الاتجاه العالمي — نحو التخفيف من العقوبات السالبة للحرية في الجرائم ذات الطابع الاقتصادي، مقابل تشديد الجزاءات المالية والتدابير الرادعة التي تحول دون تكرار المخالفة، وهو ما يعكس فلسفة تشريعية قوامها الردع المالي أكثر من الحبس.
وبموجب نص المادة (5) من قانون العقوبات المصري: يُعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها، ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيًا قانونٌ أصلح للمتهم فهو الذي يُتبع دون غيره. وإذا صدر قانون بعد حكمٍ نهائي يجعل الفعل غير مُجرَّم يُوقَف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية.
ورغم ذلك، فلا تُطبَّق قاعدة القانون الأصلح للمتهم على الغرامات الإدارية الضريبية — وفق اتجاهٍ فقهي معتبر — تأسيسًا على أن الغرامة الضريبية أقرب إلى التعويض المدني منها إلى العقوبة الجنائية؛ إذ يتولد حق الخزانة العامة في تحصيلها بمجرد وقوع المخالفة دون حاجة إلى حكمٍ منشئ، بخلاف الغرامة الجنائية التي لا تقوم إلا بحكمٍ قضائي. ومن ثم فإن استبعاد رجعية القانون الأصلح في هذا النطاق مردّه أن الأمر يتعلق بحقٍ مالي مكتسب للخزانة العامة، لا بسلطة المجتمع في العقاب.
وعليه، فإن مبدأ القانون الأصلح للمتهم ليس منحةً تشريعية، بل تجسيدٌ حقيقي لفلسفة العدالة الجنائية الحديثة؛ فلسفةٌ ترى أن التطور التشريعي يجب أن يكون أداةً للإنصاف لا سببًا في تشديد المصير على من وُلدت قضاياهم في ظل قوانين تجاوزها الزمن، وبما يضمن أن يظل ميزان العدالة قائمًا على الرحمة بقدر ما يقوم على الردع.
