المستشار وليد عز الدين يكتب: فخ التوكيل الخاص بالبيع للنفس وللغير.. كيف تتحول الورقة الرسمية إلى سبب لضياع ملكيتك؟
في سوقٍ يعجّ بالمعاملات العقارية وبيع السيارات، يطمئن كثير من المشترين إلى حيازة توكيل خاص بالبيع للنفس وللغير، باعتباره صك الأمان القانوني الذي لا يُهزم، وضمانة نهائية لانتقال الملكية.
لكن الحقيقة الصادمة — التي كشفتها أحكام القضاء المستقرة — أن هذا التوكيل قد يكون أخطر مستند تحمله بيدك إذا أغفلت عبارة واحدة فقط، قد تطيح بكل ما دفعته من أموال، وتحوّلك من مالكٍ حقيقي إلى خصم خاسر أمام المحاكم.
التوكيل ليس عقد بيع… وهنا تبدأ الكارثة
الخطأ الأكثر شيوعًا هو الاعتقاد بأن التوكيل، مهما بلغت قوته أو اتسعت صلاحياته، يُغني عن عقد البيع.
والواقع القانوني الصريح أن التوكيل أداة تنفيذ، وليس مصدرًا للحق، ولا يُنشئ بذاته ملكية، ولا يُثبت دفع ثمن، ولا يُغلق باب المنازعة.
فالتوكيل — في جوهره — مجرد تفويض بالتصرف، يظل قائمًا على افتراض أساسي، أن الوكيل يتصرف لحساب الموكل، وليس لحساب نفسه، إلا إذا ورد نص صريح قاطع لا يحتمل التأويل.
العبارة التي تصنع الفارق بين الملكية والضياع
عند تحرير التوكيل في الشهر العقاري، لا يكفي أن تُدرج عبارة “البيع للنفس وللغير”، بل يجب — دون نقاش أو مجاملة — إدراج النص التالي حرفيًا: «ووكلته في تحديد ثمن البيع وقبضه لنفسه»
هذه العبارة ليست تفصيلًا شكليًا، ولا حيلة لغوية، بل هي حجر الأساس القانوني الذي يحميك من أخطر سيناريوهات التقاضي.
لماذا هذه العبارة هي «حبل الإنقاذ» الحقيقي؟
القانون المدني المصري لم يترك الأمر للاجتهاد، فقد نصّت المواد 418 و423 و424 بوضوح على أن: الثمن ركن جوهري في عقد البيع، لا يقوم العقد بدونه.
والثمن هنا ليس مجرد رقم مكتوب، بل:
• يجب أن يكون محددًا.
• أو قابلًا للتحديد.
• ومعلومًا لمن له الحق في قبضه.
غياب هذه العبارة يفتح عليك أبوابًا خطيرة، منها:
1- بطلان البيع قانونًا
إذا لم يثبت أن الثمن قد انتقل إليك أو أصبح من حقك، جاز للمحكمة اعتبار التصرف مجرد توكيل بلا بيع، لا ينقل ملكية ولا ينشئ حقًا.
2- السقوط في فخ «دعوى كشف الحساب»
في هذه الحالة، يستطيع البائع — وبكامل القوة القانونية — أن يطالبك بكشف حساب عن أي تصرف قمت به، باعتبارك وكيلًا لا مشتريًا، ويُلزمك برد ما قبضته، حتى لو بعت المال لنفسك.
3- اعتبارك أمينًا لا مالكًا
وهو أخطر توصيف قانوني، لأن الأمين يسأل، ويُحاسب، ولا يتمتع بحماية المالك.
كلمة الفصل من محكمة النقض
لم تترك محكمة النقض المصرية هذا الأمر للجدل.
فقد استقرت أحكامها — ومنها الطعن رقم 948 لسنة 53 قضائية — على أن:
الثمن هو محل التزام المشتري، وبدونه لا يكون التصرف عقد بيع ناقل للملكية، وإنما إجراء شكلي لا أثر له.
وهذا المبدأ تكرر في عشرات الأحكام، مؤكِّدًا أن التوكيل — مهما بلغت رسميته — لا يُغني عن استيفاء أركان البيع الجوهرية.
التوكيل وحده لا يحميك… وهذه هي الخطة الآمنة
لضمان حقك كاملًا، وحماية أموالك من أي نزاع مستقبلي، التزم بالآتي:
أولًا: عقد بيع قبل أي شيء
لا تقبل مطلقًا بالاكتفاء بالتوكيل.
يجب تحرير عقد بيع ابتدائي أو نهائي يُثبت:
• الثمن.
• طريقة سداده.
• وإقرار البائع الصريح باستلام كامل الثمن.
ثانيًا: تطابق البيانات بلا استثناء
أي اختلاف — ولو رقم واحد — بين:
• بيانات التوكيل،
• وبيانات عقد البيع،
يفتح باب الطعن والإنكار.
ثالثًا: افهم القاعدة الذهبية
العقد هو أصل الحق.. والتوكيل مجرد أداة لتنفيذه.
خلاصة قانونية لا تقبل الجدل
التوقيع على توكيل غير محكم الصياغة، دون عقد بيع، هو مغامرة قانونية قد تنتهي بخسارة المال والملكية معًا.
والوعي بهذه التفاصيل لم يعد رفاهية، بل ضرورة في زمنٍ أصبحت فيه الثغرات القانونية سلاحًا في يد من يعرفها



