رئيس التحرير
خالد مهران

عادل توماس يكتب: أنفاس مسمومة في حلوان والقمامةتتحول إلى جريمة صامتة

عادل توماس
عادل توماس

في جنوب القاهرة، لم يعد الهواء مجرد عنصر طبيعي في حياة الناس، بل أصبح مصدر قلق يومي، رائحة القمامة التي تخترق البيوت والشوارع في حلوان و15 مايو والتبين والمعصرة وكفر العلو والمشروع الأمريكي لم تعد عرضًا عابرًا، وإنما تحولت إلى أزمة مكتملة الأركان، تكشف خللًا خطيرًا في إدارة الملف البيئي، وتضع علامات استفهام كبرى حول العلاقة بين السياسة والاقتصاد وصحة المواطنين.

من رائحة عابرة إلى اختناق جماعي

ما بدأ خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2025 كرائحة متقطعة، سرعان ما أصبح اختناقًا جماعيًا مستمرًا، أطفال لا يستطيعون النوم، مرضى صدر يعجزون عن التنفس، وكبار سن أصبح الخروج من منازلهم مخاطرة صحية، ومع الوقت، لم يعد أحد بحاجة إلى تفسير رسمي، فالمعاناة باتت ملموسة في كل بيت.

الأرقام تتحدث… والتجاهل مستمر

الأخطر أن هذه المعاناة لم تعد مجرد شكاوى، بل أكدت بيانات الأقمار الصناعية التابعة لبرنامج «كوبرنيكوس» الأوروبي ارتفاعًا حادًا في معدلات تلوث الهواء بمنطقة حلوان، حيث وصل مؤشر جودة الهواء إلى نحو 180 درجة، وهو مستوى يصنف عالميًا كتلوث مفرط وحرج يهدد الصحة العامة بشكل مباشر.

مصنع التدوير تحت المجهر

حسب شكاوى عدد من الأهالي، تتجه أصابع الاتهام إلى مصنع تدوير النفايات بمدينة 15 مايو، المرتبط بعقود شراكة مع الحكومة لتدوير القمامة في عدد من المناطق من بينها حلوان، وزيارة ميدانية واحدة تكشف أكوامًا ضخمة من النفايات وروائح خانقة تنبعث دون ضوابط بيئية واضحة أو إجراءات احتواء فعالة.

عندما تتشابك المصالح وتغيب الرقابة

القضية هنا لم تعد بيئية فقط، بل سياسية وإدارية بامتياز. حين تتداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي، تصبح الرقابة شكلية، وتتحول اللجان الفنية إلى أوراق بلا أثر، بينما يدفع المواطن الثمن من صحته وحقه في حياة آمنة.

أسئلة بلا إجابات رسمية

لماذا تستمر الأزمة رغم وضوح آثارها؟، وأين دور أجهزة الرقابة البيئية؟ وهل تُقدم العقود والاستثمارات على صحة المواطنين؟
هذه أسئلة مشروعة لا تزال بلا رد حاسم، وهو ما يزيد من فقدان الثقة لدى الأهالي، والحل لا يبدأ من الشارع بل من القرار، والحل لا يكمن في رفع القمامة مؤقتًا أو إصدار بيانات تطمين، بل في تطبيق أنظمة مراقبة بيئية صارمة، وإعلان نتائج القياسات بشفافية، وربط أي تعاقد حكومي بالتزام بيئي واضح يخضع للمحاسبة دون استثناء.

حلوان… إنذار مبكر للجميع

ما يحدث في حلوان اليوم يجب أن يُقرأ كإنذار مبكر لكل المدن الكبرى، القضايا البيئية الصغيرة حين تُهمل تتحول سريعًا إلى أزمات صحية واجتماعية، وقد تنفجر سياسيًا في أي لحظة.

الهواء النظيف حق لا يقبل التأجيل

اختناق حلوان ليس مجرد رائحة كريهة، بل مرآة لإهمال طويل تراكم حتى وصل إلى صدور الناس. الهواء النظيف حق أصيل لا رفاهية، وإذا لم يُحمَ اليوم، فقد نصحو غدًا على مدن كاملة تبحث عن أنفاسها بلا جدوى.

134682
134683
134686
134687